في نيسان 1961، أعلنت نقابة المحامين في بيروت الإضراب إحتجاجاً على إنشاء "معهد الحقوق العربيّ" التابع لـ"جامعة بيروت العربيّة". وأعلنت النقابة أنها لن تتراجع عن إضرابها قبل إقفال المعهد والإلتزام بحصر تعليم الحقوق في فرعَيّ "الجامعة اللبنانيّة": الفرع الأول يُعنى بشؤون كليّة الحقوق في الجامعة اللبنانيّة، والثاني يُعنى بشؤون كليّة الحقوق التي تتولى إدارتها "جامعة القديس يوسف". استمرّ الإضراب لمدةٍ تقارب 9 أشهر، سقطت خلالها حكومتان، ونفّذ "الحزب السوريّ القوميّ الإجتماعيّ" محاولة إنقلابٍ على حكم رئيس الجمهورية آنذاك فؤاد شهاب.

اعتبرت نقابة المحامين أن المعهد غير شرعيّ وطالبت بعدم ترخصيه. وساندها في إضرابها حزب "الكتائب اللبنانيّة" حتى مرحلةٍ معيّنة من المواجهة مع الحكومة، آثر الحزب بعدها القبول بحلٍّ حكوميّ رفضه النقيب. بعد صدٍّ من حكومتَي الرئيس صائب سلام لمطلب النقابة، طلبت حكومة الرئيس رشيد كرامي التفاوض، من دون إهمال تهديدها بحلّ النقابة. مع تمسّك النقيب بمطلبه الأساسيّ، حاصرت الحكومة النقابة عبر توجيه دعوةٍ لإقرار مشروع قانون تنظيم التعليم العاليّ، ما أجبرها على التراجع في ظلّ ظروفٍ سياسيّة عاصفة.

في هذا المقال، نعود إلى الإضراب، ظروف نشأته وتطوّره، أداء الحكومة في صدّه، حتى الإعلان عن فكُه في كانون الثاني 1962.

النقابة تعلن الإضراب، والحكومة تتجاهلها
بتاريخ 5 كانون الثاني 1959[1]، صدر مرسومٌ إشتراعيّ رقمه 4، وقضى بتوقيف "الأكاديميّة اللبنانيّة للفنون الجميلة" عن تدريس الحقوق والعلوم السياسيّة والإقتصاديّة. وقد أتى القرار إستجابةً لطلب نقابة المحامين في بيروت، التي أرادت حصر تعليم الحقوق في فرعَي الجامعة اللبنانيّة والحدّ من تضخم عدد المحامين، ما سيؤدي - برأيها - إلى تدنّي المستوى القانونيّ والمهنيّ في البلد. إذ بلغ حينها عدد المحامين العاملين نحو 1200 محامٍ، فيما تعدّى عدد طلّاب الحقوق في الجامعة اللبنانيّة 1666 طالباً.

وبالإستناد إلى ذلك، دعت النقابة إلى إقفال "معهد الحقوق العربيّ" أسوةً بقسم حقوق "اللأكاديميّة". وكان "المعهد" قد تقدّم بطلب الحصول على علمٍ وخبرٍ سنة 1958 (حصل عليه سنة 1960)، يجيز لـ"الجامعة العربيّة" تأسيسه، بحيث يكون مثلها تابعاً لجامعة الإسكندريّة. وبنت النقابة دعوتها على اعتبار أن "القوانين والمراسيم والقرارات المتعلّقة بتعليم الحقوق أو بالتعليم إطلاقاً تقول بعدم السماح لأيّ مؤسسة علميّة بتعليم الحقوق وحصر هذا التعليم بمعهد الحقوق في الجامعة اللبنانيّة[2]". وكانت الحكومة قد أقرت رسميّاً أمام مجلس شورى الدولة في 22 ايلول 1960 بأنها "قصدت من تنظيمها العامّ لتدريس مادة الحقوق والعلوم السياسيّة المصلحة العامّة، ومنعت كلّ المدارس عن تدريسه[3]".

