بتاريخ 22 أيلول 2016، غرّد وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل على "تويتر" قائلاً: "تكلّمت مع عدّة دول ومنظمات دولية سابقاً وحالياً خلال وجودي في الأمم المتحدة، وزادت قناعتي بأن تصريف التفاح يكون بإلزام منظمات النازحين بشرائه". أتاه الجواب من برنامج الأغذية العالمي مفيداً بأنه يوزع في لبنان "وجبات مدرسيّة تتضمن التفّاح اللبنانيّ. وحتى نهاية العام الدراسيّ المقبل، يكون قد وزّع 200 طن". فإذ بباسيل يجيب: "هل تعرفون أن إنتاج التفاح اللبناني هو حوالي 156 ألف طن في السنة؟ ويريد البعض أن يمننا بشراء وتوزيع 200 طنّ فقط خلال كلّ السنة".

في الأخذ والردّ، وبعيداً عن تحليل مضامين التغريدة إنسانياً وأخلاقياً، فضح الحوار الإلكترونيّ أزمةً تصيب موسم التفاح لهذا العام. بعد أيامٍ قليلة، علت صرخة المزارعين عبر وسائل الإعلام، وهدّدوا بالنزول إلى الشارع. عندها، بادرت الدولة اللبنانية إلى تخصيص مبلغ 40 مليار ليرة لدعم مزارعي التفاح، للتخفيف من حجم خسارتهم. لكن التعويض لا يحلّ الأزمة، ولا يغطّي حجم الخسارة الحقيقيّة للمزارع، وإنما يسمح بالبقاء على قيد الحياة.

لاستبيان الواقع على الأرض، جالت "المفكّرة القانونيّة" على منطقتين تعتمد الزراعة فيهما بالدرجة الأولى على التفاح، والتقينا بمزارعين تحدثوا عن علاقتهم بالأرض وتفّاحها، وفنّدوا من موقعهم أسباب الأزمة والسبل إلى حلّها.

تفاح كفرصغاب - قضاء زغرتا
تقع منطقة كفرصغاب على ارتفاع 1380 متراً، عند الجهة الشمالية من وادي قاديشا. وتتكوّن من تجمّعين سكّانين منفصلين جغرافياً: كفرصغاب، وهي قرية جبلية مرتفعة قريبة من إهدن، ومرح كفرصغاب، وهي قرية منخفضة الإرتفاع نسبياً قريبة من زغرتا.

المزارع يوسف ليشع شبّ منذ نعومة أظافره على العمل في الأرض، وقد مرّت ثلاثون عاماً على عمله بجمع التفاح بدايةً، من ثم زراعاته في أرضه. وعن السبب وراء إقبال المزارعين على إختيار التفاح، شرح: "الناس يفضّلون التفاح، إذ ناهيك عن فوائده الصحية، نفسه طويل، ويمكنه أن يبقى خارج البراد لأكثر من عشرين يوماً. أمّا فاكهة أخرى فإما يجب أن تؤكل سريعاً أو تفسد بعد عدّة أيام خارج البراد. ويصادف أن معظم الدول العربية لم يكن يوجد فيها تفاح، وبالتالي، مهما كانت كمية إنتاجنا من التفاح، يتم عادةً تصديره إلى هذه الدول". ومن ناحية الزراعة، "يعدّ من السهل جمع موسم التفاح. فإذا كان بدل أجر العامل 30 ألف ليرة باليوم لقاء عمل ست أو ثماني ساعات، فإنه قد يجمع مقابلها تفاحاً بنحو 400 ألف، بينما قد يجمع مزروعات أخرى بقيمة 100 ألف أو حتى سبعين ألفاً".

من السهل زراعة التفاح وإنتاجه لأن الآلة دخلت فيه. التطور في الزراعة وريّ الأرض، ناهيك عن استخدام الأسمدة الكيماوية، جعل التفاح ينمو سريعاً بينما كانت الأشجار سابقاً تحتاج إلى نحو 10 سنوات لتبدأ بالعطاء. أما الكلفة التي يتكبدها المزارع فيفصّلها يوسف: "إذا كان المزارع ينتج  بنحو 5 ملايين ليرة من التفاح، من دون أن يستعين بعمال، يبقى له ثلاثة ملايين وخمسمئة ألف ليرة. أما إذا استعان بعمّال فيبقى له نحو مليون ونصف ليرة كصافي أرباح".

إقفال الحدود مع سوريا
بسؤاله عن أسباب أزمة التفّاح المتداولة بين مزارعيه، يروي يوسف: "تفاقمت أزمة التفاح مع تفاقم الوضع في سوريا، وبعدما أغلقت الحدود البريّة وبات المنفذ الوحيد بحرياً ومكلفاً. كما أن إنتاج التفاح زاد آخر 10 سنوات بشكلٍ كبير. ففي السابق، كانت القرية الواحدة تنتج 50 ألف صندوق تفّاح، أما اليوم فنجد أربعة أو خمسة أشخاص لديهم 60 ألف شجرة تفاح. وإذا أعطت كلّ شجرة ثلاثة صناديق، تكون النتيجة 180 ألف صندوق". أضاف: "صار يحكى عن 7 أو 8 مليون صندوق، ولبنان لا يتحمل كلّ هذا الإنتاج. فإذا إفترضنا أن البلد استهلك مليوني صندوق، ماذا سيحلّ بالباقي؟ لذلك علت الصرخة. فقسمٌ كبير من الناس يعتمد على التفاح وحده".

كما تبدّل سعر الصندوق: "في السابق، كان صندوق التفاح يباع بنحو 15 ألف ليرة أو 12 ألفاً. فكان الناس يسكتون. اليوم، بات سعر الصندوق عشرة آلاف، بينما صاحب البرّاد يتقاضى خمسة آلاف".

لا ينفي يوسف تخوّفه من الآتي: "بالنظر إلى حرب لبنان، من يقول إن الحرب في سوريا لن تستمر لسنوات؟ قد يصبر الناس لسنتين بعد، ولكن مزارع التفاح ليس كصاحب محل، إن خسر يقفله. بل هو يعتني على طول العام بأشجار التفاح ويصرف عليها، حتى يأتي موسم البيع، فلا يبيع". ومع ذلك، لا يرى أن إنتاج التفاح اللبنانيّ سيتوقف كلياً، لكنه يرى أن "الكثيرين سوف يتركون أشجارهم لليباس، وبالتالي سينخفض الإنتاج".

ونوّه يوسف بأن "الأزمة تطال مختلف المنتوجات الزراعيّة، ولكن الصرخة علت من مزارعي التفاح لأن أعدادهم أكبر".

تفاح فنيدق: فاقة بعد عزّ
من قرية كفرصغاب الزغرتاويّة إلى بلدة فنيدق العكاريّة التي تقع على إرتفاع 1200 متر عن سطح البحر، وتصل أعلى نقطةٍ فيها إلى ارتفاع 2250 متراً. تعدّ هذه البلدة من أكثر المناطق اللبنانيّة إنتاجاً للتفاح. ويقدّر المزارعين معدل إنتاج المنطقة سنوياً بنحو مليون ومئتي ألف صندوق في الموسم العاديّ.

بساتين التفاح تنتشر داخل البلدة، وخاصة في مناطق المزرعة وعين أبو حسن والغربية والحرف الأبيض والقموعة. ويتوارث سكّان البلدة زراعة التفاح من جيلٍ إلى جيل.

اللافت في زيارة بساتين فنيدق أن المزارعين لا يظهرون راهناً في الحقول. على غير عادة، تمّ حصاد 800 ألف صندوق فقط من التفاح، فيما ظلّت البقية مفروشةً على الأرض، إذ لم يتم تصريف الإنتاج.

طلال عبد الحي هو مزارعٌ يزرع التفّاح منذ نعومة أظافره، وهو أيضاً تاجر يعرف حال السوق ويعاني على كافة مستويات الأزمة: "ورثت الزراعة عن والدي، ولدي أرض تبلغ مساحتها نحو 50 ألف متر أتشاركها مع أخوتي. كنا نزرع بطاطا ولوبياء وبندورة وملفوف، ثم انتقلنا إلى التفاح لأن سوقه في البداية كان جيداً". يتابع: "منذ سبع سنوات، كان صندوق التفاح يباع بنحو 25 ألف ليرة. انخفض سعره منذ نحو ثلاث أو أربع سنوات إلى 18 ألف ليرة للصندوق. أما اليوم فبات يباع بستة آلاف أو سبعة آلاف، وفي كثير من الأوقات يصل إلى الثلاثة آلاف".

يرجع طلال السبب في أزمة التفاح إلى زيادة الإنتاج تقابلها صعوبة التصريف: "في السابق، كان الشحن إلى مصر أو الدول العربية بالبرّ يكلّف نحو 2000 دولار، لكنه أصبح الآن 4000 دولار بالبحر".

25 كيلو تفاح بألفي ليرة
يفصّل طلال كلفة صندوق التفّاح الواحد على المزارع: "هناك 4000 آلاف ليرة تبريد، تعبئة 500 ليرة، نقل إلى البراد 500 ليرة، كرتون ومغيط 500 ليرة. وإذا أردت أن أرسله للبيع، فالسمسار سيأخذ ألف ليرة. وإن بيع الصندوق، سيأخذ عليه ألف ليرة. وإذا بعت الصندوق بخمسة عشر ألف ليرة، فإن السمسار سيأخذ منها 2000 ليرة والبيك أب 2000 ليرة شحن إلى السوق. بالتالي، الصندوق الواحد يكلّف المزارع نحو عشرة آلآف ليرة، ويبقى له من ثمنه فقط ألفي ليرة".

واستطرد قائلاً: "إن تكاليف التفاح لا تنحصر بالبيع بل تنسحب على الزراعة، فهناك تكاليف المبيدات الحشريّة التي يختلف حجم الإنفاق عليها تبعاً للطقس والرطوبة ونوعية الحشرات". وفي هذا السياق، أشار إلى أن "معظم منتوج تفاح الغولدن الأصفر لهذا العام في فنيدق أكله الدود، على الرغم من رشّه مراراً"، عازياً ذلك إلى "نوعية المبيدات غير الفعّالة التي بيعت للمزارعين".

خسارة طلال هذا العام بين ما يشتريه من تفاح وما ينتجه منه وصلت إلى نحو 40 مليون ليرة. لذلك، يرى أن قرار الدولة لا يعوض الخسارة، وإنما "يرد ربما القليل مما أنفق على الأدوية ولشراء الماء". ويشرح: "ثلاثة أرباع الناس لديهم أراضٍ وجميعهم مكسورون وعليهم ديون. كثيرون يشترون خلال العام الطعام والأدوية والحطب وغيرها بالدين، وعلى أساس أن يردوا دينهم مع موسم التفاح".

التفاح مهدد بالتلف
يجد طلال أن الدولة لا تهتم حقيقة لهذا القطاع، وإلا "لتوجب عليها أن تشتري 4 مليون صندوق وتقوم بتلفه أو توزيعه على اللاجئين. قديماً، كان يحكي لي والدي أن تصريف التفاح أصيب بأزمة خلال عهد الرئيس كميل شمعون، فقامت الدولة بشراء التفاح وتلفه برميه عن جسر البترون. لو أن الدولة تريد حقّاً مساعدة المزارع، لكانت نظرت إلى أسعار الأدوية والمبيدات، فهي غالية جداً. مثلاً، كيلو دواء "سكور" الذي يستخدم لحماية التفّاح من الرطوبة يكلّف نحو 50 ألف ليرة. هذا النوع من المساعدة أفضل من التعويض بخمسة آلاف على الصندوق".

وشدّد على أن "الناس تميل بعد هذه السنة إلى قطع نصب التفاح واستبدالها بزراعة الخضراوات، وهذا أفضل لأنها أقل كلفة". ولفت الى أن "هناك 30 ألف صندوق في براد فنيدق. وخلال ستة أشهر، إذا لم يتمّ تصريف التفاح فعندها سوف ندفع من جديد ثمن تبريدها. وبكل الأحوال، منذ الآن وحتى نيسان 2017، إذا لم يتم تصريفها، سترمى".

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية