في السابع من تشرين الثاني 2016، تمّ إطلاق سراح المواطنة فاطمة حمزة، بعدما كانت قد احتجزت في مخفر الغبيري لرفضها تسليم إبنها علي (3 سنوات) لوالده بموجب قرار صادر عن المحكمة الشرعيّة الجعفريّة. تحت ضغطٍ شعبيّ وإعلاميّ تخللته تظاهرةٌ مشت من مقرّ "المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى" إلى المخفر في 5 تشرين الثاني، أعيد فتح نقاش قوانين الحضانة الخاضعة للمحاكم الشرعية والروحيّة في لبنان وتفسيراتها المختلفة. فتساهم "المفكّرة القانونيّة" بهذا النقاش عبر مقابلةٍ استيضاحيّةٍ مع شيخٍ جعفريّ إصلاحيّ تابع نقاش الحضانة، يليها تحليلٌ (ص 4-5) لقوانين الحضانة الشرعيّة والروحيّة في لبنان، ومنطلقاتها التي تعاند حقوق الطفل وتكرّسه أداةً لفرض السلطة الذكورية كما الدينية والإجتماعية ضمن العائلة.

بفضل إصرار فاطمة على معاندة القانون تمسّكاً بحقّها بحضانة ابنها الطفل (علماً أن والده قد تزوّج وأعاد الإنجاب)، دقّ المطلب باب المحكمة الجعفريّة، التي تتمسّك بسنٍّ صادمٍ تنتقل فيه الحضانة من الأمّ إلى الأبّ، وهو سنّ السنتين للذكر. من هنا، قصدت "المفكّرة" مكتب الشيخ يوسف سبيتي في مركز السيد محمد حسين فضل الله في حارة حريك، لاستيضاح الأمر الواقع، أسبابه، وإمكانات إحداث تغييرٍ فيه. يذكر أن الشيخ سبيتي جادل في مسألة الحضانة داعماً حقّ فاطمة بحضانة ابنها، كما أنه قد أصدر في العام الجاري كتاباً عنوانه: "العنف الأسري: رؤية شرعيّة – اجتماعيّة"، قدّمت له الدكتورة عزّة شرارة بيضون.

1- س: يتيح الفقه الجعفريّ مجالاً للإجتهاد، ويتقدّم في بعض الحقوق بالمقارنة مع الطوائف الأخرى كحقّ النساء بالإرث. لماذا سنّ الحضانة فيه هو الأدنى بين جميع الطوائف، والمحكمة الجعفريّة تصدّ محاولات التغيير فيه؟
إلتزمت المحاكم الشرعيّة بمرجعيةٍ فقهيّةٍ تقضي بأن حضانة الأم للطفل الذكر تنتهي في سنّ السنتين، وفي سنّ السبع سنوات بالنسبة إلى الأنثى. هذا رأي أكثرية الفقهاء الشيعة، إلا أنه لا يعني أنه الرأي الوحيد أو الأساسيّ. فمجال الإجتهاد في الحضانة مفتوح، وهناك آراءٌ قديمة لمراجع تاريخيّة تعتبر أن حضانة الفتاة تنتهي في سن التسع سنوات، فيما تنتهي حضانة الذكر في عمر السبع سنوات. لا بل أكثر من ذلك، إعتبرت بعض المراجع التاريخيّة أن حضانة الأم للفتاة تبقى لحين زواجها (أي الفتاة). وفي الواقع، لا يوجد نصٌّ قرآنيّ صريح في موضوع الحضانة، ما يفسح المجال أمام إجتهاد المجتهد.

هناك العديد من النصوص الشرعيّة التي تعطي المرجع الدينيّ هامشاً للتحرّك ضمنها. فمثلاً، هنالك  إجتهاد سماحة السيد محمد حسين  فضل الله  الذي يعتبر أن الحضانة يجب أن تكون للأم لحين بلوغ الطفل من الجنسين سن السبع سنوات. وبذك يقضي إجتهاد السيد محمد صادق الروحاني أيضاً.

