عبر مجلس "الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" في بيان للرأي العام بتاريخ 30 نوفمبر 2016 عن استغرابه من عدم وفاء الجهات الحكومية بالتزاماتها القانونية المحمولة عليها وبتعهداتها الدولية ذات العلاقة بإنشاء الهيئة وتمكينها من وسائل العمل الضرورية. وقد أبرزت الهيئة في بيانها كماً من الصعوبات والعراقيل التي تعيق مسار تركيزها، خاصة من حيث افتقارها لمقر وظيفي وموظفين عاملين بها وعدم إصدار الأوامر المنظمة لعمل الهيئة وتعطيل عملية تفرغ الأعضاء لممارسة مهامهم إضافة إلى عدم توفير الاعتمادات المالية الضرورية للمرحلة التأسيسية. واستبقت عدد من منظمات المجتمع المدني بيان الهيئة ببيان مماثل أكدت فيه دعمها للهيئة وضرورة التحرك العاجل من أجل استكمال إرسائها[1]. وبالعودة إلى بيان الهيئة، فقد تضمن أيضا عبارات شديدة اللهجة نسبت فيها الهيئة إلى الجهات الرسمية محاولة  "تقزيم" دورها وتحويلها إلى مجرد "ديكور" لغاية "احتواء" دورها و"تعطيل" عملها. وقد دعا مجلس الهيئة الجهات الحكومية إلى مراجعة أسلوبها في التعامل معها وإلى تحمل مسؤوليتها تجاه المواطنين ضحايا التعذيب وسوء المعاملة مؤكدة استعدادها لتوخي "كل الأساليب النضالية والمشروعة" للحفاظ على الهيئة كمكسب إنساني ووطني، بما في ذلك التنديد بهذه التضييقات في المحافل الوطنية والدولية وتعليق مهامها الأساسية إلى حين تمكنها من ضمان مقومات العمل المستقل والفعال.

يظهر من خلال البيان أن مسار تركيز هذه الهيئة يمر بمخاض عسير. فبعد تجاوز المراحل الأولى المتعلقة بالمصادقة على القانون الأساسي المنظم لها في 2013 وانتخاب أعضائها وأدائهم اليمين الدستورية، وما زالت الهيئة إلى الآن لم تمارس أي وظيفة فعلية في ظل غياب الدعم المادي الكافي من قبل الدولة رغم أن القانون الأساسي للهيئة عدد 43 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 يضمن الاستقلالية المالية والإدارية لها كما أنه يضمن لها وجود الميزانية اللازمة للعمل الفعلي.

هذه الاستقلالية المالية المنصوص عليها قانونيا يخالفها الأمر الواقع. فميزانية الهيئة الحالية مازالت تابعة لميزانية رئاسة الحكومة كأحد أجزاء السلطة التنفيذية. وهو ما تشترك فيه مع ثلاث هيئات دستورية أخرى هي الهيئة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري التي ألحقت ميزانياتها بميزانية رئاسة الجمهورية نظرا لغياب القوانين الأساسية المنظمة. وهو ما يثير الجدل مجددا حول استقلال هذه الهيئات المهمة وأهميتها في ضمان تركيز المسار الديمقراطي المتعثر في ظل الوضع الحالي الذي تعيشه البلاد وتعدد التسريبات الإعلامية بشأن رغبة بعض مراكز النفوذ أو الأحزاب في التحكم في هذه الهيئات أو في تهميش دورها وجعله ثانويا.

وهو ما أكده أيضا الكاتب العام للهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب الذي اعتبر في تصريح إعلامي أن الهيئة تتعرض إلى محاولة تهميش للقيام بدورها الرئيسي في الزيارات الميدانية والفجئية للسجون وغيرها من المرافق التي يمكن أن يتعرض فيها أي تونسي إلى عمليات تعذيب، وأن رئاسة الحكومة قد تجاوزت القانون ببقاء ميزانية الهيئة تابعة لميزانية رئاسة الحكومة وعدم إصدارها للأوامر الترتيبية المتعلقة بالهيكل إضافة إلى تراجع وزارة المالية عن قرار الاجتماع مع أعضاء مجلس الهيئة دون تقديم تعليلات أو اعتذارات[2].

يجدر التذكير أن تونس قد صادقت منذ سنة 2011 على أحكام البروتوكول التكميلي لاتفاقية مناهضة التعذيب، وتعهدت بذلك أمام المجتمع الدولي بإنشاء آلية وطنية للوقاية من التعذيب،  والذي جاء في المادة 18 منه أن الدولة مطالبة بضمان الاستقلال الوظيفي للآليات الوقائية الوطنية التابعة لها فضلا عن استقلال العاملين فيها واتخاذ التدابير الضرورية لكي تتوفر لخبراء الآلية الوقائية الوطنية القدرات اللازمة والدراية المهنية والتعهد بتوفير الموارد اللازمة لأداء الآليات الوقائية الوطنية مهامها.

لكن يبقى تنفيذ هذه الالتزامات وتفعيل دور الهيئة رهين الإرادة السياسية والتي ما تزال غائبة في ظل الميزانية المقترحة التي لا تلبي الحاجة والملحقة برئاسة الحكومة[3]،.وهو ما قد يهدد إمكانية تقديم الهيئة لتقريرها المستقل عن التقرير الحكومي أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الاستعراض الدولي الشامل لحقوق الإنسان في شهر ماي 2017.

واللافت أن يجري كل ذلك في موازاة انطلاق جلسات الإستماع إلى ضحايا التعذيب. كأنما لا صلة لتذكر الماضي بمنع تكراره.

 

[1]  بيان بتاريخ 29 نوفمبر 2016 : قائمة الجمعيات الموقعة : الرابطة التونسية لدفاع عن حقوق الإنسان / هيومن رايتس ووتش /جمعية العدالة ورد الاعتبار /منظمة ديغنتي/الجمعية الدولية لمساندة السجناء السياسيين /جمعية صوت الإنسان/الشبكة التونسية للعدالة الانتقالية/جمعية الكرامة للسجين السياسي/مرصد الحقوق والحريات بتونس/المركز الدولي للعدالة الانتقالية /منظمة حريات بلا حدود/المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب/جمعية الكرامة  / المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب
[2]  تصريح للموقع الالكتروني حقائق أون لاين بتاريخ 30 نوفمبر 2016.
[3]  تصريح إعلامي لرئيسة الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب حميدة الدريدي لموقع آخر خبر أون لاين بتاريخ 22 أكتوبر 2016.