الحديث عن الفساد والتنديد به: هذا هو الخطاب الأكثر رواجاً في تونس في الفترة الحاضرة. بل إنه أصبح أكثر جاذبية من موضوع الإرهاب وعديد المشاغل الأخرى التي لطالما أثثت الخطاب السياسي في تونس (التنمية، التشغل الخ...). والأكثر غرابة أن هذا الموضوع يتصدر حاليا الأدبيات السياسية لمجمل الطيف السياسي في وقت بات فيه التلازم بين الفساد المالي والفساد السياسي أمراً لا يشك فيه إثنان في تونس. فلقد بدا واضحا للعيان أن حالة التشظي التي تعيشها عديد الأحزاب السياسية إنما وراؤها المال الفاسد. وهذا الموضوع تتدافعه أسئلة عديدة: ما هو حجمه الحقيقي؟ وما هو نصيب الحقيقة من الخيال فيه؟ وما هي مظاهره؟ وما هو سبب عجز الدولة عن مجابهته بصرف النظر عن حجمه؟ وما هي الآليات الأكثر نجاعة في الحد منه ثم القضاء عليه؟

الفساد وحجمه
لا أحد يملك أرقاما حقيقية حول حجم الفساد. والسبب بسيط: فليس للفساد شكل واحد. فالرشوة  هي مجرد صورة من صوره والمحاباة والمحسوبية مظهران من مظاهره، والتهاون في حماية المال العام وتركه نهبا للطامعين فيه تجلّ من تجلياته. لذلك لا يمكن مقاربة الفساد مقاربة كمية وإنما لا بد من النظر إليه كسلوك ومنهج.

ولنتذكر أنه منذ الأشهر الأولى للثورة وأمام تنامي ظاهرة الإفلات من العقاب بسبب انهيار المنظومتين الأمنية والقضائية والرقابية، سارع المتفائلون إلى القول: إن مجمل التجارب الثورية تشهد في بدايتها بسبب انهيار النظام استشراء لظاهرة الفساد بسبب حالة الإنفلات المجتمعي وانهماك مؤسسات الدولة في تضميد جراحها وإعادة بناء نفسها. ولقد بلغ حجم الإنفلات درجة تداول مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يصور عون أمن مرور بصدد ابتزاز مواطنة قصد الحصول على رشوة بعد أن أقسم بأغلظ الأيمان أنه لن يتراجع عن ذلك حتى لا يجبر على صوم يوم كفارة عن قسمه. بل لقد بلغ الامر أن إحدى المؤسسات المنتجة شهدت إضرابا عاما بسبب إيقاف رئيسها من أجل شبهة فساد بعدما تبين أن ذلك الرئيس لم يكن "أنانيا" في الانتفاع بالمال العام لخاصة نفسه بل كان يغدق على الكثيرين الذي لم ينكروا له الجميل وكانوا خير سند له في تلك الأعمال الاحتجاجية.

وأكاد أقول أن العديد ممن سعوا إلى استخلاص فوائد لخاصة أنفسهم من المال العام بعد الثورة تصرفوا بمنطق الإنتقام من الدولة واسترجاع حقوق حرموا منها بفعل الدولة نفسها... إن من استولى على عقار على ملك الدولة العام وأنجز فوقه منزلا أو مشروعا خاصا، وأحيانا بتواطؤ سلبي أو إيجابي من بعض أعيان الدولة (حادثة الإستيلاء على المقر القديم لمحكمة ناحية زغوان)، يعتقد أنه يثأر لنفسه ويسترجع حقه المسلوب أيام الاستبداد. في إحدى القنوات التلفزية، تم بث برنامج حول الفساد في الإدارة التونسية: وكانت الضحية المنتقاة في ذلك البرنامج مستثمر تم إيقاف مشروعه الترفيهي المقام على منطقة خضراء عن طريق لزمة حصل عليها زمن الإستبداد، بحجة أن إيقاف المشروع من البلدية سببه فساد الإدارة، والحال أن السبب الحقيقي هو حصوله على اللزمة بدون منافسة.

وهكذا يصبح المنطق مقلوبا في بعض الأحيان.

وعلى أية حال إنما نعطي بعض الأمثلة الحية للقول بأن مفهوم الفساد ومظاهره في ظل نظام سياسي وإداري في طور التحلل دون أن يترك المكان لمنظومة جديدة شفافة وواضحة المعالم لن يكون من السهل الوقوف عندها وضبطها بشكل دقيق.

إن استيلاء إحدى الجمعيات في الجنوب التونسي على ضيعة التمور بجمنة وبمشاركة من زعماء سياسيين معروفين وبعض نواب البرلمان يمكن أن يقع تحت طائلة الاستبداد بالتصرف في الملك العام خارج القوانين والتراتيب المنظمة لكراء الضيعات الدولية وبالتالي يشكل فسادا من الناحية القانونية الصرفة. غير أنه من وجه نظر القائمين على الجمعية المذكورة وأنصارهم إنهم إنما قاموا بذلك لوضع حد لحالة فساد تمثلت في إسناد الضيعة المذكورة دون احترام مبدأي الشفافية والمساواة أمام الطلب العمومي.

لقد بلغ الأمر الى حد قيام الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وحتى قبلها وفي سياق فض الإشكاليات العالقة بخصوص تعطل المشاريع العمومية الكرى بسبب تعقد الإجراءات في عديد المناسبات الى مخالفة القوانين والتراتيب وتمكين المقاولين من الشروع في تلك المشاريع بصرف النظر عن مدى احترام بعض القوانين المتحجرة.

إننا لو عدنا الى التعريف المتدوال صلب الاتفاقيات والصكوك الدولية للفساد لوجدنا أنه يتمحور حول عدم احترام القوانين.

لهذا السبب فإننا لا زلنا نعتقد أن المسألة لا تتعلق فقط بمظاهر الفساد التقليدية كالرشوة والمحسوبية، بل وأيضا بممارسات عديدة قد ينخرط فيها الفاسد و"النظيف" على حد سواء. وإني لأستحضر صورة ذلك الشاب الذي يترأس جمعية لمكافحة الفساد في تونس العاصمة، تبين فيما بعد أن مقرها هو عبارة عن بناية على ملك الدولة استولى عليها في جنح الظلام خلال الأيام الأولى للثورة.

والنتيجة هو أن الفساد يمكن أن يأخذ صورة مخالفة القانون والحصول على منافع خارج نطاق القانون. ويمكن أيضا أن يكون ذلك السلوك المتمثل في مواصلة الإعتماد على قوانين وإجراءات أصبحت عبءا على المصلحة العامة ولا تخدم سوى أشخاص أو فئات محدودة.

لذلك يمكن القول إن الحد من الفساد ومقاومته يبدآن من تبسيط المنظومة القانونية والإدارية وإلغاء الإجراءات ذات المردودية العكسية قبل وضع الآليات الرقابية.

آليات مكافحة الفساد: بين الإصلاح والمحاسبة
لا شك أن تشعب الإجراءات وكثرتها وتعقدها يدفع بالمتعاملين مع الإدارة إلى البحث عن المسالك الأقرب والأسهل. ولا شك أن الرغبة في تشديد الإجراءات تبدو في ظاهرها سعياً إلى غلق منافذ الفساد عبر شكليات شفافة. غير أن القاعدة القائلة بأن الشيء إذا فات حدّه انقلب الى ضده. وهو حال المنظومة الإدارية والقانونية في تونس حيث تضيع المبادرة الاقتصادية في متاهات الشكليات والإجراءات مما يفتح الشهية أمام محاولة الالتفاف على تلك الإجراءات بطرق ملتوية عنوانها الفساد وغالبا ما يتم ذلك عن طريق تدابير "قانونية" (مثال إخراج الأراضي من الملك العام الى الملك الخاص للدولة ثم التفويت فيها للخواص بالدينار الرمزي، أو إجراء بتّات أو طلبات عروض صورية بين متنافسين لهم مصلحة واحدة الخ...). والرأي الغالب هو تبسيط الإجراءات وتشديد الرقابة اللاحقة بدلا عن الرقابة المسبقة مع تفضيل الرقابة القضائية على الرقابة الإدارية.

وتبسيط الإجراءات ليس بالأمر الهين. فمخاطره لا تقل عن مخاطر منظومة الإجراءات المعقدة خاصة  في بعض المجالات كالصفقات العمومية، حيث يفتح المجال أمام رداءة الخدمة المسداة. لذلك فإن منظومة الإجراءات المبسطة تتطلب جهوزية كبرى من قبل الإدارة من حيث وضع كراسات شروط دقيقة ومواكبة لتطور الأنشطة المعنية ومنظومة نفاذ الى المعلومة ذات انسيابية عالية. كما تتطلب منظومة تبسيط الإجراءات وضع إطار تعاقدي بين الإدارة والمتعاملين معها يقوم على التواصل الإيجابي والتسيير وفق قاعدة الربح المتبادل. وهذه التحديات تتطلب نظام تكوين للموارد البشرية للإدارة قادر على التجديد والخلق والإبداع خصوصا وأن الإدارة اليوم تعاني من ضعف القدرة على التجديد والانكفاء وراء القوالب الجاهزة وأساليب العمل البالية. كما أن هذه المنظومة تتطلب أيضا نظام حوافز فعال في الوظائف العامة يراعي طموحات العون العمومي وتوقه الى الأفضل. وعلاوة على هذه المنهجية الاستباقية والوقائية، فإنه لا مناصّ من اعتماد أساليب المعاقبة والإصلاح.

وفي هذا المضمار، يمكن القول أن الخطاب الذي يقتصر على الدعوة إلى المحاسبة والمعاقبة فيه كثير من المغالاة، لا سيما أنه في المجتمعات التي تمر بفترة انتقالية مثل تونس من المستحيل أن تطال الآلة العقابية جميع المتورطين بالفساد. بل إن السعي إلى ذلك من شأنه أن يشحذ جموع المستفيدين من الفساد ضد كل عملية إصلاح وهو ما يحصل في تونس حاليا.

لقد بينت التجربة أن من الآليات المهمة أيضا والتي أعطت أكلها في كثير من الحالات هو اعتماد نظام الحركية والتداول على المسؤولية في عديد القطاعات (rotation et mobilité (. ونقصد بذلك كسر حلقات المسؤولية وشبكة المسؤولين المتقاربين على الفساد عبر تغيير مراكز القيادة واستبدال المسؤولين عن ملفات بها شبهات فساد بمسؤولين آخرين. وإن هذه الآلية تمكن من هدفين في نفس الوقت: إبعاد الفاسد عن مصدر الفساد من جهة والكشف على وكر الفساد وما يحويه بعد إبعاد الفاسد عنه. ونذكّر في هذا المجال بمثال المحاسب الذي بلغ سن التقاعد ولم يطلب يوم عطلة طوال حياته المهنية خوفا من كشف حساباته المغلوطة.

إن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون شعارا سياسيا واستحقاقا انتخابيا تستمال به عواطف الناخبين. إنها عملية إصلاح لأداء الدولة. كما أن شخصنة خطاب مكافحة الفساد كأن يتم التركيز على أسماء أو فئات لا يمكن إلا أن يؤجج الصراعات ويشحذ بارونات الفساد ضد كل إصلاح. على الدولة أن تبدأ في مكافحة الفساد بأن تعطي أملا للجميع بأنه يمكن تحقيق الهدف عبر مسلك واضح وشرعي وأن المصعد الاجتماعي يمر عبر العمل والجدارة والإستحقاق. وإلى حد الآن يبدو أن هناك خيبة لدى شرائح عديدة من المجتمع التونسي من هذا المنظور.

نشر هذا المقال في العدد 6 من مجلة المفكرة القانونية في تونس