لم تكن أخبار جبهات القتال المفتوحة في أنحاء ليبيا المختلفة كافية لتغطي على خبر جاء من جبهة أخرى مفتوحة، خارج البلاد هذه المرة. كان حكماً قضائياً بريطانياً رفض دعوى قيمتها مليار ومائتي مليون دولار أقامتها المؤسسة الليبية للاستثمار ضد بنك جولدمان ساكس. تابع الكثيرون هذه الدعوى على مدى سنتين، وعاد بعض هذا الاهتمام إلى ما كشفت عن مجريات الدعوى من قضايا فساد مثيرة، ومنها اتهام أحد موظفي البنك بتوريط بعض مسؤولي مؤسسة الإستثمار السيادية في صفقات مضمونة الفشل عن طريق الإستعانة ببائعات هوى. ولكن هذا لم يكن السبب الوحيد. فمن دواعي الإهتمام أيضا، القيمة المالية الكبيرة للدعوى في وقت تحتاج فيه البلد، في ظل انخفاض صادراتها من النفط وانخفاض سعر ما يصدر منه، إلى موارد مالية، بالإضافة، ربما، لدلالة هذه الدعوى على مستقبل دعاوى مشابهة. لهذا كانت خيبة أمل الكثيرين بخسارة الدعوى.

 

لم يكن الحكم في قضية جولدمان ساكس الإشارة الأولى على جبهة التقاضي المفتوحة، فقد سبقه قرار التحكيم في قضية الخرافي الذي أالزم ليبيا بتعويض المدعي عن منتجع شاطئ في طرابلس بمبلغ 936 مليون دولار، شكل التعويض عن فوات الربح 900 مليون دولار، واصطحب القرار بفوائد قدرها 4٪ من تاريخ القرار إلى حين تنفيذه. ويتوقع أن يتجاوز ما ستتحمله ليبيا سقف المليار دولار. وتنفيذاً للقرار، تم الحجز على طائرة القذافي الرئاسية حال وجودها في فرنسا للصيانة، وإن كان الحجز قد رفع لاحقاً تقديراً لاعتبارات تعلق الطائرة بالسيادة الليبية. نجت الطائرة، وإن كان تهديد أموال ليبيا ما زال قائما، وبقوة. أخبار هذه الجبهة، كما هي أخبار الكثير من الجبهات الأخرى، لا تحمل على التفاؤل.

 

عقد الخرافي مع ليبيا كان داخلا ضمن برنامج تنموي بدأه النظام السابق في سنواته الأخيرة. ويبلغ عدد العقود الداخلة في البرنامج التنموي المذكور 9513 عقداً، بقيمة إجمالية قدرها 96.7 مليار دينار ليبي، وفق تقرير أعدته لجنة شكلها مجلس الوزراء عام 2012 للتدقيق في مشاريع هذا البرنامج. وتشكل العقود التي تقل قيمة واحدها عن مليون دينار غالبية العقود (71٪) ويعود معظمها إلى شركات وطنية (98٪). خلافاً لذلك، تنصرف غالبية العقود التي تتجاوز قيمتها 200 مليون دينار إلى شركات أجنبية بقيمة 36.9 مليار دينار، في حين تعود البقية إلى شركات مشتركة بقيمة 10.3 مليار دينار، وشركات وطنية بقيمة 9 مليار دينار. وعليه، يحتمل أن تكون قضية الخرافي واحدة من قضايا أخرى كثيرة محتملة. ويخشى إذا استمرت الأوضاع الحالية أن يكون مآل هذه القضايا مشابها لمآل دعوى الخرافي.

 

وكما يبدو من هذا التقرير، فإن المشكلة الحقيقية ليست في العقود المبرمة مع الشركات الوطنية. فعلاوة عن ضآلة قيمتها، تعد هذه العقود عقوداً إدارية. وهذا يعني خضوعها للقانون والقضاء الليبيين. ذلك أنها عقود إدارية يعني تمتع الدولة الليبية بمركز تعاقدي متميز وسلطات استثنائية تميز هذا النوع من العقود. خلافا لذلك، تعد العقود المبرمة مع الشركات الأجنبية مرتفعة القيمة، وتتضمن عادة شروطاً تكفل توازناً في المراكز التعاقدية بين الدولة الليبية وهذه الشركات. وهذا ما ينفي الطابع الإداري عن هذه العقود. ليس هذا فقط. بعض هذه العقود يتبنى نظاماً قانونياً يستبعد الكثير من أحكام القانون الليبي، مثل نظام عقود الفيديك، والكثير منها ينص على التحكيم سبيلاً لحل المنازعات الناشئة عنها، ويستعبد بالتالي اختصاص القضاء.

 

ولهذه الفروقات أهميتها في معالجة ما ينشأ عن هذه العقود من نزاعات. على سبيل المثال، تُكيف ثورة فبراير من الناحية القانونية على أنها قوة قاهرة. فهي حدث استحال توقعه واستحال تفادي أثره المتمثل في جعل تنفيذ العقد مستحيلاً. ويترتب على هذا التكييف وقف تنفيذ العقود إلى حين ارتفاع استحالة التنفيذ، وهذا يتم بقوة القانون، أي من دون حاجة إلى اتخاذ أي إجراء من جانب المتعاقدين. وهذا يعني بالتالي عدم مسؤولية الدولة الليبية والمتعاقدين معها عما قد ينشأ عن عدم التنفيذ من أضرار. ولا يتصور الخروج عن هذه الأحكام في العقود المبرمة مع الشركات الوطنية لخضوعها للائحة العقود الإدارية. كما يكفل خضوع النزاعات الناشئة عن هذه العقود للقضاء الإداري حماية مركز الدولة. ولكن هذا لا يصدق دائماً في شأن العقود المبرمة مع شركات أجنبية. فهي أولا ليست إدارية الطابع، وهي تخضع للقانون المدني، وهذا الأخير لا يرى في القواعد المنظمة للقوة القاهرة قواعد آمرة، ويتيح للمتعاقدين، بالتالي، مكنة الاتفاق على مخالفتها. وهذا يعني أن لهم، على سبيل المثال، اشتراط توجيه إخطار خلال فترة محددة من وقوع القوة القاهرة للاحتجاج بها، ويرتب على عدم توجيهه سقوط الحق في التمسك بها، وقد حدث بالفعل أن تم التمسك بهذا الدفع في مواجهة الدولة الليبية.

 

ولا تنحصر مشكلات ليبيا في العقود الداخلة في البرنامج التنموي. فعقودها الأخرى مرشحة أيضاً لأن تكون موضوعاً لنزاعات قضائية. والمثال الأبرز على ذلك الدعاوى المقامة ضد المؤسسة الوطنية للنفط وشركاتها. كما أن إثارة هذه المشكلات لا يقتصر على الطرف الأجنبي. ففي حالات عديدة، كانت ليبيا هي المبادر إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد هذا الطرف، وإن لم يكن حظها، كما يدلنا مثال قضيتها ضد جولدمان ساكس، أوفر. وتثير هذه الدعاوى الأخيرة مسألة تتعلق بجذور المشكلة، وهي أنّ العديد من العقود التي أبرمت في السنوات الأخيرة من عمر النظام السابق قد صاحبتها ممارسات فساد. فقد كان هناك ادعاء بأن جولدمان ساكس قد استغل ضحالة معرفة الطرف الليبي، واستخدم وسائل لا أخلاقية للحصول على عقود من المؤسسة. وهذا يثير التساؤل ليس فقط عن مدى إمكانية المطالبة بتعويضات، كما هو الحال في قضية جولدمان ساكس، ولكن أيضاً عن مدى إمكانية إعادة النظر في العقود على افتراض أنها لا زالت سارية. كان هذا تحديداً ما قامت به الشركة الليبية العامة للنقل البحري بإنهائها عقداً مع شركة "أس تي أكس" الفرنسية لبناء سفينة نقل ركاب سياحية أبرم إبان عهد النظام السابق. وجليٌ أن سلوك هذا الطريق ليس بالأمر السهل قانوناً وخصوصا بالنسبة للعقود المبرمة مع شركات أجنبي. ومصداق هذا أن قرارا صدر عن محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية، تأيد لاحقاً، وألزم الشركة الليبية بدفع تعويض قدره 14 مليون دولار عن إنهاء العقد.

 

وتثير الدعاوى المقامة من الدولة الليبية أو ضدها مسألة أخرى تتعلق بإدارة هذه الدعاوى. في تقريرها آنف الذكر، وفي إشارة تنم عن استشراف هذه المشكلة، أوصت اللجنة المشكلة عام 2012 لمراجعة عقود البرنامج التنموي بأن يتم "توحيد الموقف الرسمي للدولة بما يكفل تجنب التضارب في شأن تبعية عقود البرنامج التنموي وتأكيد استمرار تبعيتها للأجهزة القائمة"، وأن يتم أيضاً "توحيد المواقف والإجراءات المتخذة من قبل الوزارات وغيرها من الجهات المالكة خصوصا في تعاملها مع الشركات المنفذة العالمية وحكوماتها وتصريحاتها بخصوص مشروعات البرنامج التنموي"، وأن تخاطب "القطاعات المالكة ومن خلالها الجهات المتعاقدة (نيابة عنها – إن وجدت) بضرورة توحيد الردود على الشركات المطالبة بالتعويضات وسرعة الرد عليها." ولكن ما حدث لاحقاً كان خلاف ذلك تماماً. فقد نشأت، نتيجة الإنقسام السياسي، ثنائية، ولاحقاً ثلاثية، في وزارات الدولة ومؤسساتها. فبدلاً عن مؤسسة ليبية للاستثمار وأخرى للنفط، على سبيل المثال، غدت هناك مؤسسات متعددة.

 

وقد ألحق هذا أضراراً كبيرة بمركز الدولة الليبية في ساحات التقاضي والتحكيم المختلفة. فمحاموها لم يعودوا ملزمين فقط بإثبات صحة دعاويها، ولكن أيضاً صحة تمثيلهم لها. وفي مثال بارز على هذا الضرر، رفضت محكمة أمستردام دعوى تعلقت بطلب إعفاء شركة دارت حولها شبهات جنائية من إدارة أصول استثمارية للمؤسسة الليبية للاستثمار بلغت قيمتها 700 مليون دولار. عللت المحكمة رفضها بأنه من غير الواضح إذا ما كان الإعفاء قد صدر عن أشخاص مخولين بإجراءه، وهي بهذا تشير إلى ثنائية مجالس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار التي طرحت أثناء نظر الدعوى.

 

في هذا الصدد، يبدو الإعلان عن توحيد المؤسسة الليبية للاستثمار باعثاً على التفاؤل. وفي ذات السياق، وعلى نحو أكثر جدية، يأتي الإعلان عن توحيد المؤسسة الوطنية للنفط، فهذا الأخير قد اصطحب بإجراءات عملية انتهت إلى استئناف تصدير النفط. ولكن هذه الخطوات، على أهميتها، ليست كافية. فهناك تساؤل حقيقي عن جدية بعضها، فمؤسستا الاستثمار الموازيتان في الشرق والغرب اتفقتا، هذه المرة، على دحض خبر التوحيد وشككتا في صفة القائمين به. وبالنسبة للمؤسسة الوطنية للنفط، لم تزل التصريحات المتناقضة تطرأ بخصوص مآل عائدات التصدير. وهذا مؤشر على أن الطريق لم يزل طويلاً أمام توحيد كافة مؤسسات الدولة الليبية بمختلف مستوياتها، وهي خطوة أولية لأي معالجة جادة لدعاواها الحاضرة والمستقبلة داخل البلاد وخارجها. ينبغي بعدئذ إجراء مراجعة شاملة لهذه الدعاوى بهدف تقويمها، ومعالجة أسبابها، فالدعاوى المقامة من الشركاء الأجانب بخصوص العقود المتعلقة بالبرنامج التنموي، على سبيل المثال، قد تعالج خارج ساحات التقاضي على نحو يكفل عودة هؤلاء لإتمام تنفيذ هذه العقود وفق شروط جديدة تكفل إسهامها في إعادة إعمار ليبيا.

 

نشر هذا المقال في العدد 6 من مجلة المفكرة القانونية في تونس