2- ما العائق أمام رفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعيّة؟
المحاكم الشرعيّة غير مستعدة للدخول في هذا المجال لأنه لا يمكنها تجاوز فتوى المرجع الدينيّ الذي تتبعه. ولكن، لا يمكننا التمسّك بحرفية الفتوى خاصة في الحالات التي يكون فيها تطبيق السنّ ضارّاً بالطفل، مثلاً في حالة الوالد الذي يعمل طوال النهار ويترك الطفل وحده. يعتبر البعض أنه يمكن وضع الولد مع جدّته أو عمّته، ولكن الأمّ أولى.

أحد الإقتراحات يقضي بأن يتمّ تطبيق إجتهاد المرجع الذي يتبعه الشخص: عددٌ من الشيعة يقلّد السيد فضل الله مثلاً، فلماذا نلزم الشخص المتقاضي بفتوى هي ليست فتوى مرجعه؟

الإقتراح الآخر يقضي بتحويل معيار السنتين إلى قانون وعدم إبقائه كفتوى. فالواقع والأرقام تشير إلى وجود نوع من الإبتزاز بين الطرفين، خاصة من قبل الأب الذي يبتزّ الأم. لذا، يمكن وضع قانون ينظّم حضانة الولد لحين بلوغه سن السنتين، على أن نحدّد بعد هذا العمر إذا  كان بإمكان الأب أن يكون قادراً لحضانة للطفل أم لا، بناءً على مصلحة الطفل. فحتى عندما يكون الأبّ داخل الأسرة، لأيّ مدى يمكنه مثلاً أن يقضي الوقت مع طفله ويلعب معه؟ قدرة التحمّل لدى الأبّ تختلف عن قدرة التحمّل لدى الأمّ. يجب إذاً إعطاء فرصة للقاضي لكي يدرس كلّ حالةٍ بشكلٍ مستقل، فلكلّ عائلةٍ ظروفها الخاصة والفريدة من نوعها.

كما إنه من الممكن هنا تشكيل لجنة تقوم بدراسة كلّ حالةٍ بحالتها، ويمكن أن تتكوّن من قضاة شرعيّين وأخصائيّين نفسيّين وإجتماعيّين. يجب تحرير القاضي من تطبيق الفتوى بحرفيّتها. التطبيق الحرفي قد يؤذي أحياناً، فيتوجّب على القاضي ملاحظة المتغيّرات الإجتماعيّة والزمنيّة والظرفيّة الموجودة، وهي ربما حالاتٌ لم تكن موجودة في زمن النصّ.

ومن المتاح للقاضي أن ينطلق باجتهاده من آيةٍ قرآنيّةٍ كريمةٍ قابلة لتحليل الظرف. تقول الآية: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتمّ الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف. لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده". ففيما قد يعتبر البعض أن هذه الآية متعلّقة بالإضرار بالأبّ والأمّ، إلا أن نزع الولد عن أمه يضرّ بالولد بشكلٍ تلقائيّ. وبالتالي، تلحظ هذه الآية أن الإضرار بالأمّ والأبّ يؤدّي إلى الإضرار بالولد. الولد هو النقطة الأساسيّة في الموضوع، ويجب ملاحظة مصلحته.

وعلى فكرة، على مستوى انتقال الحضانة إلى الجدّ، تجدر الإشارة إلى وجود تصادمٍ بين عنوانين: حقّ الحضانة للأمّ وحقّ الولاية للأبّ. الأب هو الوليّ الجبريّ، ويعتبر الجدّ الوليّ الجبريّ الثاني في حال غياب الأب. هنا، من الضروري التوضيح أن الولاية لا تأتي بمعنى السلطة القادرة على أن تفرض أو تتحكّم، وإنما بمعنى إدارة شؤون الولد. المسؤولية، كالنفقة والزواج وابتياع الحاجات إلخ، تقع على عاتق الوليّ الجبريّ، هو الموكل بها، حتى لمّا تكون الحضانة للأم. ولكن، يعتبر البعض أن هناك تصادم بين الولاية والحضانة، ويقع خلطٌ بين العنوانين. من الضروريّ التوضيح أن الحضانة معنيّة برعاية الولد ليس أكثر، حتى في غياب الأب، وبحسب جميع المراجع، تنتقل حضانة الطفل للأمّ وليس للجدّ، على الرغم من كونه الوليّ الجبريّ الثانيّ.

