أعلنت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات يوم 14-11-2016 النتائج النهائية لأول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء في ظل الجمهورية الثانية. وبذلك، تمّت عملية إرساء المجلس الأعلى للقضاء، المؤسسة التي تركّز حولها الحراك القضائي التونسي قبل الثورة ومن بعدها. ومع هذا الإعلان، تنتهي ولاية المجلس الأعلى للقضاء الإداري والمجلس الأعلى للقضاء المالي والهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. وفيما يشترك المجلسان الإداري والمالي المنحلان في كونهما مؤسستين موروثتين عن حقبة ما قبل الثورة، شكلت في المقابل الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي إحدى أبرز مؤسسات الحقبة الديمقراطية. فعدا عن أنها تولّت بتركيبتها المكونة من قضاة وغير القضاة إدارة المسارات المهنية للقضاة العدليين، تولّت أيضاً مهمة إبداء رأيها في مجمل مشاريع القوانين التي تهم القضاء. وعليه، يأتي المجلس الأعلى للقضاء المكون في ثلثيه من القضاة وفي ثلثه المتبقي من غير القضاة  كإمتداد في تصوّراته للهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. ويؤدي تصور العلاقة التواصلية بين المؤسستين المتولدتين عن الثورة إلى طرح السؤال حول ما يطلب من الخلف في تعامله مع تركة السلف من استدامة للفعل الايجابي وبحث عن تجاوز النقائص.

 

إنجازات الهيئة

 

تتداول الأوساط القضائية من حين لآخر أخبارا عن خلافات بين أعضاء الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي. ولكن أثر تلك الخلافات كان ينتهي دوما عند التسريبات ولا يبرز له أثر في أعمال الهيئة. ويظهر هذا الأمر نموذجاً فريداً لعمل المؤسسات المستقلة التونسية حيث تؤدي عادة الخلافات بين الأعضاء إلى الاستقالات والخصومات في ساحة الإعلام والقضاء. تجاوز أعضاء الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي في عملهم تصنيفاتهم التي كانت تشغل من ينظرون للهيئة من الخارج، فالتحم القضاة بغير القضاة والمعينون بحكم صفاتهم بالمنتخبين، وقبل جميعهم بالاشتراك في بناء يدار ديمقراطيا بما آل لنجاحهم حيث فشل آخرون كثر. ويؤمل أن ينجح أعضاء المجلس الأعلى للقضاء في الإستفادة من هذه الخبرة. وتبدو مهمتهم في هذا المجال أعسر باعتبار تطور تعداد الكتل ولكنها مهمة أساسية ودونها يبقى عملهم معرضاً للفشل.

 

في جانب متصل يتعلق بالنجاحات، توصلت الهيئة في عملها إلى فرض قراءة ديمقراطية للنصوص التي تضبط عملها بما حسن من شروط استقلاليتها. وقد برز ذلك على صعيدين:

  • أولهما تعلّق بالترشيحات للمناصب القضائية السامية. فإذ منح القانون الأساسي بالإستناد إلى الفصل 17 من الدستور المؤقت لرئيس الحكومة صلاحية التسمية في الخطط القضائية العليا بناء على ترشيح من الهيئة من دون تحديد دلالة مصطلح الترشيح، فرضت الهيئة في تصور لدورها إجراء مناظرة بين من يترشحون لشغل هذه الخطط تعلن في ختامها من حاز بثقة أغلبية أعضاء الهيئة في تصويت سري. وقد أدى ذلك لأن استحال مدلول الترشيح تقديم إسم مرشح فقط لرئاسة الحكومة. ويلحظ أن الفصل 106 من الدستور التونسي منح رئيس الجمهورية صلاحية التعيين في المناصب القضائية العليا بعد التشاور مع رئيس الحكومة وبناء على ترشيح حصري من المجلس الأعلى للقضاء، وهذا ما تأكد بموجب الفصل 42 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى. ويرتقب في ظل بحث رئاسة الجمهورية عن سبل تدعيم صلاحياتها أنها ستسعى لفرض تأويل للنص القانوني يمكنها من الاختيار بين مترشحين متعددين. ويؤمل أن تنجح الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء في البناء على تجربة الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي لتفرض قراءة استقلاليّة لما هو غامض في نص القانون. ولن يتحقّق ذلك إلا اذا تمّ السير على ذات خطى الهيئة في اعتماد المناظرة الشفافة في اختيار من يتم ترشيحهم لشغل تلك المناصب بما يؤول بالضرورة لفرض التأويل الديموقراطي لمفهوم الترشيح الحصري. وذات التمثل بالهيئة يؤمل أن يبرز في إطار ممارسة دور إبداء الرأي.
  • أما الأمر الثاني، فتعلّق بتصور الدور الإستشاريّ للهيئة في خصوص القوانين التي تتعلق بالقضاء. فإذ حاولت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب بمناسبة نظر قانون المجلس الأعلى للقضاء ومن قبله قانون مكافحة الارهاب أن تحول دورها الإستشاري إلى إجراء شكلي، تصدّت الهيئة لهذا التوجّه وأصدرت عدداً من المواقف والقرارات أكدت صلبها أن استشارتها إجراء أساسي الغاية منها الاستنارة برأيها.انتهت مقاومة الهيئة لأن بات لرأيها الإستشاري أهمية خاصة. ويذكر هنا أن مقترح قانون إحداث محاكم خاصة لقضايا شهداء وجرحى الثورة الذي تداول فيه أعضاء المجلس الوطني التأسيسي تم إسقاطه بعد أن صرحت الهيئة في رأيها الاستشاري أنه مقترح قانون لا دستوري. كما يذكر أن الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين أعلنت أن تجاوز استشارة هيئة القضاء العدلي في مشاريع القوانين المتصلة بالقضاء يشكل ليس فقط مخالفة قانونية، إنما أيضاً مخالفة دستورية من شأنها إعلان عدم دستورية إقرار المشروع. وتبدو بالتالي الهيئة في نضالها من أجل فرض وجودها وفي صلابتها الداخلية نموذجاً إيجابياً.

 

المجلس الأعلى للقضاء وتجنّب تكرار الفشل

 

اجتهدت الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي في بحثها عن صياغة قواعد موضوعية للمناقلات القضائية. ولكنها انتهت في هذا المجال لأن تكون سلطة مارقة ترفض الإمتثال لقرارات القضاء الإداري الذي إذن بإيقاف تنفيذ عدد من مقرراتها لم تلتزم بتلك القواعد، وخصوصاً بقاعدة عدم جواز نقل القاضي إلا برضاه. وينهض على المجلس الأعلى للقضاء وخصوصا في مكونه، مجلس القضاء العدلي، الوقوف عند هذه التجربة بحثاً عن موطن الخلل وطلبا للإصلاح.

 

كما يذكر أن الهيئة لم تتقدم طيلة فترة عملها بأي مقترح قانون بهدف إصلاح شؤون القضاء. كما لم تتقدم بأي مقترح يصلح الأوامر التي تنظم إسناد الخطط القضائية. وينتظر من المجلس الأعلى للقضاء أن يتجاوز هذه النقيصة ليكون مصدرا لتصورات تشريعية وترتيبية تصلح القضاء. وقد تكون مدونة السلوك القضائي التي يفرض عليه القانون صياغتها أول تجربة ستكشف عن توجهات هذا المجلس. ويؤمل أن ينجح فيها في فرض تصور للوظيفة القضائية يكرس الفكر الديموقراطي ويؤمن بحقوق القضاة وحرياتهم دون تفريط في ضوابط عملهم.

 

كما يؤمل من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أن يتجاوزوا بسرعة قصوى خلافاتهم التي تولّدت عن النزاعات الإنتخابية ليبحثوا عن المشترك بينهم والذي يجب أن يكون ذاك الحلم ببناء سلطة قضائية مستقلة. كما يؤمل من المجلس الأعلى للقضاء أن يستثمر في موروث الهيئة الوقتية للقضاء العدلي بحثا  عن التواصل كما التجاوز.

 

نشر هذا المقال في العدد 6 من مجلة المفكرة القانونية في تونس

 

سامر غمرون - ذكرى مختار اليحياوي (١٩٥٢-٢٠١٥): ماذا علمتنا تجربة القاضي التونسي المقاوم؟   -المفكرة القانونية تونس العدد الخامس . جوان 2016