قبل إعلان الإضراب، حاولت النقابة لحوالي 6 أشهر فتح باب التفاوض من أجل إيجاد حلٍّ لمسألة "المعهد"، بينما استمرت حكومة الرئيس صائب سلام بتجاهل مطالبها. فدعا نقيب المحامين فيليب سعادة في 15 نيسان 1961 إلى إجتماعٍ للجمعيّة العموميّة لنقابة المحامين، التي قرّرت إعلان الإضراب عن المثول أمام المحاكم في حال عدم إقفال معهد الحقوق التابع لـ"جامعة بيروت العربيّة". اعتبرت الصحف يومها أن أسباب التحرّك طائفيّة، على خلفية التناقض بين إقفال "معهد الحقوق" في "الأكاديمية اللبنانيّة" سنة 1959 والإصرار على إبقاء "المعهد العربيّ".

إلتزم 650 محامٍ منتسبٍ إلى نقابة محامي بيروت بالإضراب على الرغم من معارضة قسمٍ منهم له، فتوقف العمل في المحاكم، باستثناء التحقيقات التي يجريها قضاة التحقيق. ولم يبلّغ نقيب المحامين قرار الإضراب إلى محاكم محافظة الشمال، لأنه لا يشمل نقابة الشمال. إعلان الإضراب لم يؤثر على قرار حكومة الرئيس صائب سلام، الذي أكدّ أن معهد الحقوق في "الجامعة العربيّة" لن يقفل. أما وزير التربية كمال جنبلاط فشرح أن إقفال المعهد سيؤدي إلى رفع دعوى من قبل الجامعة على الحكومة اللبنانيّة أمام مجلس شورى الدولة، كما سيدفع بالجامعة إلى تدريس طلابها في لبنان وتقديم الإمتحانات في "جامعة الإسكندرية" أو في "الجامعة السوريّة" في دمشق، علماً أن شهادات هاتين الجامعتين معترفٌ بها في لبنان. كما تخوّف من زعزعة العلاقات بين لبنان والجمهوريّة العربية المتّحدة[4]، فطرح حلّاً يقضي بتحديد عدد المحامين عبر تحديد عدد المتخرجين.

الأزمة تزداد تعقيداً، والطرفين على موقفهما
استمرت الحكومة باعتمادها سياسة التجاهل متأملةً أن يرضخ المحامون للأمر الواقع، فيقبلون بإنشاء المعهد. لكن النقيب تمسّك بالإضراب، على الرغم من تلقيه تهديدات عديدة بالقتل، حسب زعمه. وسانده في حملته رئيس حزب "الكتائب" الوزير بيار الجميّل، الذي كرّس "جريدة العمل" (جريدة الحزب) لإنتقاد قرار الحكومة بإنشاء معهدٍ إضافيّ يدرّس الحقوق باللغة العربيّة. وذكّر الجميّل سلام بالإتفاقات المعقودة بين الحكومة والجامعة اللبنانيّة على أثر إقفال معهد "الكليّة اللبنانيّة للفنون الجميلة"، "وإلا فما هو الداعي في ذاك الوقت لإقفال هذا المعهد، معهد ألكسي بطرس، إن لم يكن الحرص على تنظيم تدريس الحقوق ورفع مستوى المهنة[5]".

في 10 أيّار 1961، اضطرت الحكومة تحت ضغط الجميّل من جهة وتكتلّ المحامين في مواجهتها من جهة ثانية، على تأليف لجنةٍ وزاريّةٍ للإتصال بنقابة المحامين والعمل معها على إيجاد المخرج اللازم لإنهاء الإضراب. ولكن، كما كان متوقعاً آنذاك، بقيَ كلّ طرفٍ على موقفه، فاللجنة رفضت البحث في إقفال المعهد بينما تمسّكت النقابة بإقفاله كشرطٍ أساسيّ لبدء أيّة عمليّةٍ تفاوضيّة. في المقابل، اجتمع النوّاب المحامون في المجلس النيابيّ لوضع تشريعٍ عام لتعليم الحقوق، وتنظيم سائر فروع التعليم العالي في البلاد، على أن تنجز اللجنة مهمتها خلال 10 أيام. وقد أجمع النوّاب على إخضاع معهدَيّ الحقوق الفرنسيّ والعربيّ في "الجامعة اللبنانيّة" لإشراف الحكومة الفعليّ، وتنظيم مهنة المحاماة وتعاطيها على صعيد مهنيّ صرفٍ، بعيداً عن السياسة وتياراتها.

