أصدرت محكمة جنح قصر النيل برئاسة القاضى محمد أبو العطا يوم السبت الموافق التاسع عشر من نوفمبر الجارى حكماً بمعاقبة نقيب الصحفيين يحيى قلاش، وجمال عبدالرحيم وخالد البلشي، عضوي المجلس، بالحبس سنتين مع الشغل، وكفالة 10 آلاف جنيه لكل منهم، لاتهامهم بإيواء «مطلوبين أمنيًا» داخل مبنى النقابة وهما الصحفيان «عمرو بدر» و«محمود السقا». وقد تمت إحالة نقيب الصحفيين وعضوي النقابة للمحاكمه بعد اقتحام قوات الامن مقر نقابة الصحفيين بشهر مايو 2016 للقبض على الصحفيين من داخل النقابة.

ويأتي هذا الحكم ضمن سلسة من الحملات القمعية التى تقوم بها السلطات ضد حرية الرأى والتعبير فى مصر. فقد أصبحت الانتهاكات الموجهة ضد الصحفيين تتزايد بصوره مطردة من جانب السلطات السياسية وأذرعتها الأمنية التى لا تقبل النقد ليس على المستوى السياسي فحسب بل حتى التعليق على الوضع الاقتصادي المتدني قد يجعل الصحفى مطارداً.

وهو ما حدث مع الحسين فؤاد المصور الصحفى بجريدة المصرى اليوم أثناء قيامه بتصوير تقرير يرصد فيه ردود فعل الأهالي بعد زيادة تعريفة الركوب بمساء الخامس من نوفمبر، في أعقاب زيادة أسعار الوقود بميدان الساعه بشرق الاسكندرية، ألقت قوات الامن القبض عليه وتم اقتياده إلى قسم شرطة أول المنتزه ،واتهم بتحريض السائقين والركاب على التظاهر يوم 11 نوفمبر، وتمت إحالته إلى النيابة فى اليوم التالى لتخلي سبيله بعد التحقيق معه بالاتهامات الموجهه له.

ولعل ما حدث لصحفى جريدة "المصرى اليوم" يمثل قدراً ضئيلاً لما يشهده العمل الصحفي من انتهاكات يومية ضد الصحفيين بمصر. فقد أصبح من المعتاد أن تقوم قوات الامن بالقبض على الصحفيين ومصادرة متعلقاتهم بالمخالفة للدستور والقانون والاتفاقيات الدولية وتوجيه إتهامات ملفقه لهم ويتم محاكمتهم على اثرها و حبسهم احتياطياً لمدد تتجاوز السنتين وهى أقصى مده للحبس الاحتياطى المقررة بالقانون المصرى. ومن هؤلاء الصحفى محمود عبد الشكور وشهرته "شوكان" وهو مصور صحفي مستقل، أُلقي القبض عليه أثناء تغطية فض اعتصام رابعة 14أغسطس 2013،محبوس احتياطياً بسجن طرة منذ ذلك الحين، والمتهم فيها بقتل وشروع فيه وتعد واحتجاز دون وجه موظفين عمومين واستعراض القوة ،وحيازة اسلحة ومفرقعات .وهى تهم تصل عقوبتها إلى الاعدام .

وقد اختارت منحه لجنة حماية الصحفيين الدولية "الجائزة الدولية لحرية الصحافة لعام 2016 "وتم اختياره لشجاعته وحريته من أجل إبلاغ مجتمعاتهم والمجتمع الدولي عن الأحداث الإخبارية المهمة من ضمن صحفيين واجهوا تهديدات وملاحقات قانونية وأحكامًا بالسجن .

وقد وثق مرصد صحفيون ضد التعذيب 18 حالة للقبض على الصحفيين خلال ادائهم عملهم أو بمناسبته و صدرت ضدهم احكام بالسجن أو ما زالوا فى ظل الحبس الاحتياطى [1]،هذا بعد قضاء الصحفى يوسف شعبان فترة عقوبته (سنة وثلاثه أشهر) محبوس انفرادياً بسجن برج العرب. وقد  سجل المرصد خلال عام 2014 ، 674 حالة انتهاك، وفى 2015 وقع أكثر من 500 انتهاكاً .

ولعلّ هذا ما جعل مصر تتذيل التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود عن الحريات الصحفية ويضم قائمة تشتمل على 180 بلداً أحتلت مصر المركز 159 عالمياً و14 عربياً، وتراجعت مركزاً عن العام الماضي.

وهذه الإنتهاكات التى يمارسها النظام وتستهدف الصحفيين أثناء أو بمناسبة أداء عملهم تخالف الدستور والقانون المصري والاعلان العالمي للحقوق الإنسان، حيث ألزم الدستور الدولة بحماية استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الاعلام مانعاً إنزال أي عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية. وقد حمى القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة استقلال الصحافة والصحفيين وقد نصت المادة 6 منه على الآتي: "الصحفيون مستقلون لا سلطان عليهم في أداء عملهم لغير القانون" . كما منحهم هذا القانون حماية أثناء تأدية عملهم موازية لحماية الموظفين العموميين حيث نص في مادته 12 على أن "كل من أهان صحفياً أو تعدى عليه بسبب عمله يعاقب بالعقوبات المقررة لإهانة الموظف العمومي أو التعدي عليه في المواد (133، 136، 137/أ) من قانون العقوبات بحسب الأحوال". وبذلك أشر القانون على أهمية الوظيفة الإجتماعية التي يؤديها الصحفي أثناء عمله.

إصدار قوانين جديدة تقيد حرية العمل الصحفى
وفى ظلّ سعي السلطة الحاكمة فى مصر للتضييق على الحريات المدنية، أصدرت قوانين جديدة تعصف بالحقوق المدنية بشكل عام. ومن هذه القوانين، قانون مكافحة الإرهاب الصادر في أغسطس 2015 بهدف محاربة أعمال العنف التي يشنّها جهاديون، لكنه يمثل أيضا أداة لقمع المعارضة وفرض قيود على الصحافة. فهذا القانون يعصف بحر ة تداول المعلومات عبر الصحف ووسائل الإعلام وشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ويبيح حجب المواقع ومعاقبة منشئيها ومستخدميها بالسجن. وعلى الرغم من خلوّ القانون من عقوبة الحبس لمن ينشر معلومات كاذبة أو ينشر أخباراً تتناقض مع الروايات الحكومية في حالة وقوع "هجمات إرهابية، إلا أنه ينصّ على غرامات باهظة لا تقلّ عن مائتي ألف جنيه وتصل إلى خمسمائة ألف جنيه. ومن المعلوم أن من شأن عجز الصحفي عن سداد الغرامة الباهظة المحكوم بها يؤدي إلى حبسه فيما يسمى بالإكراه البدني- عملاً بالمادة 511 من قانون الإجراءات الجنائية التي تقرر الإكراه بالحبس البسيط لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في حالة عدم السداد بما يعيد إمكانية حبس الصحفيين مرة أخرى.

كذلك من شأن الغرامة المبالغ فيها أن يؤدي إلى غلق صحف ووسائل إعلامية، إذ نصت المادة على أنه يكون الشخص الاعتباري مسؤولاً بالتضامن عما يحكم به من غرامات أو تعو يضات. كما منحت الفقرة الاخيرة من نص المادة للمحكمة الحق فى منع الصحفي من مزاولة مهنته لمدة  لا تزيد عن عام إذ وقع منه ما يخل بأصول مهنته، وهو ما يخالف نص المادة 34 من قانون تنظيم الصحافة التى خصت نقابة الصحفيين وحدها باختصاص تأديب الصحفيين من أعضائها.

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن قانون مكافحة الإرهاب يقرر احتكار وزارة الدفاع للمعلومات، مع عدم إلزامها بالإعلان عن الحقائقخصوصًا في ظل غياب قانون تداول المعلومات حتى الآن، وهو ما يعد عائقًا لحق المواطن في المعرفة. ولهذا بالفعل تأثير واضح، إذ إنه لم يعد من الممكن للصحفيين الإعتماد على ما يشاهدونه أو المعلومات التي يحصلون عليها من المصادر، في كتابة أي تقرير يتعلق بهجمات الجهاديين. لكن يجب عليهم الإنتظار لحين الإعلان عن الموقف الحكومي، إذا أعلن. وهذه التغييرات تجعل من الصعب بشكل خاص تغطية الأحداث في منطقة شمال سيناء المضطربة، والتي أصبحت الآن منطقة عسكرية مغلقة تخوض فيها قوات الجيش قتالاً ضد جماعة محلية مرتبطة بما يعرف بتنظيم "الدولة الإسلامية".

وقد واجه الصحفى والباحث اسماعيل الاسكندرانى المهتم بالوضع الاقتصادى والاجتماعى بسيناء هذه الاتهامات وتم حبسه احتياطياً والتحقيق معه بنيابة أمن الدولة العليا بتهمة نشر واذاعه اخبار كاذبة تتعلق بالجيش المصري أثناء تعامله مع الجماعات الارهابية بسيناء والإنتماء لجماعة إرهابية. وفي ذات الوقت الذى يعانى فيه النظام المصرى من حساسية مفرطة إزاء أي انتقادات من الداخل، فأن هناك حالة من الريبة المتزايدة والعداء تجاه الصحافة الأجنبية. حيث مثلت قضية الصحفى وباحث الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني أعنف مواجه مع الصحافة الأجنبية، حيث تم اختطافة وتعذيبه وقتله من قبل السلطات الأمنية المصرية التى نفت أى صله لها بالحادث بعد أن عثر عليه مقتولا وعلى جثمانه آثار تعذيب بالقرب من القاهرة في 3 فبراير الماضى بعد أيام من اختفائه في الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير.

وبعد اشتعال أزمة دبلوماسية بين القاهرة وروما اعترف النائب العام المصرى فى سبتمبر الماضى بأن ريجينى كان تحت مراقبة أجهزة الأمن. وأجرى جهاز الأمن الوطني المصري تحريات حول ريجيني لمدة ثلاثة أيام ثم أوقفها بعد زوال الشبهة. وكان هذا أول اعتراف رسمي من السلطات المصرية بخضوع الصحفى الإيطالى المهتم بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية للعمال، للمراقبة من قبل الأمن المصرى.

 

[1]  -  تقرير مرصد صحفين ضد التعذيب عن اسماء وهم الصفيين المحتجزين بمصر بسسب اداء اعملهم الصحفى     https://journagsttort.wordpress.com/2016/10/25/oct255/