عاش المزارع اللبنانيّ منذ مطلع العام 2016، أزمة تصريف المحاصيل الزراعيّة كما في كلّ عام. لكن، في الواقع، كان لأزمتي التفاح والموز مؤخراً وقعٌ مختلف بسبب كساد آلاف الأطنان منهما. كما كان لتحركات المزارعين دور كبير في الضغط لإيجاد حلول ولو جزئية وتجميلية، لكنها خففت من وطأة الأزمة عليهم، كالتعويض على مزارعي التفاح، أو التواصل مع المعنيين في سوريا من أجل إستئناف إستيراد الموز اللبنانيّ بعد أشهرٍ من المقاطعة.

ولأن هاتين الأزمتين تشبهان أزمات يحفل بها تاريخ لبنان الزراعيّ، فتح باب النقاش حول الأسباب التي أدّت إلى وقوع الأزمات في القطاع، وجعلته في حالة اضطراب دائم. للوقوف عند هذه الأسباب وللاطلاع أكثر على تاريخ القطاع الزراعي في لبنان، أجرت "المفكّرة القانونيّة" مقابلة مع رئيس قسم الإقتصاد في "الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا" الدكتور بسّام همدر، وتبلورت خلاصتها حول نقطتين أساسيتين: سياسة الحكومات المتعاقبة التي تقصدت إهمال القطاع وإضعافه، وأزمة النظام الإقتصاديّ القائم على اقتصاد الخدمات والسياحة.
 

  • كثر الحديث عن الأزمات الزراعيّة ومعاناة المزارعين في الأونة الأخيرة. كيف تقرأون هذه الأزمات؟
    هذه الأزمات هي امتداد لأزمات وقعت على مدى عقود سابقة، وليست أزمات آنية بل لها رواسب وجذور. ولكن أزمات اليوم ترتبط بظروف ومتغيرات داخلية وإقليمية جديدة تتصل بالأزمة السورية. إذ كانت البضائع والمنتجات الزراعية اللبنانية تصدر إلى دول الخليج عبر الأراضي السورية، خصوصاً وأن تصدير المنتجات عبر البرّ والبحر يرتّب على المصدّرين كلفة مرتفعة ويقلّل من قيمتها التنافسية في السوق الإقليمية. كما فاقم غياب الدولة والرئيس معاً هذه الأزمة.

 

  • ولكن، أزمة الرئاسة عمرها سنتان بينما أزمة الزراعة في لبنان عمرها عقود. ما أهمية تأثير وجود الرئيس على القطاع؟
    "القطرة أفضل من الشحّ". بالطبع، لا يحلّ وجود الرئيس أزمة القطاع الزراعيّ، لكنه كفيلٌ بإصدار بعض القرارات التي من شأنها تحسين الواقع المرير.
    في المقابل، تتصل الأزمة الراهنة بالوضع السياسيّ والأمنيّ في المنطقة، حيث تعمّ الفوضى ويغيب الاستقرار. وتبرز الخلافات والمناحرات السياسية بين الدول العربية مثل التشنج السياسي الحاصل بين مصر والسعودية الذي نتج عنه وقف استيراد السعودية للمانغو المصرية، فيتزعزع الوضع الاقتصادي بما فيه القطاع الزراعي. 

 

ما هي المشكلة؟

  • ما هي أبعاد مشكلة القطاع الزراعيّ في لبنان؟
    غياب أيّ نظرة جدية وواقعية وعلمية للقطاع الزراعيّ على أنه قطاع منتج مثل القطاعات الأخرى كالخدمات، هو المسبب الرئيسي في مشكلة الزراعة. الأزمة الحالية ليست أزمة آنية، بل هي أزمة تراكمية تستند إلى سياسة تاريخية للحكومات أسست على نظرة خاطئة للإقتصاد اللبناني باعتباره إقتصاداً ريعياً يبغي الربح.
    تاريخياً، قطاع الزراعة تشكّل من مجموعة من الإقطاعيين، المزارعين، وعمال العائلات. ولم يكن قطاعاً رسمياً قبل الإستقلال. لم تطرأ عليه أزمات بسبب المساحات الشاسعة التي كان يملكها لبنان مقابل عدد قليل من السكان، كما كان لبنان قاعدة غذائية للرومان وكانت إهراءات (صوامع) بعلبك تغذي كامل الأمبراطورية.
    بدأت الأزمات في القطاع تظهر بعد الإستقلال، بعدما اعتمدت الحكومات المتعاقبة سياسة اقتصادية ترتكز على كرسي واحد هو الإقتصاد الريعي (الخدمات)، متقصدة إهمال الإقتصاد الإنتاجيّ (الزراعيّ والصناعيّ).
    الحكومات ركّزت الإقتصاد على السياحة والخدمات من دون الزراعة والصناعة. ما سينتج أزمات أكبر في المستقبل. والدليل على ذلك، الأزمة المالية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية بسبب تركيزها على الخدمات المصرفية والمالية.
     
