يقضي الفصل 31 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء بأن توجه الهيئة المستقلة للانتخابات "قائمة في أعضاء المجلس الأعلى للقضاء المنتخبين في أجل لا يتجاوز 48 ساعة من تصريحها بالنتائج النهائية للإنتخابات لرئيس المجلس الأعلى للقضاء المنتهية ولايته". وإقتضى ذات الفصل"أن يدعو رئيس المجلس الأعلى للقضاء المنتهية ولايته المجلس الجديد للإنعقاد في أجل لا يتجاوز الشهر من تاريخ تسلمه لقائمة نتائج الانتخابات". وقد أسند الفصل 72 منه فيما تعلق بأول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء بصفة إنتقالية صلاحية الدعوة لعقد أول جلسة للمجلس الأعلى للقضاء لرئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. فيما عدا ذلك، لم يتعرض المشرع لتفصيل الإجراءات والشروط الشكلية للدعوة الأولى لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء. وقد يكون مرد اقتضاب أحكامه ظنّه أن المسالة مجرد إجراء بروتوكولي يبرز فكرة استمرارية المؤسسات.

 

وجهت الهيئة المستقلة للإنتخابات النتائج النهائية لأول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء لرئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي بتاريخ 14-11-2016. وبعد أيام، بتاريخ 21-11-2016، أصدرت هذه الأخيرة بياناً يستشفّ منه أنّ الدعوة الأولى لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء تحوّلت إلى حدث إشكالي. فقد أكدت الهيئة في بيانها أنها تربط الدعوة للمجلس الأعلى للقضاء للإنعقاد باستكمال تركيبته أي بإصدار رئاسة الحكومة لأوامر تعيينات تسدّ الشغورات التي طرأت على خطط قضائية تسند لمن تقلدها صفة العضو الحكمي بالمجلس الأعلى للقضاء. وإنطلاقا من هذا الإعتبار، أعلنت الهيئة نفسها صالحة للإستمرار في عملها على الرغم من إنتخاب أعضاء المجلس. وعلية، استبقت الإعلان عن نتائج الإنتخابات بترشيح القاضي السيد رضوان الوارثي لشغل منصب وكيل دولة عام لدى محكمة التعقيب. كما تولّت بتاريخ 19-11-2016 ترشيح القاضية السيدة فوزية بن علية لخطة رئيسة أولى لمحكمة التعقيب والسيد أحمد الحافي لخطة رئيس للمحكمة العقارية ورشحت السيد الهادي القديري لخطة مدير مصالح عدلية. ولتبرير موقفها، استندت الهيئة لأحكام الفصل 149 من الدستور الذي يربط إرساء المجلس الأعلى للقضاء باستكمال تركيبته، معتبرة أن تعدد الشغورات التي شملت الخطط القضائية السامية للقضاء العدلي (والتي يكون شاغلوها أعضاء حكميين في المجلس) يحول دون ذلك. كما رأت الهيئة أن عدم تعيين هؤلاء قبل دعوة المجلس يقلل عدد القضاة العدليين المخولين في الترشّح لرئاسة المجلس الأعلى للقضاء المكون من ممثلين عن القضاء العدلي والقضاء المالي والقضاء الإداري.

 

وجد موقف الهيئة معارضة لدى جانب من الأعضاء المنتخبين بالمجلس الأعلى للقضاء تكوّن أساسا من قضاة عدليين ومحامين. وقد رأى هؤلاء أن الترشيحات تمت بعد إعلان النتائج النهائية لانتخابات مجلسهم، مما يجعلها صادرة عن هيئة منتهية الولاية. كما تمسكوا بكونها تعيينات موظفة سياسيا غايتها خدمة جمعية القضاة التونسيين التي خسرت انتخابات المجلس. وقد دعّم هؤلاء موقفهم بأن الشغور الوحيد الحاصل فعليا قبل تدخلها يتعلق بمنصب الوكيل العام لدى محكمة التعقيب وبأنّ الهيئة ذهبت إلى استحداث شغورات وهمية لعدد من المناصب، أهمها منصب الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس. وإذ هدد المعارضون بالإستقالة من المجلس في صورة رضوخ الحكومة للهيئة، عرف الصراع تطورا هاما بتاريخ 01-12-2016 مع بلوغ رئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي رئيس محكمة التعقيب السيد خالد العياري سن التقاعد القانوني من دون أن يدعو لانعقاد المجلس الأعلى للقضاء.

 

وفي ظل كل ذلك، بادرت رئاسة الجمهورية إلى دعوة أعضاء المجلس الأعلى للقضاء لأداء اليمين الدستورية بالقصر الجمهوري في آخر أيام المهلة القانونية للدعوة الأولى للمجلس للإنعقاد أي يوم 14-12-2016. وقد شكلت هذه الدعوة أول تدخل من السلطة التنفيذية في مسار الأزمة. وهو تدخل اقترن بإعراض الحكومة عن النظر في ترشيحات الهيئة. حاول شق من أعضاء المجلس انتهاز فرصة أداء اليمين لعقد الإجتماع الأول للمجلس بدعوة تصدر عن ثلث أعضائه. إلا أن هذا التوجه لقي معارضة فورية من الشق المقابل داخل ذات المجلس والذي تمسك بعدم قانونية الدعوة قبل استكمال أعضاء المجلس، وعلى اعتبار أنه لا يجوز لغير رئيس الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي إصدار الدعوة لعقد الجلسة الأولى للمجلس الأعلى للقضاء. وقد أكد هؤلاء أن تجاوز الإشكال يفرض تعيين من رشحت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي لرئاسة محكمة التعقيب ليدعو بصفته هذه المجلس للإنعقاد. بالمقابل، تمسّك مؤيّدو دعوة المجلس للإنعقاد بكون مهام الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي انتهت قانونا بأدائهم اليمين الدستورية وأن لا مجال لإعادة إحيائها. وقد أدى هذا إختلاف المواقف لانقسام حاد بين أعضاء مجلس لم ينعقد بعد، فتكوّن فريقان داخله لكل منهما تحركاته وحزامه الداعم ولا يتواصلان علنا. وعليه، تحول الصراع حول المجلس سريعاً إلى صراع داخل المجلس.

