أدّت نتائج إنتخابات "نقابة المحامين في بيروت" الحاصلة في 20 تشرين الثاني 2016 إلى إخراج واقعٍ طائفيّ حاضرٍ في النقابة من حيّز تهامس المحامين العصيّ على الإثبات والتدليل إلى حيز الواقع الملموس الذي يمكن إخضاعه للنقاش. فبرز غياب التمثيل الشيعيّ عن مجلس النقابة للسنة الثالثة على التوالي، على أنه العنصر الأساسيّ للأزمة الحاليّة.[1] وشكّل محوراً لخطابٍ طائفيّ وصل حدّ المطالبة باعتماد صيغة "المناصفة في التمثيل بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النقابة"، وفقاً لما جاء في بيانٍ صادرٍ عن نائب رئيس المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى عبد الأمير قبلان. وقد هدّد بإنشاء نقابةٍ أخرى للمحامين "يتمثّل فيها المسلمون الشيعة تمثيلاً صحيحاً".

صنّفت نتائج هذه الإنتخابات كعلّةٍ سببها خرقٌ "للميثاقية". والمقصود هنا، ميثاق شرفٍ تمّ توقيعه في نقابة المحامين في العام 1991 ينصّ على ضمان النقابة لتمثيل "العائلات" الطائفيّة اللبنانيّة في مجلسها. وتوقيع هكذا ميثاق يشير إلى أن المحامين اضطروا على التعامل مع أزمةٍ طائفيّةٍ شبيهةٍ وسابقة. ما يخرج نتائج الإنتخابات الأخيرة وردّ الفعل الحاصل حولها من الإطار الآنيّ، ليضعها في سياقٍ يسعى هذا البحث لتحديده.

لتوضيح هذا السياق، لا بدّ من التدقيق في التبدّلات التي شهدتها النقابة منذ إنشائها سنة 1921، وصولاً إلى ظروف إنبثاق الميثاق في العام 1991. فهل برز هذا الخطاب الطائفيّ في النقابة منذ نشأتها، أم صعد في وقتٍ لاحقٍ، وما هو التحوّل الذي أدّى إليه؟ وأبعد من ذلك، ما هي الأسباب الفعليّة المؤدية إلى إنتخاب مجلسٍ من لونٍ طائفيٍّ واحد؟

"الثلث" الجديد في النقابة
استمرت "الجامعة اليسوعيّة" حوالي نصف قرنٍ من الزمن (1913 - 1959) وحيدةً في مجال تدريس القانون في بيروت. من هنا، هي الوحيدة التي خرّجت محامين منذ إنشاء النقابة سنة 1921، حتى إنشاء كليّة الحقوق في الجامعة اللبنانيّة سنة 1959، من ثم إنشاء "جامعة بيروت العربية" سنة 1960، التي ضمّت كلية حقوق منذ تأسيسها. هذا التبدّل الذي شهده تدريس مادة القانون في جامعات مدينة بيروت، شكّل بالنسبة إلى بعض المحامين أرضيةً لصعود خطابٍ طائفيّ داخل النقابة. يستند أصحاب هذا التوجّه إلى معارضة نقابة المحامين الشديدة لإنشاء معهدٍ للحقوق في الجامعة العربيّة تحديداً[2]. ويعتبرون أن خلفية هذه المعارضة كانت طائفيّةً بشكل أساسيّ. في هذا الصدد، يقول أحد قدامى المحامين المستقلين (أ) في إطار حديثه مع "المفكّرة القانونيّة":

"خلال فترة من الزمن كان عديد المحامين من الطوائف المسيحيّة أكثر منهم من الطوائف المسلمة. والسبب يعود إلى كون الجامعة الوحيدة التي كانت تُخرّج محامين هي "اليسوعيّة". كثرٌ حاربوا تأسيس كلية الحقوق في الجامعة اللبنانيّة وفي الجامعة العربيّة. إذ بسبب تأسيسهما، لم يعد العلم حكراً على طائفةٍ أو فئة. نقابة المحامين أضربت لأكثر من ثمانية أشهر بهدف منع إنشاء كلية الحقوق في الجامعة العربيّة تحت ذريعة رفض تضخّم عدد المحامين، لكن الأمر حقيقةً حمل بعدين: طائفيّا وطبقيّا".