  • كيف تناسقت السياسات المختلفة طوال تلك العقود؟
    لم تختلف سياسات الحكومات على مرّ العقود التي تلت الإستقلال، لكن لبنان في حقبة الستينيات بواقعه الزراعي والجغرافي يختلف عن لبنان اليوم. إذ حمل حينها لقب "بستان الشرق" الذي يؤمن حاجات دول المنطقة من المزروعات، لما طغت الطبيعة الصحراوية الجردية على معظم دول الجوار. لكن تبدل هذا الواقع عندما استطاعت الدول إنتاج مزروعاتها وتحقيق فائض في الكثير منها. وبالتالي، مرّ القطاع الزراعي بحقبات كان فيها أفضل، نتيجة ظروف اقليمية محيطة جعلت منه بستان الشرق، فأبرز ما يملكه من ثروة زراعية حقيقية.
    وقد وصلت مساهمة القطاع الزراعي في ستينيات القرن الماضي إلى 13% من الناتج المحليّ، وتعد مساهمة كبيرة نظراً لتركيبة النظام الإقتصادي، فيما لا تتعدى مساهمته الحالية الـ 5%. 
     
  • كيف يتعامل النظام الإقتصادي مع القطاع إذاً؟
    للأسف، يعتمد النظام الإقتصادي نظرة دونية الى القطاع الزراعي ويعتبره قطاعاً غير حيوي، بخلاف الدول الغربية حيث تتكامل القطاعات لتنتج إقتصاداً معافى. والدليل على هذه النظرة، الميزانية السنوية المتدنية التي ترصدها الحكومة لوزارة الزراعة، وحجم تسليفات البنوك للقطاع الزراعي التي لا تتعدى 0.6%، وتوجه المستثمرين نحو القطاعات الأكثر ربحية. ما يؤكد أن الزراعة خارج إهتمامات القطاعين العام والخاص في لبنان.
    والفلسفة الإقتصادية ليست بعيدة عن السياسات اللبنانية الإقتصادية التي ترتكز منذ نحو 40 عاماً على الخدمات والمصارف والعقارات، وتهمل القطاعات الإنتاجية. ولا تزال هذه الفلسفة الهشّة للإقتصاد سائدة حتى يومنا هذا. أما إصلاحه فيحتاج الى نظرة جديدة للإقتصاد اللبناني.
     

الأمن الغذائيّ

  • ماذا عن الأمن الغذائي؟
    في الواقع، إن مؤشر السلع الأساسيّة يظهر أن الأمن الغذائي منخفض جداً في لبنان، وتصل نسبته الى 20% كحدّ أقصى. إذ ينتج لبنان نحو 20% من القمح ويستورد نحو 80% منه، ويستورد أكثر من 80% من اللحوم و50% من الزيوت ونحو 90% من الأسماك التي لا يتعدى إنتاج لبنان منها 7%. فيما يحقق لبنان وفرة في البيض والخضار والدجاج فقط لا غير. فتصل فاتورة الغذاء اللبنانية إلى 3.5 مليار دولار سنوياً، ما يضرب فكرة الأمن الغذائي ويجعل منه طموح غير ملبّى ومفقود بعدما عجزت الحكومات المتعاقبة عن وضع سياسات تؤثر إيجاباً في الأمن الغذائي.
     
  • كيف يمكن تحقيق هذا الأمن؟
    يمكن تحقيق ذلك، عن طريق سياسة اقتصادية متكاملة مع الدول العربية أسوة بالدول الأوروبية، وتكامل زراعي اقتصادي يرتكز إلى اسلوب الميزة التفاضلية لكلّ بلد عربي لتصريف منتجاتهم في السوق العربية بأقل كلفة على المنتجين وعلى المستوردين. فتنعم هذه الدول باتحاد اقتصادي عربي مشترك وسوق اقليمية مشتركة.
     
  • هل هذه الصيغة الوحيدة؟
    هذه الصيغة المثلى. لكن يمكن للبنان تحقيق أمن غذائي مستقل بإجراء مسح شامل للقطاع الزراعي الذي أجري للمرة الاخيرة في العام 2009، وتصحيح الخلل الحاصل لجهة السدود وقنوات الري ووقف التعدي على الرقعة الزراعية وتقديم الدعم للمزارعين. كذك، يمكن وضع سياسة متكاملة للقطاع الزراعي من حيث التنمية المستدامة واستخدام الموارد المتاحة بشكل سليم، علما أن هدر المياه في بعض المناطق الزراعية يصل الى 50%، كما يملك لبنان 195 ألف حيزة زراعية أكثر من 60% منها هي أراضي صغيرة (5000 متر) يصعب إدخال تكنولوجيا ومكننة عليها بسبب صغر مساحتها. الحل الأمثل يكون بتوحيد الأرياف في الإنتاج والمدخول.
     
