في عددها رقم 43 (أيلول 2016)، لفتت "المفكّرة القانونيّة" إلى قضية "المنطقة العاشرة"، بما يتصل بالمرسوم السرّيّ 169. وللتذكير، كانت حكومة الرئيس سليم الحصّ قد أصدرت في خضمّ الإزدواجيّة الحكوميّة والحرب الأهليّة في العام 1989 المرسوم المذكور، الذي مهّد لاستباحة أجزاء واسعة من الأملاك العامّة في المنطقة العاشرة من بيروت (منطقة الروشة). وقد عمدت إلى إبقائه سرّيّاً وغير منشور، ما سمح لناشطي الحملة المدافعة عن الأملاك العامّة بالتقدّم من خلال جمعيتي "الخطّ الأخضر" و"نحن" بدعوى للمطالبة بإبطاله رغم انقضاء 25 سنة على صدوره، على أساس أن مهلة الطعن (شهرين) لا تسري إلا ابتداءً من تاريخ النشر.

وترتدي هذه الدعوى أهميةً فائقة، ليس فقط لجهة هدفها المباشر (إستعادة آلاف الأمتار من الأملاك العامّة كما نبيّن أدناه)، إنما أيضاً لجهة رمزيتها على أكثر من صعيد: فهي، من جهة، تشكّل خطوةً أولى لاستعادة الأملاك العامّة المنهوبة، ومن جهة أخرى، تعيد الإعتبار لحقّ المواطن بالتمتّع بالبيئة، وتحديداً لحقّه بالولوج إلى الشاطئ. ورغم فداحة المخالفات التي اعترت المرسوم المطعون فيه[1]، بقيت السلطة المركزيّة منسجمةً مع السياسة السائدة منذ عقود والمتمثلة في غضّ الطرف عن الإعتداءات على الملك العامّ، أقله الإعتداءات الحاصلة في زمن الحرب. فممثّل رئاسة الوزراء، القاضي المتقاعد سهيل البوجي، طالب بردّ الدعوى لانتفاء الصفة والمصلحة[2] (!!). أما بلدية بيروت فقد لزمت الصمت حتى نشر هذا المقال في الدعوى، رغم قرار المستشار المقرر بإدخالها فيها وتكليفها بإبداء موقفها منها خلال شهر. وإذ ذاك، برز نشطاء الحملة وكأنّهم وحدهم المعنيّون بالدفاع عن الملك العامّ، وسط تباين مواقف القضاة حول صفتهم ومصلحتهم في القيام بذلك.

في أيلول 2016، وحمايةً لحظوظ المراجعة، طالب ناشطو الحملة في ندوة عقدوها بتاريخ 13-10-2016 بأن تخرج بلدية بيروت عن صمتها وتعلن تأييدها لمطالبهم دفاعاً عن أملاكها العامة. وفي الإتجاه نفسه، قدّمت "بيروت مدينتي" في 24-11-2016 كتاباً موجّهاً لبلدية بيروت (ممثلة بمحافظ بيروت زياد شبيب).

في 28-11-2016، استجابت بلدية بيروت ممثلة بالمحامي د. عصام إسماعيل مقدّمة لائحة أيّدت فيها مطالب المستدعيّة، مدعمة الدعوى بدفوع وحجج جديدة تؤكد على قوة القضية المرفوعة. وعليه، عاد الملف لتدقيق قضاة مجلس شورى الدولة، بعدما نجح النشطاء بتدعيم موقفهم بموقف داعم لبلدية بيروت.

الأنظار اليوم تتجه إلى رئاسة مجلس الوزراء: فهل ستبقى متمسكة بموقفها الداعم للمرسوم المخالف بشكلٍ ظاهر لكلّ المصالح العامة أم ستغير موقفها لتنضم إلى الناشطين وبلدية بيروت؟ وبالطبع، يبقى القرار النهائيّ لمجلس شورى الدولة الذي يرجى أن ينتصر لإعادة الملك العام المنهوب.

نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية

 


[1]  صدوره عن حكومة تصريف أعمال، التخلّي عن ملك عام بلدي من دون الحصول على موافقة بلدية بيروت ورضائياً من دون مقابل، عدم إجراء الاستشارات الوجوبية ومنها استشارة المجلس الأعلى للتنظيم المدني ومجلس شورى الدولة.
[2]  ممثلو الدولة يدافعون عن فساد الحكومة في فترة الحرب، ويطلبون ابقاء الاعتداء على الملك العام، المفكرة القانونية، عدد 26، آذار 2015.