إذاً، يجد أصحاب هذا الرأي أن النقابة اعترضت مُسبقاً على التبدّل الذي توقعت أن يطرأ على تركيبتها الطائفيّة والطبقيّة إثر إنشاء الكليّتين المذكورتين. خرّيجو الكليتين الجديدتين، بأغلبيتهم المسلمة، وجدوا أنفسهم منذ دخولهم المجال أمام صراع على الحقّ بالوجود والتمثّل، وفقاً لهذا الرأي.

يؤكد (ب)، وهو أيضاً من كبار المحامين في بيروت، أن "عدد المحامين المسلمين في النقابة إزداد بعد إنشاء هاتين الجامعتين، وباتوا تقريباً يشكّلون الثلث". ومع ذلك، يرفض (ب) تحميل إعتراض المحامين آنذاك بعداً طائفيّاً، معتبراً أن "المخاوف كانت أكاديميّة"، بمعنى أن "جامعة بيروت العربية لا تتمتع بالأساس العلميّ القويّ اللازم للمهنة، كذاك الذي تمتلكه اليسوعيّة".

بالنتيجة، يختلف التوجّهان في تقييم الأثر المباشر لإنشاء كليّاتٍ جديدةٍ على تطوّر خطابٍ طائفيّ داخل النقابة. وهو أثرٌ يبقى عصيّاً على التفكيك، في ظلّ غياب التوثيق والإحصاء لخرّيجي هذه الكليات آنذاك، فيصعب الحسم في ما إذا انعكس إضراب نقابة المحامين أزمةً طائفيّةً داخل النقابة خلال المرحلة اللاحقة لإنشاء الكليّتين. بالتالي، لا يمكن الجزم بأن هذا الإضراب شكّل حجر الأساس لما شهدته النقابة من أزماتٍ ذات طابع طائفيّ في مرحلةٍ لاحقة. في المقابل، يمكن التأكيد على أن هذه المرحلة شكّلت الأساس لتبدّل التركيبة الطائفيّة للنقابة. ما يدفع بنا إلى التساؤل حول ما إذا اتخذت النقابة أيّ إجراءاتٍ تتماشى وواقعها الجديد؟

يصبّ كلام (أ) و(ب) في نتيجةٍ واحدةٍ تفيد بغياب أيّ نيّةٍ فعليّةٍ للتعامل مع الواقع الطائفيّ الجديد للنقابة. لا بل يذهب (ب) للقول إن "المسيحيّين لن يتخلوا عن كون النقيب مسيحيّاً، فهو المنصب الوحيد من بين مناصب عديدة في مجال القانون والعدالة الذي لا يزال لهم ولن يتخلّوا عنه لأحد". أما (أ) فيعتبر إن "نقابة طرابلس كانت أكثر تيقظاً، فطبقوا المداورة بين المسلمين والمسيحيّين على منصب نقيب منذ نشأة النقابة. في المقابل، يبقى النقيب في بيروت مسيحيّاً دائماً رغم التبدلات كلها، بينما يقتصر طرح الحلول على حين وقوع أزمة، كما حصل في الإنتخابات الأخيرة ولا يطول النقاش لأكثر من أسابيع حتى ينسى الموضوع".

في مطلق الأحوال، يُلاحظ أن التوجّه الأعمّ في النقابة يذهب نحو إنكار المسألة الطائفيّة. ومن الدلالات على ذلك، رفض أغلب المحامين الذين حاولت "المفكّرة" التواصل معهم في إطار بحثها هذا، الحديث في الموضوع. مثلاً، المحامي (ه) أعلن رفضه الكلام عن الموضوع بالقول: "أنا مع نقابتي ظالمةً كانت أم مظلومة". ويشير هذا التوجّه إلى مدى حساسيّة المشكلة الطائفيّة بالنسبة إلى المحامين، لا سيما القدامى منهم. فهم، بموقفهم هذا، يعترفون بالطائفيّة كآفةٍ لا يقبلون وصم نقابتهم بها، ويعلمون ضمناً إنها تحوّلت إلى واقعٍ لا يتمّ التعامل معه.