 

إختار الشق الأول المضي قدما في دعوته فأعلن موعد 20-12-2016 موعداً لاول جلسات المجلس الأعلى للقضاء. لم يحضر بالموعد المحدد نصاب يكون ثلثي أعضاء المجلس المكون من 45 عضواً. وبنتيجة ذلك، اضطرّ هذا الشق لدعوة المجلس لجلسة ثانية يوم 29-12-2016 وهي جلسة ينص القانون على أن حضور نصف أعضاء المجلس يكفي لصحتها. وقد حضر في موعد الجلسة الثانية 21 عضوا فقط وهو يلاقي شرط النصاب فقط في حال حسم المناصب الشاغرة بحيث ينخفض إذ ذاك العدد من 45 إلى 41 عضوا. وهذا هو التأويل الذي اعتمده الأعضاء المؤيدون للإنعقاد للقول بصحة الجلسة. وبذلك، انفتحت الأزمة على إشكال جديد ومطعن إضافي في الصراع داخل المجلس وحوله، قوامه صحة توفر النصاب لانعقاد الجلسة الأولى للمجلس. ولم يتأخر الفريق المعارض للإنعقاد في إعلان عزمه على مباشرة النزاعات القضائية بهذا الشأن. وهو أمر يؤكد إتجاه الأزمة لمزيد من الإستفحال. وما يفاقم هذا الصراع هو أن هياكل القضاة اختارت أن تصطف في صراعات الأزمة بدل البحث عن حلول لها. فكان أن دعمت جمعية القضاة شق الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي وخاضت في ذلك تحركات احتجاجية جماعية كان شعارها المركزي فيها اتهام السلطة بكونها من يقف وراء تعطيل التعيينات، فيما اختارت نقابة القضاة أن تناصر الشق المقابل متهمة جمعية القضاة بافتعال الأزمة خدمة لمصالحها وتعويضا عن خسارتها لانتخابات المجلس الأعلى للقضاء العدلي. وقد كشفت مجريات الصراع عجز الشقين المكونين للمجلس الاعلى للقضاء عن حسم الصراع. فالداعون لانعقاد المجلس عجزوا عن توفير نصاب غير منازع فيه، فيما كان نجاح خصومهم في عرقلة مسعاهم غير مثمر لكونه لا ينتهي لطرح مخرج عملي من الأزمة القائمة. كما كشفت ذات الأزمة عن افتقار الساحة القضائية لمرجعيات تكون قادرة على تجميع المختلفين والبحث عن حلول وسطية بينهم.

 

كان يمكن للشقين المتنازعين البحث عن تصورات مشتركة تنهي الخلاف بما يضمن الإعتراف بضرورة انعقاد المجلس الأعلى للقضاء بعيداً عن التشدد الإجرائي في قراءة نصوصه والإعتراف بموازاة ذلك بمعقولية مؤاخذات المعارضين وبضرورة إيجاد حلول لها. إلا أن غياب الثقة بين الشقين منع من تحقيق ذلك. ويخشى أن يؤول هذا الاختيار المشترك إلى المس بالثقة العامة في القضاء في ظل تبادل المتنازعين لاتهامات التسيّس فيما بينهم. كما يخشى منه أثره على ثقة القضاة مستقبلا في مجلسهم الأعلى. الذي ما كان أخذ شكله الحالي من دون نضالات طويلة ومضنية.

 

يهمّ المفكرة القانونية في هذا الإطار أن تذكّر بأن تكريس المعايير الدولية لاستقلال القضاء في تونس بفضل نضالات القضاة وهياكلهم إنما يشكل نموذجا تتطلع إليه البلاد العربية كلها وأن الحفاظ على هذا الإنجاز وعلى صدقيته وثقة المتقاضين والقضاة فيه مسؤولية كبرى ملقاة الآن على عاتق هؤلاء، وهي مسؤولية تحتم عليهم البحث عن سبل للخروج بحكمة ومسؤولية كبيرة من قمقم المأزق الذي انزلقوا إليه. وهي تنبّه في الوقت نفسه مجتمع القضاة بأن المجلس الأعلى للقضاء ليس غاية بذاته إنما هو إحدى الضمانات لضمان استقلاليتهم، وهو يفقد حكما سبب وجوده في حال دفع الصراع حوله أعضاءه وهياكل القضاة معهم إلى البحث عن تحالفات سياسية أو الإصطفاف سياسياً، بشكل قد يضرّ إضراراً جسيما في استقلاليتهم، أقله في مظهرها. فمن تراه يكون صوت الحكمة فيبادر ويجمع في وسط هذه الضوضاء؟

 

قانـــون أساسي عدد 13 لسنــة 2013 مؤرخ في 2 ماي 2013 يتعلق بإحداث هيئة وقتية للإشراف على القضاء العدلي