إثر تسجيل 205 شكاوى جزائية ضدّ المحامين بجرائم مختلفة[1] (النصب، الإحتيال، التزوير، تحرير شيكات من دون رصيد، القدح والذمّ، إنتحال صفات أمنية أو قضائية)، أصدرت نقابة المحامين في بيروت قراراً بشطب قيود عدد منهم إدارياً من جدول النقابة، متذرّعةً بأنّهم "لا يوحون الثقة والإحترام". وبلغ عدد المحامين المعنيّين بهذا الشطب ثلاثة، وهو عدد مرشّح للإرتفاع مع ورود أنباءٍ عن قيام مجلس النقابة بإعداد لائحةٍ إضافيّةٍ من 15 إسماً سيتمّ شطبهم للأسباب نفسها.

إن لجوء مجلس النقابة إلى الشطب الإداريّ يعني عمليّاً حرمان المحامي من ممارسة مهنة المحاماة من دون المرور بالمجلس التأديبيّ، ما ينتقص من حقه بالدفاع عن نفسه (ينظر إلى الكادر). وكان المجلس قد استحدث هذه الآلية في قراره السابق القاضي بشطب النائب والوزير السابق نقولا فتوش، إثر تعرّضه لنقيب المحامين السابق جورج جريج في مؤتمرٍ صحافيّ. وتبعاً للطعن الذي قدّمه فتوش ضدّ قرار شطبه، أصدرت محكمة إستئناف بيروت في 21-05-2015 قراراً إعدادياً باعتبار اللجوء إلى آلية الشطب فعلاً قانونياً، من دون تكريس حقّ الدفاع صراحةً، وإن أوقفت تنفيذ قرار الشطب من دون إيضاح الأسباب التي حدتها إلى ذلك.

وكانت "المفكّرة القانونيّة" قد علّقت على القرار الإستئنافيّ المذكور[2]، محذّرةً من خطورته على صعيد إستقلاليّة المحامي. فهو يفتح الباب واسعاً أمام مجلس النقابة لإنهاء الحياة المهنيّة للمحامي في أيّة لحظة ومن دون تمكينه من الدفاع عن نفسه. وقد جاءت قرارات الشطب الأخيرة لتثبت هذه الخطورة، من دون أن تتضح بعد الإجراءات المتخذة من النقابة لضمان حقّ الدفاع للأشخاص المذكورين. وهذا الأمر إنما يدعونا إلى قرع ناقوس الخطر مجدداً، من زاويتين إثنتين نستعرضهما أدناه.

مفهوم إيحاء الثقة والإحترام
تنصّ المادة 5 من قانون تنظيم مهنة المحاماة (قانون رقم 8 تاريخ 11/3/1970) على شروط "إكتساب لقب المحامي"، وهي، إلى جانب شروط: الجنسيّة، والأهليّة المدنيّة، والعمر، والشهادات المدرسيّة والجامعيّة، وإنتفاء أيّ حكمٍ صادرٍ بحقّ المرشّح جزائيّاً أو تأديبيّاً بسبب فعلٍ خلّ فيه بالشرف أو الكرامة، وعدم الصرف من وظيفةٍ عامّة أو مهنةٍ لسببٍ مماثل، أن يكون "متمتّعاً بسيرةٍ توحي بالثقة والإحترام".
ما يهمّنا في هذا الإطار هو هذا الشرط الأخير تحديداً، والذي يستند إليه مجلس النقابة لإتخاذ قرارات الشطب، متذرّعاً بأن فقدانه يؤدّي إلى تجريد المحامي من أهليته في ممارسة المهنة، ويوجب تالياً شطبه. إلّا أنّه من البيّن أن هذا الشرط يفرض ما لا تفرضُه باقي الشروط المنصوص عنها في المادة المذكورة: ففيما تعتبر الشروط الأخرى لممارسة المهنة موضوعيّة نسبياً، تفرض معاينةُ مدى توفّر هذا الشرط تقديرَ تصرّف المحامي، وتحديداً ما إذا كان فعله حقّاً يجرده فعليّاً من معيارَي الثقة والإحترام.

وفي هذا الصدد، يقتضي التذكير بمطالعة المقرّر العام لدى مجلس شورى الدولة الفرنسيّ[3]  الذي اقترح في مسألة موازية مرتبطة بشطب طبيب من جداول النقابة، التفريق بين حالتَي إستخلاص النتائج المتأتية عن ظرفٍ موضوعيّ يُفقد المشكو من أمره أحد الشروط المنصوص عليها قانوناً لممارسة مهنته من جهة أولى، حيث يكون الشطب الإداريّ مبرراً، وحالة الإخلال بموجبات المهنة وأخلاقيّاتها من جهة ثانية، حيث لا يعود معيار "موضوعيّة" الظرف متوفراً، ويقتضي على المجلس التأديبي تقدير تصرّف المشكو من أمره.