3- كيف يتم إختيار المرجعية؟
على مستوى شيعة العالم العربيّ، يوجد توافقٌ بين أكثر العلماء على مرجعيّة السيد السيستاني. طبعاً، يوجد علماء آخرون يؤمنون بمرجعية السيد فضل الله. لكن المحاكم الشرعيّة اللبنانيّة اختارت مرجعية السيد سيستاني، وقد تمّ هذا الاختيار بعد وفاة السيد الخوئي.

4- هل تجدون أن الحضانة حقّ للطفل قبل أن تكون حقاً للأبّ أو الأمّ؟ أم أنها واجبٌ على الأهل وحقٌّ للطفل؟
هنالك شبهة في هذا الموضوع، وقد ظهرت خاصّةً عند الحديث في الإعلام عن حضانة الأمّ والأبّ. هناك ثلاثة أشخاص معنيين في موضوع الحضانة: الأمّ، الأبّ، والطفل. للطفل حقّ الرعاية والإهتمام وملاحظة حاجاته الجسديّة والذهنيّة والنفسيّة والفكريّة. فحاجاته ليست فحسب تلك المرتبطة بالإرضاع، ولا تقف طبعاً عندها. الحضانة هي حقّ الطفل. أما في مسألة كونها حقّاً أم واجباً، فهناك خلافٌ قانونيّ وفارقٌ بين العنوانين. فإذا كانت حقاً للأم، يمكنها إذاّ أن تتنازل عنه. إما إذا إعتبرناها واجباً، فهي ملزمةٌ به.

5- الدليل الجعفريّ هو من النصوص الوحيدة المتعلّقة بالحضانة في لبنان، والتي تنصّ على حقّ الطفل (في عمرٍ معيّن) بالإختيار بين أحد والديه. كيف يتمّ ذلك؟
يتعلّق سن التخيير بمرحلة ما بعد الحضانة. وحقّ التخيير يأتي في مرحلةٍ متقدمةٍ من عمر الطفل، وهو ما يعرف بسنّ التكليف، أيّ المرحلة التي يصبح فيها الطفل مسؤولاً شرعاً، ويتوجّب عليه الصوم والصلاة. يصبح الطفل "حرٌاً" بإختيار الحاضن المناسب، على اعتبار أنه صار يمتلك القدرة على التمييز.

6- هل هناك أيّ مبرّرٍ شرعيّ لإختلاف سنّ الحضانة بين الأطفال الذكور والإناث؟
كلا، لا مبرّر في النصوص الدينيّة. بعض الفقهاء التاريخيّين يعتبر أنه من الأنسب أن يكون الذكر مع الأبّ وتكون الأنثى مع الأمّ. إلا أنني أعتقد أنه من الأنسب للفتاة أن تكون مع الأمّ، على الأخصّ في ما بعد سنّ السبع سنواتن وذلك لخصوصيّة العلاقة بينهما.

هنا، ألفت النظر إلى أنه قد تمّ تعديل نصوص الحضانة في إيران في اتجاه توحيد السنّ. فبناءً على اقتراح النواب النساء، وبناءً على تقرير مجلس تشخيص مصلحة النظام، تقرّر رفع سنّ الحضانة للجنسين إلى سبع سنوات، مع إعطاء القاضي الحقّ بإبقاء الولد مع الأمّ لفترةٍ أطول إذا وجد أن في ذلك مصلحة الطفل.

تم نشر هذا المقال في العدد 45 من مجلة المفكرة القانونية