إستقالت حكومة سلام في 16 ايار 1961 نتيجة الخلافات بين أعضائها، وأعيد تكليفه بتشكيل حكومةٍ جديدة. لم يشر البيان الوزاريّ إلى الإضراب، واكتفت الحكومة بتشكيل لجنةٍ وزاريّة ثانيةٍ للتفاوض مع النقابة. وضعت اللجنة إقتراحاً قضى بالإبقاء على "معهد الحقوق العربيّ"، على أن يخضع الإنتساب إليه، بالنسبة إلى اللبنانيّين، للشروط ذاتها التي يخضع لها الإنتساب لمعهد حقوق الجامعة اللبنانيّة ومعهد الحقوق الفرنسيّ، أيّ أن يكون الطالب حاملاً للقسم الثاني من البكالوريا. أما غير اللبنانيين فتخوّلهم شهادة المعادلة حقّ الإنتساب[6]. رفضت النقابة الحلّ، وتفاقمت الأزمة داخل الحكومة وبين المحامين الداعمين للإضراب ومعارضيه.

المواجهة تحتدّ، والحكومة تستغل إنقسام النقابة
مع إستمرار الإضراب، بدأ بعض المحامين الرافضين له بالدعوة إلى فضّه. وفي هذا السياق، وجّه النائب أنور الخطيب دعوة إلى زملائه المعارضين للإجتماع والبحث في إستئناف العمل، معتبراً أن "نقابة المحامين، ولو كان لها كيان مستقل، فهي لا تخرج عن كونها مصلحةً عامّة[7]". وحذّر من اللجوء إلى محكمة الإستئناف في حال إتخاذ أيّ قرار ضد المحامين المجتمعين. وعليه، إجتمع المعارضون في "فندق الكارلتون" في بيروت في 4 تمّوز، وأصدروا بياناً اعتبروا فيه أن إجتماع الجمعيّة العموميّة الذي نتج عنه إعلان الإضراب لم يكن قانونيّاً. فلا يجوز لقرارات الجمعيّة أن "تتناول أموراً خارجة عن مصلحة المهنة". ودعوا إلى إستئناف العمل في المحاكم بدءاً من 10 تموز 1961 ما لم تدعُ الجمعيّة العموميّة إلى رفع الإضراب قبل هذا الموعد[8]. إلا أن سعادة لم يرضخ لمعارضته، فقرّر إحالة المحامين الخارجين عن الإضراب إلى المجلس التأديبيّ. كما أصدر قراراً يقضي بمنع المحاميّين محسن سليم وإدوار يمّين من مزاولة المهنة لمدة عامٍ، بعد ترافعهما عن موكليهما أمام المحكمة العسكريّة. لكن المدّعي العام التمييزيّ أصدر قراراً بتجميد هذا القرار، ما استدعى صدور بيانٍ عن المحامين الداعمين للإضراب استنكروا فيه القرار و"اعتبروه خرقاً لنظام مهنة المحاماة[9]". أثارت هذه التحركات والقرارات بلبلةً في صفوف المحامين، الذين دعوا إلى رصّ الصفوف مجدّداً منعاً لإنهيار النقابة. وبالفعل، لم يعد المحامون المعارضون إلى العمل، بل اكتفوا بمطالبة النقيب بإيجاد حلّ سريع للأزمة.

وبموازاة ذلك، رأت الحكومة أن الحلّ الوحيد يكمن في إعادة طرح مشروع قانون تنظيم التعليم العاليّ على طاولة البحث، ما قد يشكّل مخرجاً للأزمة ويجبر النقابة على تعليق الإضراب. كما طرحت الحكومة حلّاً يقضي بالإبقاء على المعهد، وإعطائه ترخيصاً كونه قد تقدّم بعلمٍ وخبرٍ في العام 1958 وباعتباره منتسباً إلى الجامعة المصريّة، على ألّا يقبل فيه اللبنانيّون إلا من حملة شهادة البكلوريا - الفلسفة، "ويجب على خرّيجيه ليدخلوا الوظائف ويتعاطوا المحاماة أن ينالوا الليسانس من الجامعة اللبنانيّة[10]". رفض نقيب المحامين الحلّ، واعتبر أنه أتى من باب التسوية السياسيّة لا الحلّ القانونيّ. عرضه على الجمعية العموميّة التي ساندته في قراره وأعلنت إستمرار الإضراب إلى حين إقفال المعهد العربيّ.

اللافت هنا هو تبنّي "حزب الكتائب" لمشروع الحكومة الذي وصفه بـ"المعقول"، ورأى أن ما من داعٍ لإستمرار الإضراب. وأدّى موقف "الكتائب" إلى إنقسامٍ داخل الجمعيّة العموميّة للنقابة، فاتهم المحامون المقرّبون من النقيب المحامين "الكتائبيّين" بأنهم "يلعبون لعبة المحافظة على الكراسي، على حساب مصلحة نقابة المحامين"[11]. في المقابل، ساند قسمٌ كبيرٌ من المحامين موقف "الكتائب"، وأشاروا إلى أن الاضراب أضرّ كثيراً بالموكلين والسجناء الذين فاقت نسبتهم بحسب إحصاءات دوائر العدلية الـ40%، حسب جريدة النهار. من جهته، صعّد جنبلاط محدّداً إمكانيتين للتصرّف: إما حلّ نقابة المحامين أو وضع مشروع قانون يقضي بالسماح بإنشاء نقابة جديدة.

قرّر مجلس الوزراء في جلسته في 28 آب 1961 إشتراط البكالوريا اللبنانيّة – القسم الثاني دون سواها من شهادات التعليم الثانويّ على الطلاب اللبنانيّين الراغبين بدراسة الحقوق في لبنان. لكن النقابة استمرت برفض جميع الحلول ما دامت لا تشمل إقفال المعهد. عندها، زاد ضغط الحكومة، فعمد بعض المحامين المعارضين إلى رفع دعوى أمام محكمة الإستئناف ضد النقيب ومجلس النقابة. ودخلت "جمعيّة تجّار بيروت" على الخطّ واقترحت أن تكون الوسيط بين النقابة والحكومة، وهدّدت بإعلان الإضراب في حال فشل الوساطة وتمسّك النقابة بموقفها.

حكومة كرامي تفاوض ثم تنسحب: التسوية تُطهى، والنقيب يتعنّت
إستقالت حكومة صائب سلام الثانية وكلّف الرئيس رشيد كرامي بتشكيل حكومةٍ جديدة، وعدت بحلٍّ لإنهاء أزمة معهد الحقوق. ومن هذا المنطلق، تبنّت حكومة كرامي مشروع قانون تنظيم التعليم العاليّ الذي كانت قد قدّمته حكومة سلام. ورأت أنّ إقرار هذا القانون يشكّل المدخل الوحيد لإنهاء الأزمة، لاسيما أنه يحافظ على مستوى تعليم الحقوق ويسمح باستمرار "المعهد العربيّ" في "الجامعة العربيّة". فصدر مرسوم قانون تنظيم التعليم الرقم 7965 في 24 تشرين الأول 1961، وأحيل إلى المجلس النيابيّ لمناقشته بالصيغة المعجّلة. اتهمت النقابةُ الحكومةَ بإستعمال القانون من أجل إنهاء الإضراب وإحراجها، إذ استعانت به بعدما بقيَ نائماً في الأدراج لثلاث سنوات. وهي، أمام عجزها عن البتّ بملف التعليم بسبب الخلافات بين أقطابها، ارتأت الاستعانة بالسلطة التشريعيّة ورمي الكرة في ملعبها. وتوقعت أن قسماً من المحامين، بعد تصديق مشروع قانون التعليم العاليّ، سيعتبر القضية منتهية، بينما سيتعب القسم الآخر من الإضراب ويطالب برفعه. إلا أن خطاب الحكومة بقي يصرّ على أنّ هدفها الرئيسيّ هو تنظيم التعليم العاليّ الذي يفتقد لقوانين ومراسيم تنظيميّة. فالقانون يحدّد مؤسسات التعليم العاليّ وأنواعها، وينظّم أوضاعها، ويؤمّن رقابة الدولة عليها. ويمنع المشروع ترخيص معاهد أو كليّات للحقوق والعلوم السياسيّة في لبنان لمدة 12 سنة من تاريخ صدوره. وعلى الرغم من هذه الموجبات، بدا واضحاً حينها أن القانون وُضِع لحلّ مشكلة "معهد الحقوق العربيّ"، لاسيما أنه شرّعه وأقفل الباب أمام أي معهدٍ جديد.

وعليه، قرّرت حكومة كرامي الإبقاء على مشروع قانون تنظيم التعليم كما ورثته عن حكومة سلام، ما أدّى إلى تشبث سعادة بموقفه. بالإضافة إلى ذلك، طالب سعادة بتعديل مادّةٍ في القانون تنصّ على "السماح لجميع المدارس والمعاهد والكليّات بتدريس الحقوق شرط أن تنال رخصةً رسميّةً بذلك من الدوائر المعنية". إذ اعتبر أنّ هذه المادة تسمح في المستقبل بأن تقوم "مثلاّ مدرسة يهوديّة بطلب رخصة لتعليم الشريعة اليهوديّة[12]". تعنّت النقيب واجهه تراجع "حزب الكتائب" عن موقفه الداعم للإضراب. وأكدّ النائب جوزيف شادر أنّ "الكتائب" ستصوّت لمصلحة القانون، لأنه يشكل "حلّاً وسطاً لمشكلة إضراب المحامين، ومن غير المعقول في هذه الظروف السياسيّة الحرجة البحث عن حلٍّ أفضل من الحلّ الذي أوجدته الحكومة[13]". وساند وزير العدل فؤاد بطرس "الكتائب"، فرأى أن "إستمرار الإضراب يعدّ إضراباً ضد قانونٍ قائم دستورياً. ويصبح بالتالي مأخذاً على موقف النقابة يطاله القانون"[14]. وبموازاة ذلك، رفع المحامون المعارضون للإضراب عريضةً تضمّنت إستياءهم من تأجيل الدعاوى التي وكّل فيها محامون يؤيدون الإضراب، معتبرين ذلك تحريضاً لإستمرار الإضراب. كما عمد وزير العدل إلى دعوة بعض المحامين إلى فكّ الإضراب بغية تعيينهم قضاة. لكن معظمهم رفض طرح بطرس بسبب تدنّي رواتب القضاة، حسبما نقلت صحيفة "النهار" عن بعضهم.

أثار إصرار نقيب المحامين على إقفال المعهد خيبة أمل الحكومة. فطلب كرامي من وزير التربية الكفّ عن التفاوض مع نقابة المحامين "لأن الحكومة أعطت ما عندها"[15]. وبالفعل، توقّفت الحكومة عن التفاوض مع النقابة، وعمدت إلى وضع إستراتيجيةٍ لضرب الإضراب. فعمد بعض الوزراء إلى التهويل بإمكانية حلّ النقابة والسير بدعاوى الجنح من دون محامين. ودخلت "الكتائب" على الخطّ، فأفهم محامو الحزب زملاءهم بضرورة التراجع لتجنيب البلاد المزيد من التشنّج السياسيّ. حتى أنهم هددوا بالإنضمام إلى دعاة كسر الإضراب، عبر عدم التقيّد بأيّ قرارٍ قد تتخذه الجمعية العموميّة بإستمرار الإضراب.

أمام تعنّت النقابة، قرّرت الحكومة الطلب من المحاكم السير في الدعاوى، وإصدار الأحكام في غياب المحامين، وإفساح مجال أمام المحامين المعارضين للترافع عن وكلائهم. وكانت المحاكم قد إتخذت تدابير منذ إعلان الإضراب تسمح بتأجيل الدعاوى بصورةٍ تلقائيّةٍ وبمجرد عدم حضور المحامين. وأعطيت تعليمات إلى النيابات العامة بوجوب النظر بطلبات إخلاء سبيل الموقوفين بجنح. وبالفعل، تمّ الإفراج عن عدد من المعتقلين.

ومع تفاقم الأزمة، بلغ عدد الدعاوى المجمّدة في المحاكم 30 ألف دعوى، فيما وصل عدد طلبات إخلاء السبيل إلى نحو 300، لم يُبت بأمرها[16]. إلا أنّ محامي الإضراب لم يتراجعوا، فاقترحوا الدعوة إلى التظاهر، لكن النقيب رفض اللجوء إلى الشارع، وقرّر إرسال برقيةٍ إلى الحكومة هدفها "الحيلولة دون نشر القانون إذا أقرّه المجلس النيابيّ"، وإلا فـ"الإستمرار في الإضراب والتشدّد فيه إذا نشر القانون"[17]. وشرح نقيبٌ سابق في حديث لصحيفة "النهار" أن إستمرار النقابة في الاضراب على الرغم من نشر القانون سيضعها في "مرتبةٍ تشريعيّةٍ أعلى من مرتبة المجلس النيابيّ، وهذا أمرٌ يتنافى مع الدستور ويتعارض مع قواعد القانون"[18].

وبالفعل، أقرّ المجلس النيابيّ القانون في 23 كانون الأول 1961، ودعا النقابة إلى فكّ الإضراب لأن أسبابه قد انتفت. وأكدّ النوّاب المحامون رغبتهم بحلّ الإضراب أو تعليقه على الأقلّ والإتفاق مع الحكومة على وضع قانون تنظيم مهنة المحاماة. لكن سعادة رفض الإنصياع، وعاد للتذكير بأن الحكومة أقفلت "معهد ألكسي بطرس" لأنها سعت لحصر تدريس الحقوق، وهو ما تريده النقابة من إضرابها.

في هذه الأثناء وعلى مستوى وطنيّ، نفّذ "الحزب السوريّ القوميّ الإجتماعيّ" محاولة إنقلابٍ، وكان المجلس النيابيّ على مستوى أخر قد أقرّ قانون تنظيم التعليم العاليّ. سرّع هذان الواقعان عملية إنهاء الإضراب. فاجتمعت الجمعيّة العموميّة للمحامين في 18 كانون الثاني 1962 ووضعت حدّاً للإضراب الذي استمر لأكثر من تسعة أشهر، على الرغم من "تمسكها بكلّ قواها بمطلبها المقرّر في جلساتها المنعقدة بتاريخ 15 نيسان و10 آب 1961. خدمةً للبنان والإنسانيّة والعدل، تقرّر فكّ الإضراب"[19].
 

نشر هذا المقال في العدد 46 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  صدر مرسومٌ تنظيميّ يحمل الرقم 2516 بتاريخ 14 تشرين الثاني 1959، يتعلّق بنظام كلية الحقوق في الجامعة اللبنانيّة، ينصّ على دعم فرعين إلى الجامعة اللبنانية. الفرع الأول يُعنى بشؤون كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، والثاني يُعنى بشؤون كلية الحقوق التي تتولى إدارتها "جامعة القديس يوسف".
[2]  قضية المعهد العربي يتنازعها اتجاهان. جريدة النهار، 19 نيسان 1961، ص. 2
[3]  نقيب المحامين يتهم الحكومة بالعجز. جريدة النهار، 7 ايار 1961، ص. 2
[4]  "الجمهوريّة العربيّة المتّحدة" هو الإسم الرسميّ للوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961)
[5]  الدور التشريعيّ العاشر، العقد العاديّ الثاني لسنة 1961، محضر الجلسة الحادية عشرة، المنعقدة في الساعة السادسة والنصف من بعد ظهر يوم الثلاثاء الواقع في التاسع عشر من كانون الأول 1961.
[6]  الابقاء على المعهد العربيّ وتقييد الإنتساب إليه. جريدة النهار، 28 حزيران 1961، ص. 2
[7]  الخطيب يقول لمجلس النقابة إن دعوته للإجتماع قانونيّة. جريدة النهار، 23 حزيران 1961، ص. 3
[8]  المحامون المعارضون يعتبرون أنفسهم بحلّ من قرار النقابة. جريدة النهار، 5 تموز 1961، ص. 2
[9]  أكثرية الوزراء تؤيد بقاء المعهد العربيّ. جريدة النهار، 5 تموز 1961، ص. 2
[10]  حلّ أزمة الحقوق: بقاء المعهد واخضاعه للجامعة اللبنانيّة. جريدة النهار، 20 تموز 1961، ص. 2
[11]  الجمعيّة العموميّة للمحامين تقرّر إستمرار الإضراب. جريدة النهار، 11 آب 1961، ص. 2
[12]  الحكومة الكرامية تتبنى مشروع التعليم العالي. جريدة النهار، 30 تشرين الثاني 1961، ص. 2
[13]  وزراء يتابعون مفاوضة نقيب المحامين. جريدة النهار، 1 كانون الأول 1961، ص. 2
[14]  اللجنتان تقرّان مشروع تنظيم التعليم العاليّ. جريدة النهار، 8 كانون الأول 1961، ص. 7
[15]  كرامي يريد حلّ الأزمة سياسيّاً. جريدة النهار، 21 تشرين الثاني 1961، ص. 2
[16]  مجلس نقابة المحامين يردّ على تجاهل الحكومة. جريدة النهار، 19 كانون الأول 1961، ص. 2
[17]  المحامون يستعيضون عن التظاهر ببرقيّة تحذّر من تصديق التعليم العاليّ. جريدة النهار، 21 كانون الأول 1961، ص. 2
[18]  المتحمسون للإضراب يوقعون على عريضة بتأييد كلّ اقتراح يقضي باستمرار الإضراب. جريدة النهار، 22 كانون الأول 1961، ص. 2
[19]  النقيب يفاجئ المحامين بقرار حلّ الإضراب. جريدة النهار، 19 كانون الثاني 1962، ص. 2