عدد المرشحين أو النظام الإنتخابيّ؟
في العام 1991، لمّا انتخب إستثنائيّاً ثمانية أعضاءٍ لمجلس النقابة في دورةٍ واحدةٍ بدلاً من دورتين[3]، مرّت على النقابة أزمةٌ ذات طابعٍ طائفيّ شبيهةٌ بتلك التي شهدناها حاليا نتيجة الإنتخابات النقابيّة الأخيرة. وعبر الزمن، يستمر عاملان أساسيّان في تشكيل أرضيةٍ حمّالة للأزمات: التمثيل الطائفيّ، وإنكار المشكلة. في العام 1991، وقبيل الإنتخابات، حضر طرحٌ للجمع بين نقابتي بيروت وطرابلس، ووضع محل نقاشٍ جدّيّ تم تداوله صحافيّاً. إنهاء هذا النقاش جاء من خلال تعليقٍ نشَره نقيب المحامين في طرابلس حسن مرعبي في جريدة "النهار" قبل شهرٍ من موعد إنتخابات نقابة المحامين، وجاء فيه:

"مع احترامنا لنقابة المحامين في بيروت كمؤسّسة ومحامين زملاء أعزاء، لا يسعنا إلا أن نلفت النظر دون إنتقاصٍ من أحد إلى المواقف الوطنيّة والقوميّة لنقابة محامي طرابلس التي يعرفها الجميع والتي اتخذتها في أحلك الظروف وأصعبها، حيث حافظت على الإرتباط العضوي الداخليّ والعربيّ، وحالت دون التفكّك (...). وما تمسّكها بالعيش المشترك والإنصهار الوطنيّ (...) وتثبيت حقّ كلّ محامٍ لأي دينٍ أو طائفةٍ انتسب في الترشيح لمنصب النقيب والمشاركة الفعّالة في القضايا المطلبيّة والقوميّة إلا الدليل الساطع على الدور المهم والأساسي الذي تقوم به في خدمة لبنان والوطن العربي".[4]

ينطوي ما نشره مرعبي على انتقادٍ مباشرٍ لنقابة المحامين في بيروت على خلفية الإحتكار الطائفيّ لمنصب النقيب فيها. وهو، بالتالي، ليس نقداً للحالة الطائفيّة نفسها، على قدر ما هو رفض للتنازل عن مكتسبٍ متاحٍ في إطار نقابة المحامين في طرابلس: وصول المسلمين إلى رئاسة النقابة، بالتساوي مع المسيحيّين.
اللافت هنا أن مرعبي حصر نقده للمشكلة الطائفيّة في نقابة بيروت بمنصب النقيب، ولم يتناولها في إطار عضوية مجلس النقابة. ما يعزّز إحتمال عدم بروز أزمة تمثيلٍ طائفيّ على هذا الصعيد قبلها، لا سيما أن المجلس المنتخب في العام 1987، والذي اقتُرع في انتخاباته لـ 12 عضواً دفعةً واحدة، "ضم 3 محمديّين: سنيّ وشيعيّ ودرزيّ"، وفقاً لـ(ب).

في المقابل، تظهر رسالة مرعبي كأنها موقفٌ إستباقيّ لأزمةٍ ما لبثت أن وقعت إثر إنتخابات العام 1991. فلم يتمكن في هذه الإنتخابات أيّ مسلمٍ سنيّ أو شيعيّ من الوصول إلى مجلس النقابة. وبات تكوين المجلس مسيحيّاً صرفاً، لولا وجود عضو درزيّ وحيد فيه. ويتضح من المتابعة التي أجرتها جريدة "النهار" آنذاك أن هذه النتيجة كانت متوقعة، إذ أوردت خبراً يقول: "على الرغم من الجهود التي بذلها نقيب المحامين السابق ونقباء سابقون لإنتخاب أربعة أعضاء مسلمين لعضوية مجلس النقابة، فإن جهودهم لم تلقَ الصدى المطلوب"[5]. مجرّد توقع هذه النتائج يشير إلى وجود أسبابٍ وظروفٍ واضحةٍ أدّت إلى الوصول إليها.

حينها، برز توجّهان لدى المحامين في تبرير النتيجة. أحدهما يردّ الأمر إلى "أعمال التشطيب التي استهدفتهم (أي المحامين المسلمين) بالذات، إضافة إلى شبه التحالف الذي كان قائماً بين بعض المرشحين والتكتلات"[6]. في المقابل، رمى آخرون الذنب على مرشحي الطوائف المسلمة أنفسهم. وكتب المحامي عبدالله القبرصي: "لا أنكر أن بعض المحامين – لكنهم نزرٌ يسير- لا يزالون يتأثرون بطائفة المرشّح (...). النافر والمقلق أن الأعضاء الثمانية الذين تم إنتخابهم يوم الأحد والذين نجحوا، ليس فيهم إلا درزيٌّ مسلم. كلّ الشيعة والسنة رسبوا. وأبادر بالإعلان صراحةً وجرأةً أن الذنب ليس ذنب الناخبين، بل ذنب المرشحين. فقد كان هناك سبعة عشر مرشحاً سنيّاً وشيعيّاً[7]".

من جهته، يؤيد (ب) التوجّه الثاني، معتبراً أن السبب في النتيجتين في العام 1991 والعام 2016 هو عدد المرشحين المسلمين. ويقول في هذا المجال:

"كثرة أعداد المرشّحين المسلمين تؤدّي إلى خسارتهم، لا سيما أن العرف يقول بوجود مقعدٍ سنيّ، مقعدٍ شيعيّ، ومقعدٍ درزيّ في النقابة. وفي أغلب الأحيان، لا يصل محامون من الطوائف الثلاثة، بينما يصل في أحيانٍ إستثنائيةٍ أكثر من محامٍ واحدٍ من إحدى هذه الطوائف إلى مجلس النقابة".

في هذا السياق، لا يعود من الممكن فهم مشكلة عدد المرشّحين إلا في إطار وجود مساحة تمثيلٍ قصوى متاحةٍ للمسلمين عرفاً. فيؤدي تعدّد المرشحين المسلمين إلى خلق معركةٍ داخل المعركة الإنتخابية، تنحصر في ما بينهم، فتتبدّد أصواتهم. في المقابل، لا تنعكس كثرة عدد المرشحين المسيحيّين على تمثيلهم داخل النقابة بالطريقة ذاتها، إذ يبدو أمر إنتخاب أكثر من عضو من الطوائف المسيحيّة بديهياً. وهكذا، لا يكون عدد المرشّحين سبباً بحدّ ذاته لإقصاء طائفةٍ ما، وإنما العرف الإنتخابيّ المكرَّس بطريقةٍ تظهره كجزءٍ لا يتجزأ من النظام الإنتخابيّ نفسه، وهو يحصر عدد المقاعد التي يمكن لغير المسيحيّين تبوؤها في مجلس النقابة.[8]

وخير مثالٍ عن ذلك يقدّمه (ب) بالعلاقة مع نتائج إنتخابات العام الجاري 2016:

"ترشّح خمسة محامين شيعة. بطبيعة الحال، لن يقترع أحد لـ3 من الطائفة نفسها. لو حصل المرشّح علي العبدالله على 20% من الأصوات التي حصل عليها خصومه الأربعة بالإضافة إلى ما حصده هو، لتمكّن من الوصول إلى المجلس. لكن كثرة المرشّحين من الطائفة بدّدت الأصوات، علماً أن مجلس النقابة اليوم يضمّ عضواً مسلماً سنيّاً وآخر درزيّاً".

التدخّل السياسيّ يفاقم الأزمة
أثارت نتائج الإنتخابات التي شهدها العام 1991 ردود فعلٍ متفاوتة ومعارَضَةً قويّةً من بعض المحامين المسلمين الذين طالبوا بالحفاظ على صيغةٍ توافقيّة:

"إننا نعتبر نتائج الإنتخابات الأخيرة لمجلس النقابة غير مقبولةٍ على الصعيدين الوطنيّ والنقابيّ، ونطالب مجلس النقابة المنتخب باتخاذ موقفٍ تاريخيّ مسؤولٍ بالترفّع عن المصالح الخاصّة ورفض نتائج الإنتخابات والتقدّم بإستقالةٍ جماعيّةٍ وتأليف لجنةٍ لتعديل قانون تنظيم المهنة والنظام الداخليّ، بما يضمن صحّة التمثيل الوطنيّ والمناطقيّ"[9].

ردود الفعل على هذه النتائج لم تتوقف عند حدود المحامين، بل تخطّتها إلى العديد من السياسيّين الذين عبّروا عن عدم ارتياحهم لهذه النتائج وطالبوا بوضع حلول:

"تحدّثنا (الرئيس عمر كرامي) والوزير جورج سعادة (...) وأنا، وكنا غير مسرورين من النتيجة لأن لدينا اعتبارات يجب أن تراعى، وأرجو أن يجدوا المخارج التي تصحّح الوضع حتى لا تحصل الإنشقاقات التي نحن بغنى عنها، ولا نريد أن نتدخّل في ذلك"[10].

"الإنتخابات أسفرت عن تغليب مبدأ الديمقراطيّة العدّدية على مبدأ التوافق الطائفيّ المسمّى زوراً توافقاً وطنيّاً، بحيث أصبح مجلس نقابة المحامين كأنه مجلسٌ لرابطة طائفيّة ذات لونٍ واحد"[11].

تخرج هذه التصريحات والبيانات الصادرة عن النقابيين والسياسيّين، أزمة سنة 1991 من الإطار النقابيّ لتزجها في صلب الطائفيّة السياسيّة المهيمنة على الدولة بكافة مؤسّساتها. ولكن، هل يتطابق التدخّل السياسي في نقابة المحامين وقتها مع طبيعة التدخّل القائمة حالياً؟ (ب)، من جهته، يؤكد أن "التدخّلات السياسيّة لم تكن حاضرةً في التسعينيّات على مستوى العملية الإنتخابيّة". في المقابل، لا ينفي إهتمام هذه الجهات السياسيّة بالإنتخابات النقابيّة، محدّداً رغبتها بدعم هذا المرشح أو ذاك، أو التدخّل عبر المرشّحين لحلّ مشكلاتٍ نقابيّة. أما موعد إزدياد حدّة التدخّلات السياسيّة فيضعه في سياق "ما بعد العام 2005، عندما بدأت تبرز التحالفات الحزبيّة بشكلٍ واضحٍ في إطار تكتلي 8 و14 آذار، حيث بات العمل الحزبيّ بارزاً على صعيد الترشيحات والإنتخابات". هذا الواقع أدّى إلى تسهيل وصول محامين من مختلف الطوائف في إطار التكتلات السياسيّة القائمة، كما نتج عنه عدم تمثيل طائفةٍ ما بناءً على قرارٍ سياسيّ توافقيّ داخل الكتل.

بالنتيجة، يمكن للمرء أن يقرأ الإنتخابات النقابيّة منذ التسعينيّات وحتى اللحظة كجزءٍ لا يتجزأ عن واقع البلد القطاعيّ والسياسيّ والطائفيّ المسيطر على المجتمع والدولة. ففي التسعينيّات، إرتبط الخطاب الطائفيّ بالتنازع على التمثيل بين المسلمين، سنّةً وشيعةً، من جهة والمسيحيّين على إختلاف مذاهبهم من جهةٍ أخرى. ما تناغم مع واقع الإنقسام وتوزيع الحصص القائم آنذاك. أما الآن، وفي ظلّ الإنقسام بين الطائفتين السياسيّتين السنيّة والشيعيّة وأحزابهما، لم يعد ممكناً تمرير الخطاب الطائفيّ عبر رجال السياسة المسلمين، ما استدعى صدوره مباشرةً عن مرجعيّةٍ طائفيّةٍ. فكان بيان المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى.

ميثاق 1991
يدلّ الميثاق الموقّع في نقابة المحامين في 17 كانون الأول 1991 على المسألة الطائفيّة داخل النقابة، خلال العقود الماضية. وهو نتيجةٌ مباشرةٌ للأزمة الحادّة التي نشأت وقتها (راجع/ي التحقيق المنشور هنا).

يقول المحامي المخضرم (ب) إنه، خلال فترة السبعينيّات، "لم نكن نسمع أيّ حديثٍ عن زيادة عدد المسلمين وضرورة تمثّلهم على هذه الخلفية. فالدروز لم يتمكّنوا قبل ذلك من الوصول إلى المجلس. حتى المحامي الشيعيّ، لم يكن قادراً على الوصول إذ كانت الأفضلية للسنّة. أما أن أغلبيّة النقابة من المسيحيّين فكان أمراً مسلّماً به. العرف الوحيد الذي ساد في ذلك الوقت قضى بأن يكون أمين السرّ محمديّاً، سواءً سنيّاً أو شيعيّاً أو درزيّاً. ويسجّل هنا مثلاً أن الدروز لم يعيّنوا في هذا المنصب إلا في حال عدم تمثّل السنّة والشيعة في مجلس النقابة، كما حصل في العام 1991".

خلال الحرب الأهلية، بدا وكأن النقابة نأت بنفسها عن الإنقسامات الطائفيّة والسياسيّة التي شهدتها الدولة. لا بل عزّزت تمسّكها بتنوّع التمثيل الطائفيّ في مجلسها إلى أبعد الحدود. فمثلاً، ووفقاً ل ـ(ب)، "كان النقيب عصام كرم يمتنع عن عقد جلسة مجلس النقابة في حال عدم تمكّن المحامي محمد الساحلي من العبور إلى النقابة".

ويكمل (ب): "الأزمة الفعليّة وقعت في العام 1991. إنحصار تمثّل المحمديّين بدرزيٍّ واحدٍ من بين كلّ المرشحين أدّى إلى وضع ميثاق الشرف الذي يهدف إلى الحفاظ على تمثيل كافة العائلات الروحيّة في مجلس النقابة. وقتها، أرسلنا الى كلّ النوّاب المحامين كتاباً طالبين منهم أن يوقّعوا على ميثاقٍ يعبّر عن رغبة بمراعاة كلّ الطوائف في الإنتخابات النقابيّة، وترجم الأمر سنة 1992 بدخول سنيّ وشيعيّ إلى مجلس النقابة".

نصّ ميثاق سنة 1991 على التالي:
"(...) إن المجتمعين في دار نقابة المحامين يعلنون تمسّكهم وتشبّثهم بالثوابت التي درجت عليها نقابتهم، وذلك عبر تمثيلٍ أوسع للمحامين، يلتئم معه شمل العائلة اللبنانيّة، في إطار صيغة العيش المشترك ومبدأ التوافق الوطنيّ الذي هو حجر الزاوية في حياتنا الوطنيّة. وتمسّكاً منهم بما تقدّم، يؤكّد المجتمعون حرصهم الثابت والمستمر على أن تبقى نقابة المحامين حصناً منيعاً متقدّماً للوحدة الوطنيّة، عاملين على صونها والمحافظة عليها من أجل الأجيال المقبلة، مؤتمنين عليها ميثاقاً مقدساً علينا وعليهم بمنزلة إلتزام الشرف بشرفهم".

الوجه السلبيّ لواقع النقابة الطائفيّ لم يظهر إلا بعد إنتهاء الحرب الأهليّة اللبنانيّة. إذ بدأت تتبلور، منذ تلك المرحلة، سطوةٌ للبعدين السياسيّ والطائفيّ على الخيارات النقابيّة. اليوم، ومع التطوّرات السياسيّة الراهنة، تجلّى في الإنتخابات النقابيّة الأخيرة جنوح المسألة الطائفيّة بإتجاهٍ مذهبيّ.

بانتظار مقاربةٍ تعي المسألة، لا تتفاداها، وتريد لها حلّاً، كي لا يفاقمها التجاهل.

نشر هذا المقال في العدد 46 من مجلة المفكرة القانونية


[1] - الأخبار، ضجيج طائفيّ في نقابة محامي بيروت، رضوان مرتضى، سياسة، العدد 3046، 30 تشرين الثاني 2016.
[2] للمزيد حول الموضوع، تمكن مراجعة مقال جويل بطرس في عدد "المفكّرة" هذا، ص. 8-9
[3] يضمّ مجلس النقابة 12 عضواً، وتجرى عادةً إنتخابات المجلس بشكلٍ سنويّ، بحيث يدخل إليه 4 أعضاءٍ جدد في كلّ عام، بينما يستمر 8 من العام السابق على أساس القرعة. ولكن، في العام 1991، وبسبب ظروف نهاية الحرب ووقف العمل بالتمديد لعامٍ سابق، فجرى إنتخاب ثمانية أعضاء دفعةً واحدة.
[4] - النهار، نقيب محامي طرابلس حسن مرعبي، 9 تشرين الاول 1991، الصفحة 5.
[5] -النهار، 20 تشرين الثاني 1991.
[6] - النهار، 20 تشرين الثاني 1991
[7] - النهار، المحامي عبدالله قبرصي، إنتخابات نقابة المحامين، رأي حرّ، 19 تشرين الثاني 1991، الصفحة 5.
6- النهار، تصريح لرئيس حركة الوحدويين الناصريين الدكتور سمير صباغ، إنتخابات نقابة المحامين، رأي حر، 19 تشرين الثاني 1991، الصفحة.
[9] - النهار، كلمة محامو الجنوب التي ألقاها المحامي خالد لطفي خلال لقاء في نادي خرّيجي المقاصد الإسلامية في صيدا بتاريخ 30/11/1991، العدد الصادر في 2 كانون أول 1991، ص8.
[10] -النهار، 19 تشرين اول 1991، ص2.