اختتم المجلس النيابيّ عاماً آخر في ظلّ سياسة تشريع الضرورة، أيّ السياسة التشريعية المتفق عليها في ظلّ شغور سدّة رئاسة الجمهورية. ومن خلال الإمعان بهذه القوانين، أمكن إستخراج خصائص ثلاث لتشريعات هذه السنة:

  • الخصوصيّة الأولى، القحط التشريعيّ. فقد انتهت سنة 2016 بجلسةٍ تشريعيّةٍ واحدةٍ أقرّ فيها 23 قانوناً فقط، أيّ بانخفاض نسبته 40% بالمقارنة مع السنة السابقة التي سادتها هي الأخرى سياسة ما أسمي بـ"تشريع الضرروة". وما يزيد القحط حدّةً أن 5 من هذه القوانين أجازت للحكومة الإنضمام إلى إتفاقياتٍ دوليّةٍ (وهي قوانين لا تستدعي أيّ جهدٍ تشريعيّ، أقله في صياغتها)، وأن 5 قوانين أخرى تميّزت بمفعولها السلبيّ البحت (تخفيض الغرامات أو إعفاء من ضريبة) من دون أيّ عملٍ تشريعيّ. وهذه هي حال قانون إعفاء ورثة اللبنانيّين الذين قضوا في كارثة الطائرة الجزائريّة من رسوم التقاضي ورسوم الفراغ والإنتقال وقوانين تخفيض الغرامات المتوجبة على متأخرات الرسوم البلدية ورسوم الميكانيك والرسوم البلدية المترتبة على المؤسسات السياحية، فضلاً عن تخفيض الغرامات الماليّة. كما يسجّل أن 3 قوانين اتصلت بإضافة أو تخصيص إعتمادات (لمعالجة أزمة الليطاني) أو الإجازة بالإستدانة من خارج الموازنة وبمخالفة الدستور اللبناني.
    وعليه، يكون انحصر العمل التشريعيّ المنتج بـ 10 قوانين فقط، من بينها 6 اتصلت بتعزيز قدرات أجهزة الدولة على الحصول على معلوماتٍ ماليّةٍ ومكافحة تبييض الأموال، فضلاً عن توسيع مفهوم تمويل الإرهاب من دون أيّ نقاشٍ مجتمعيٍّ مسبق بالنظر إلى خطورته. كما تجدر الإشارة هنا إلى قانون إنشاء "الهيئة الوطنيّة لحقوق الإنسان"، الذي يبقى القانون الأبرز من الناحية التشريعيّة.
     
  • الخصوصيّة الثانية، تحكّم "الخطّ العسكريّ" بعملية التشريع، بما يخرج عن الطرق الإعتياديّة لتقديم المبادرات التشريعيّة وإنضاجها. وقد تمّ ذلك أساساً من خلال الجمع بين أمرين:

    رفع منسوب الإستنسابيّة لدى رئاسة المجلس في وضع مقترحات قوانين على جدول الهيئة العامّة باسم سياسة الضرورة. ففي مقابل وضع مقترحات القوانين التي تمّ إقرارها على جدول الهيئة العامّة، تمّ إستبعاد عشرات المقترحات التي تمّ إنجازها في اللجان أو تقدّم بها نوّاب بالصورة العاجلة، ومن أبرزها إقتراح قانون بتعديل قانون الإيجارات،

    وتغليب الطريق التشريعيّة الأكثر سرعة على الطرق التشريعيّة الأخرى[1]. وقد تمثل ذلك بارتفاع عدد القوانين الصادرة بناءً على اقتراحات عاجلة ومكرّرة (13 من أصل 23) علمأ أن مقرّبين من رئاسة المجلس وأعضاء في كتلته (أبرزهم النائب ياسين جابر) تقدّموا بعددٍ كبيرٍ منها. وتتميّز هذه الإقتراحات بأنها توضَع مباشرةً على جدول أعمال الجلسة العامّة من دون أن تخضع لأيّ تدقيقٍ من اللجان النيابيّة. واللافت هنا أن المقترَح بإضافة اعتمادات على موازنة 2005 بقيمة تزيد عن 533 مليار ليرة لبنانيّة قد ورد هو الآخر بصيغة معجّل مكرّر، بخلاف القاعدة الدستوريّة التي توجب حصر المبادرة التشريعيّة بالحكومة في ما يتصل بقوانين الموازنة العامّة.
     
  • الخصوصيّة الثالثة، وقد تمثلت بتحكّم الروح التوافقيّة بالتشريع، مع ما يستتبعها من مساوماتٍ خفيّةٍ وتهميشٍ لقضايا أساسيّة. وعليه، ورغم كلّ التضارب الذي يشهده تطبيق قانون الإيجارات الجديد في المحاكم منذ سنتين، وإنتهاء "لجنة الإدارة والعدل" من درس إقتراحَي قانون وإحالتهما إلى الهيئة العامّة، بقي جدول أعمال الهيئة العامّة خالياً من أيّ إشارةٍ إليهما. وبذلك، وباسم تشريع الضرورة، بدت الهيئة العامّة وكأنها فقدت دورها كمنبرٍ لمناقشة قضايا الشأن العامّ بما تتيحه من إختلافات وتباينات، لتتحوّل إلى مجرد أداةٍ لإقرار القوانين المتفق عليها مسبقاً في أماكن أخرى.

نشر هذا المقال في العدد 46 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  إيلي الفرزلي، السفير 20-10-2016.