الشطب الإداريّ: إنتهاكٌ خطير لحقّ الدّفاع وضمانات المحاكمة العادلة
إنّ خطورة آلية الشطب الإداريّ تكمن في النتائج المترتّبة عليها. فعدا عن خطورة النتيجة التي تفضي إليها (منع المحامي من ممارسة المهنة التي يعتاش منها، نهائياً)، فإنها تحرمه من الضمانات الأساسيّة للمحاكمة العادلة المرتبطة بالآلية التأديبيّة، من حقّ الدفاع ومبدأ تدريج العقوبة.

فمن الواضح جدّاً ممّا تبيّن أن إحالة المحامي المخالف أمام المجلس التأديبيّ (وهو الجهة المختصّة - كما بيّنا سابقاً) هو ضمانة لحقّه بالدفاع وبمحاكمة عادلة: فلقد نصّت مثلاً المادة 102 من قانون تنظيم مهنة المحاماة على أنّه "[...] لا تجوز إحالة المحامي على مجلس التأديب إلّا بعد استماعه من قبل النقيب أو من ينتدبه، [...]". وكذلك، تقول المادة 105 منه: "يعتمد مجلس التأديب طرق التحقيق والمحاكمة التي يرى فيها ضمانة لحقوق الدفاع وحسن سير العدالة [...]". كما تنصّ المادة 99 أنّه عند الإقدام على فرض عقوبةٍ ما على المحامي المخالف، يجب اتّباع تدرّج معيّن من تنبيه ولوم ومنع مؤقت من مزاولة المهنة والشطب أخيراً.

أما المادة 15 من النظام الداخلي لنقابة المحامين والمرتبطة بصلاحية مجلس النقابة باتخاذ القرارات الإدارية فلا تتضمّن أيّاً من هذه الضمانات.

بقي أن نتمنّى على نقابة المحامين في بيروت أن تتذكّر أن مبرر وجودها الأساسيّ هو ضمان حقّ الدفاع واستقلاليّة المحامي، وكلاهما معرّضان لخطر كبير في ظل الإستمرار في آلية الشطب هذه. فأن تكون غاية النقابة هي صون سمعة المحامين وسمعة نقابتهم لا يبرّر إطلاقاً اللجوء إلى وسيلة تجرّد النقابة من مبرّر وجودها.

***

في حديثٍ أجرته "المفكّرة القانونيّة" مع الأستاذ نادر كاسبار، مفوّض قصر العدل في نقابة المحامين في بيروت، تمّ سؤاله عن الأساس القانونيّ الذي أُسند إليه الشطب الإداريّ. فاعتبر أن هذا الشطب هو من حقّ نقابة المحامين بناءً على النصّ الذي يوجب على المحامي الإيحاء بالثقة والإحترام. وبرّر الشطب بأن هؤلاء المحامين كانوا ولا يزالون موضع ملاحقات جزائية عدّة. وعند سؤاله عمّا إذا كانت هنالك أيّة أحكامٍ جزائيّةٍ صادرةٍ بحقّهم، صرّح كاسبار بأن النقابة لم تُتابع هذا الأمر بشكلٍ كامل، لكن يُطلب منها بشكلٍ متكرّر إذنٌ لملاحقة هؤلاء.

وحول تمكين المحامين المعنيّين من الدفاع عن أنفسهم، أفاد كاسبار بأن النقابة حاولت الإتصال بهم عدّة مرّات من دون أن تتلقّى أيّ جواب، موضحاً أن النقابة لم ترسل أيّ محضر تبليغٍ رسميّ. ثمّ أنكر كون هذا الشطب الإداريّ يتمّ بطريقةٍ إنتقائية، داعياً إلى إعلام النقابة في كلّ مرّة يثور الشكّ حول محام معيّن. وهنا، تمّ تذكيره بموضوعَي المحامين المتورطين بـ"سمسرة العدل" ورئيس البلدية/المحامي الذي ضرب زوجته أمام الملأ، وعمّا إذا كان هؤلاء يوحون بالثقة والإحترام. فلم تلقَ "المفكّرة" أيّ جواب شافٍ لذلك.

وعند السؤال عن نيّة النقابة التوسّع في مجال أعمال الشطب الإداريّ، أجاب بأنه لن يتمّ التخلّي أبداً عن المجلس التأديبيّ. فهل أصبح الشطب هو القاعدة، والمجلس التأديبيّ هو الإستثناء؟

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية


[1]  أنظر رضوان مرتضى، نقابة المحامين تفصل ٣ محامين "لا يوحون بالثقة والاحترام"، الأخبار، العدد ٣٠٢٧ الاثنين ٧ تشرين الثاني 2016.
[2] ميريم مهنا، ملاحظات على القرار القضائي في قضية فتوش: ماذا بشأن استقلالية المحامي وحقه بالمحاكمة العادلة؟، المفكّرة القانونية، العدد31.
[3] أنظر المطالعة في R. Keller (rapporteur public), Le Conseil national de l'ordre des médecins peut par une décision de nature administrative radier un médecin du tableau pour des raisons de moralité, AJDA 2010, p. 2050