بتاريخ 07/11/2016 وجهت المفتشية العامة بوزارة العدل مذكرة الى الوكلاء العامين بمحاكم الاستئناف، ووكلاء الملك بالمحاكم الابتدائية، قصد موافاتها بحصيلة عمل قضاة النيابة العامة خلال السنوات الثلاث الماضية.
وقد ركزت المذكرة، في تقييمها لقضاة النيابة العامة على العناصر التالي:

  1. عدد المحاضر التي تم تكييفها،
  2. عدد الشكايات التي تمت دراستها،
  3. عدد الجلسات التي مثل قضاة النيابة العامة بها،
  4. عدد الزيارات إلى مخافر الأمن والدرك التي أنجزها كل قاضٍ من قضاة النيابة العامة،
  5.  عدد ملتمسات النيابة العامة والطعون المقدمة.

ويُلاحظ أنّ هذه المذكرة تأتي في إطار تقييم أداء المحاكم والقضاة العاملين بها قصد الوقوف على فعالية ونجاعة التدبير بها، وذلك بعدما تمّ اعتماد معايير أخرى في وقت سابق لتقييم قضاة الأحكام[1]. وتطرح مبادرة المفتشية العامة عدة ملاحظات بخصوص توقيتها ومضمونها في علاقته بمدى احترام المعايير الدولية المعتمدة لتقييم القضاة.

فمن ناحية التوقيت، يُلاحظ أنها تأتي في مرحلة انتقالية تسبق تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي سيتولى تدبير الحياة المهنية للقضاة، حيث ينتظر أن تنسحب وزارة العدل والحريات تدريجيا من المشهد القضائي لصالح المجلس الذي سيحلّ محلها وسيتولى الإشراف أيضا على جهاز المفتشية العامة، ومن ثم يمكن القول أنّ مبادرة وزارة العدل (المفتشية العامة التابعة لها)، جاءت في الوقت بدل الضائع، وكاستباق لعمل المجلس.

أما بخصوص مضمون المذكرة فيلاحظ أنها تضمنت التنصيص على مؤشرات جديدة لتقييم عمل قضاة النيابة العامة، وهي معايير كمية تركز على قياس نشاط كل قاض انطلاقا من الأعمال التي قام بأدائها خلال فترة معينة حددت في السنوات الثلاث الأخيرة. ولمعرفة مدى انسجام ما جاء في المراسلة المذكورة مع أحكام القانون، يتطلب الأمر الرجوع إلى معايير التنقيط المحددة في مرسوم 23/12/1975 الخاص بكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم من الدرجة والرتبة. فالفصل الثاني منه نص على أن نشرة التنقيط تتضمن نظريات عامة حول الشهادات العلمية والمؤهلات الشخصية والضمير المهني والسلوك وكذا المناصب التي يمكن إسنادها اليه حسب مؤهلاته الخاصة.

وحتى بالرجوع إلى القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، يلاحظ أنهما لم يتضمنا أي تنصيص على المؤشرات المذكورة في مراسلة المفتشية العامة، علما بأن غالبية مضامينهما لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد تنصيب المجلس الجديد.

فما مدى شرعية قيام المفتشية العامة بوضع معايير جديدة لتقييم القضاة من زاوية المعايير الدولية؟

بالرجوع الى المعايير الدولية ذات الصلة نجد أنها تنص على اجراءات معينة ينبغي مراعاتها عند وضع أنظمة لتقييم القضاة أهمها، أن تنشر هذه المعايير من قبل السلطة القضائية المختصة، وأن تمكن القضاة من التعبير عن وجهات نظرهم بشأن أنشطتهم والتقييم الذي أفضت إليه، وكذلك الطعن في ذلك التقييم أمام سلطة مستقلة أو محكمة[2].

من هنا يبدو أن أهم شرط في معايير تقييم القضاة هو أن تكون معايير التقييم معلومة سلفا حتى يتحقق الهدف منها وهو تحفيز القضاة على العطاء والإجتهاد. فلا يُعقل أن يتمّ تقييم أداء القضاة على أساس معايير مجهولة بالنسبة اليهم. كما أن هذه المعايير لم يتم مناقشتها مع القضاة من خلال ممثليهم سواء (القضاة المنتخبون في المجلس الأعلى للسلطة القضائية)، أو الجمعيات المهنية القضائية، أو الجمعيات العمومية للقضاة بالمحاكم، وانما تم الإكتفاء فقط باستشارة مديرية الشؤون الجنائية وهي جهة لا يمكن اعتبارها أبدا جهة تمثل القضاة وإنما هي تابعة للسلطة التنفيذية، مما يؤكد أن شرط التشاركية تم تجاهله تماما في هذه المبادرة.

وعموما، فإن فكرة وضع معايير موضوعية لتقييم عمل قضاة النيابة العامة في حد ذاتها فكرة ايجابية من حيث المبدأ، الذي يقتضي تقييم العمل القضائي بشكل موضوعي لتطوير أداء المحاكم. لكن طريقة تنزيلها من خلال مذكرة المفتشية العامة سالفة الذكر لم تكن موفقة لكونها افتقدت للمنهجية القانونية السليمة التي تنسجم مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء.

 

[1]- يتم تقييم عمل قضاة الأحكام اعتمادا على مؤشر قياس نسبة ارتفاع تصفية القضايا، ومؤشر قياس معدل البت، حسب ما أصدروه من أحكام حسب تصنيفها داخل آجال معقولة.
حول هذا الموضوع يراجع الخبر التالي المنشور بموقع المفكرة القانونية: 
تحديد آجال البت في القضايا المعروضة على أنظار المحاكم يستفز قضاة المغرب
[2]- توصية لجنة الوزراء رقم (2010)12 إلى الدول الأعضاء بشأن القضاة: الاستقلالية والكفاءة والمسؤوليات
اعتمدتها لجنة الوزراء في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2010، خلال الاجتماع عدد 1098 لنواب الوزراء، حول المعايير الدولية المتعلقة بتقييم القضاة،  أنظر لمزيد من التفاصيل:
-دليل حول معايير استقلالية القضاء، من اصدار المفكرة القانونية 2016، ص 71.