  • ما هي العقبات التي تحول دون ذلك؟
    الأمن الغذائي في لبنان تواجهه عقبات جمة، منها، تدني حجم الميزانية وضآلة التسليفات ما فرض على المزارعين العمل في غير الزراعة، إذ إن أكثر من 60% منهم يعملون في مجالات أخرى لعدم قدرتهم على تامين معيشتهم وفق تقرير صادر عن البنك الدولي أخيراً. وتظهر دراسة أعدتها الجامعة الأميركية في بيروت بالتعاون مع البنك الدولي أن 70% من اللبنانيين فقراء، ونحو 300 ألف لبناني يعيشون بأقل من دولار يومياً ومعظمهم يعملون في القطاع الزراعي.
    وتشكل الزراعات الحالية 60% من إستهلاك لبنان فيما يتم تصدير 40% منها.
     

الميزانية والكلفة

  • ما هي الميزانية السنوية التي تخصص لقطاع الزراعة في لبنان؟
    تمثل موازنة وزارة الزراعة حوالي 1 في المئة من الموازنة الوطنية، ما حال دون ملء الشواغر في الادارة على مدى أعوام. وعلى الرغم من أنها منخفضة، إلا أنها ارتفعت من 40 مليار في العام 2005  حتى وصلت في العام 2011 إلى 88 مليار. بينما تتراوح موازنات وزارات الزراعة في الدول المجاورة مثال تونس، مصر، الأردن، وسوريا (قبل الحرب) بين 20 و27 في المئة من الموازنة العامة. ما يعني أن هذه البلدان تأخذ قطاعاتها الإنتاجية على محمل الجد.
  • ماذا عن كلفة الإنتاج الزراعي في لبنان؟
    تعد كلفة الإنتاج الزراعي في لبنان من الأعلى في المنطقة، يواجهها المزارع وحيداً من دون أي مساهمة من الدولة. ويعود ذلك الى كلفة الطاقة المرتفعة، كما كلفة البذور والمبيدات التي يشتريها المزارع من التاجر مباشرة في ظل غياب أي دعم رسمي. ما يقلل من قدرة لبنان التنافسية ويرهق كاهل المزارعين الذين يغرقون في ديون تصل في بعض الأحيان الى 100% فوائد.
     
  • وما هي نتائج ارتفاع هذه الكلفة على القطاع؟
    ضرب القدرة التنافسية بحيث تصبح المنتجات اللبنانية غير مرغوب فيها لسعرها وليس لنوعيتها، لأن المستهلك في هذه الأوضاع في الداخل أو الخارج ينظر الى التوفير وليس الجودة. وبالتالي، نخسر اسواق داخلية وخارجية واسعة.
     

حصار العقارات للزراعة

  • كيف يؤثر إنتفاخ قطاع العقارات وتضخمه على الأراضي الزراعية؟
    أظهرت دراسة حديثة أعددتها بمشاركة طالب ماجستير في الجامعة، أن نسبة 20 إلى 25% من الرقعة الزراعية في لبنان اقتحمها القطاع العقاري وحاصرها وتم البناء عليها، بينما يفترض أن تكون هذه الرقعة مصنفة زراعية من قبل وزارة الزراعة.
    وللأسف، يعود آخر تصنيف في لبنان إلى سبعينيّات القرن الماضي، ولم يكن التعاطي معه جدياً يوماً. لأن الفساد القائم يضعف أيّ تصنيف جدّي للقطاع، والأولوية في المجتمع والجهات الرسمية للتاجر وليس للمزارع. التلاعب بالتصنيف ونقله من خانة الزراعي إلى غير الزراعي هو أمر يمكن تحقيقه بكل بساطة في حال وجود أي مستثمر جدي.
    وفي أخر إحصاءات، تبين أن الرقعة الزراعية اللبنانية خسرت نحو 25% من مساحتها نتيجة اقتحام المستثمرين لهذه الرقعة، علماً أن لبنان يمتلك أكبر المساحات الزراعية بالمقارنة مع الدول العربية، تقدر نسبتها بنحو 50%، أيّ أنها وفيرة جداً. ويحوذ البقاع على نسبة 43% من الأراضي الزراعية اللبنانية، والشمال 26%، وجبل لبنان 9%، أما الجنوب والنبطية فـ 26%.
     
  • هل يعاني القطاع من سياسة الإحتكار أيضاً؟
    القطاع قائم ومبني على الإحتكارات. إذ يوجد 10% من التجار النافذين الذين يحتكرون السوق ويشترون المنتوجات الزراعية من المزارعين والتجار الصغار باسعار زهيدة. وهم بنفوذهم يسطون على السوق. والدليل على ذلك، أن كل دولار ينتجه المزارع في هذا القطاع، يكسب منه 18 سنت كحد أقصى، والباقي هو من حصة التاجر الكبير.
     
  • من يمارس الرقابة؟
    للأسف، الرقابة غائبة، والزيارات المتتالية التي تجريها بعض الجهات المعنية بالسوق غير كافية.
     

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية