خرج القضاء في تونس من المؤقت الى الدائم: من الهيئة الوقتية للقضاء العدلي إلى المجلس الأعلى للقضاء، الجامع هذه المرة لمختلف أصناف القضاء، رغم الولادة العسيرة. هو عنوان مرحلة جديدة. لقد فهم القضاة وغير القضاة من الممثلين في المجلس ذلك على أحسن وجه، فأقبلوا  بكثافة على الانتخابات ترشحاً واقتراعاً. ولعلّ عدد الترشحات لدى القضاة خاصة فاق كل التوقعات اذ ترشح للمجالس الثلاثة 113 قاضيا لملء 18 مقعداً.

إقبال كبير من القضاة على انتخابات المجلس ترشحاً وتصويتاً، لماذا؟
لقد خاضت الهيئة الوقتية للقضاء العدلي معترك بناء السلطة القضائية عبر حماية المسار المهني للقاضي من تدخل السلطة التنفيذية ونجحت في ذلك. فهي لم تكتفِ بظاهر النصوص وافتكت  التسميات بمركز الدراسات والمعهد الأعلى للقضاء رغم تشبث السلطة التنفيذية بهما. كما ربحت معركة الترشيح الحصري  لكبار القضاة في الوظائف القضائية السامية وقارعت بقية السلط وكانت سندا من خلال آرائها الاستشارية للهيئة الوقتية لمراقبة  دستورية مشاريع  القوانين  ولم تتوان في الإصداع بمواقف جريئة عامة مثل اضطلاعها بواجبها في الكشف عن الخروقات الدستورية والقانونية في المسار الصعب للمصادقة على مشروع قانون المجلس. لقد شارك هذا النجاح النسبي للهيئة في تعزيز الشعور لدى القضاة بقيمة العمل المؤسسي الذي من دونه لا يمكن بناء سلطة قضائية مستقلة[1].

كما أن هذا الإقبال الذي دفعت إليه بحماس الهياكل التمثيلية يبرره بعد كل الاحترازات التي عبر عنها القضاة شعورهم بأن الترشح والتصويت يمثلان نوعا من الإلتزام بمنطق القانون وما يستتبعانه من المشاركة في تركيز المؤسسات ومنها مجلس القضاء. فباستثناء بعض الأصوات النادرة التي رأت أن تركيبة المجلس لا تتماشى مع مستلزمات السلطة القضائية[2]، ساد في الأوساط القضائية خطاب متزّن يرى كل مساوئ الكرسي الشاغر.

يذكر أيضاً عدم  صدور أي احتراز من أي نوع كان على المشاركة في انتخابات المجلس من أي هيكل نقابي قضائي، بخلاف ما كان عليه الأمر في انتخابات  الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي حيث تغيب المكتب التنفيذي لنقابة القضاة عنها.

فضلا عن ذلك، قد يكون وراء هذا الإقبال الكبير على الترشح أسباب أخرى، منها تعدّد التمثيل النقابي لدى القضاة. فقد كشفتْ جمعية القضاة عبر مجلسها الوطني المنعقد في 25 - 09  ونقابة القضاة من خلال تصريح صحفي لرئيسها[3] عن دعم أسماء بعينها. تُضاف الى ذلك بلا شك عوامل ترتبط بتعطّش القضاة إلى خوض تجربة التمثيل القضائي خارج الأطر النقابية التي قد لا تحقق لدى الكثيرين الإحساس بمنطق السلطة. ومن المنتظر أن المجلس المنتخب انتخابا حرا ونزيها وصاحب الإختصاص لإدارة شؤون القضاء سيحظى بشرعية تمثيل القضاة بجميع رتبهم وتوجّهاتهم وسيفتك تاليّاً بدرجة أو بأخرى بالوزن الاعتباري الذي كان للهياكل قبل إنشائه. وعليه، قد ينحسر دور هذه الهياكل النقابية في مراقبة عمل المجلس الأعلى للقضاء، بعدما كانت المعبّر الوحيد عن إرادة القضاة وإحدى أهم الضمانات إزاء تغول النظام في القضاء ومجلسه.

وقد يكون لمبدا التناصف بين القضاة والقاضيات المتضمن في الدستور و في القانون الأساسي للمجلس وفي بيان هيئة الانتخابات بتاريخ 10 – 08  أيضا تأثير على مدى اقبال الجسم القضائي من النساء على هذه الانتخابات. فقد ترشّحت  45 قاضية للمجالس الثلاثة من جملة  113 ترشحا. وهو ما سيستتبع مشاركة مهمة أيضا للقاضيات في الانتخابات. يضاف إلى ذلك اعتبار ثانوي قد يكون ذا قيمة وهو الامتيازات المادية التي يوفرها المجلس لأعضائه.

إلا أن بعض الترشحات لا يفسرها غير أغراض شخصية. فهي من قبيل تسجيل الحضور لا أكثر أو هي تخفي رغبة مستحيلة لمحو آثار تجربة نقابية سابقة قادت الى مآزق معروفة ممن لم يتعودوا الانسحاب في الوقت المناسب.

إن كثرة هذه الترشحات بقدر ما هي إيجابية، بقدر ما تعكس من جهة أخرى عدم نضج البعض منها بالقدر الكافي. فهي في الواقع ليست إلا ترشحات شكلية، صدرت عن قضاة مغمورين لا تجربة لهم في التمثيل النقابي ولا إشعاع لهم على مستوى الإنتاج الفكري أو المراكز القضائية. وهي بذلك تؤدي الى تضخيم قائمة المترشحين وبالتالي الى نوع من ضبابية الرؤية وصعوبة الاختيار لدى الناخبين الشبان خاصة. وبشكل عام، قد يؤدي هذا التضخّم الى استبعاد أسماء قد تكون الأكثر جدارة  بالمقارنة مع غيرها، والإتجاه صوب الشخصيات المعروفة  بشكل ذاتي قد لا يتجاوز الانتساب الى نفس المحكمة أو تلك المدعومة  من قبل الهياكل النقابية والمتمرسة بالعمل الدعائي وبالحملات الانتخابية مما يمكنها من نوع من الشعبية والحضور أو تلك التي سبق لها عضوية الهيئة الوقتية (ترشح عضوان من الهيئة القديمة) والتي تستند في برامجها وتصوراتها إلى منطق استمرارية التجربة واستثمار الخبرة.

المحامون وانتخابات المجلس: المحاماة شريكة في إقامة العدل
بخلاف القضاة الذين واجهوا مشروع قانون المجلس إبان المصادقة عليه من قبل مجلس نواب الشعب في مراحله المختلفة، رحبت هيئة المحامين بمشروع القانون منذ إحالته على لجنة التشريع العام ثم الجلسة العامة الأولى. والتزمت الهيئة خطاباً مفاده أن المحاماة  شريكة في إقامة العدل وأن المجلس ليس مجلسا للقضاة بل هو مجلس للقضاء. وقد اعتبرت في بيان صادر بتاريخ 26– 05 - 2015 "أن ردود الأفعال من بعض الجهات القضائية من مشروع القانون اتسم أغلبها بالتشنّج وغياب الموضوعية". كما رأت الهيئة أن الطعن الذي مارسه ثلاثون نائبا على مشروع قانون المجلس "ارتكز على تركيبة الثلث المستقل وانبنى على هجوم واضح على المحاماة في محاولة لتجاهل دورها الأساسي المتمثل في شراكتها في إقامة العدل". وعليه، فترشح المحامين بكثافة للمجالس الثلاثة  38)محاميا لملء 8 مقاعد) جاء ضمن هذه الرؤية التي دفعت منذ البداية إلى الحضور المكثف للمحامين صلب المجلس. ولكن بخلاف جمعية القضاة ونقابة القضاة اللتين فضلتا رغم الطابع الفردي للترشحات الدخول إلى الانتخابات بقوائم أعدتها، فإن الهيئة أعلنت رسميا على الأقل ومنذ البداية أن ترشحات المحامين ستتم بصفة فردية وأنه ليس للهيئة أي دخل فيها. كما اعتبر عميد المحامين السابق محمد الفاضل محفوظ في تصريح صحفي[4] أن دور الهيئة سيقتصر على التنسيق مع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وهو تنسيق يندرج ضمن إعداد القوائم الانتخابية. واعتبر العميد السابق "أن اشراف هيئة الانتخابات على تنظيم انتخابات المحامين الذين سيتولون عضوية المجلس ضمانة لكي تكون الترشحات موضوعية". والجدير بالذكر في هذا المجال أنه بخلاف القضاة، لا يحمل على المحامين أي حياد سياسي وأنه عموما تشق انتخابات هياكل المحاماة  انتماءات وتحالفات سياسية تنعكس على تركيبة مجلس الهيئة نفسه بما يستحيل معه دعم أية قائمة من الهيئة دون إثارة نزاعات داخل قواعد المحاماة  وهو ما يجعل أي إعلان عن قائمة مدعومة أمراً محرجاً.

الجامعيون: من قلة الإقبال إلى العزوف التام
ترشح إلى المجالس الثلاثة 5 أساتذة جامعيين منهم ثلاثة كانوا أعضاء في الهيئة الوقتية: إثنان للقضاء العدلي من أجل مقعد واحد وثلاثة  للقضاء الإداري من أجل مقعدين ولم يترشح أي جامعي للقضاء المالي. وهو ما سيستدعي اجراء انتخابات جزئية في هذا المجلس الأخير. ويبدو الأمر محيرا في ظل العدد الكبير لكليات الحقوق في تونس وفتح باب الترشح أمام الرتب الدنيا في التعليم العالي مثل المساعدين والأساتذة المساعدين في القضاء الإداري. وبشكل عام يمثل القطاع الجامعي الحلقة الأضعف في هذا الصراع المثير حول احتلال مكان صلب المجلس الأعلى للقضاء[5]. فكأنما لا أحد من الهياكل الجامعية العلمية الممثلة في المجالس العلمية لكليات الحقوق أو النقابية المتمثلة في الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي معنيّ بهذه العضوية ولا مدافع عن السلطة العلمية الجامعية صلب المجلس.

ومهما يكن، فإن الاقبال على هذه التجربة الأولى لمجلس قضاء منتخب في أغلب اعضائه ومتمتع بكثير من دعائم الاستقلالية من قبل القضاة والمحامين ومن غيرهم من المنتسبين إلى القطاعات الأخرى الممثلة في المجلس وخاصة من الخبراء المحاسبين الذين ترشح منهم للمجلس المالي 19 محاسبا من أجل مقعدين يبشر بعهد جديد رغم كل ما قيل ويقال حول محدودية صلاحاياته أو استجابته من عدمه  للشروط الدستورية لاستقلالية السلطة القضائية.

 

[1]  يراجع تقييم عضو الهيئة يوسف بوزاخر لمسارها المنشور على صفحته وتقييم عضوة الهيئة ليلى الزين، "صمود الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في تونس رغم محاولات التهميش: نجاح يجب ان يذكر عند تقييم التجربة"، موقع المفكرة القانونية، 24-5-2015.
[2]  بيان مرصد استقلال القضاء الشروق 29- 09 – 2016.  
[3]  نفس المرجع
[4]  تصريح العميد لجريدة الصباح، 26–05- 2016.
[5]  للكاتب، " لا مكان للجامعيين في مجلس القضاء العدلي في تونس: لماذا؟، موقع المفكرة القانونية، 28-05- 2015.