أجريت يوم 23-10-2016 أول انتخابات للمجلس الأعلى للقضاء التونسي وصرحت  مساء ذات اليوم الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات التي أشرفت على تنظيم الحدث الإنتخابي بنتائجها الأولية. وقد أكدت تلك النتائج نجاح الحدث الإنتخابي. هذا النجاح لم يمنع منازعة شقّ من القضاة والمحامين ممن شاركوا في المنازلة الإنتخابية في نتائجها.

العملية الإنتخابية: نجاح هام رغم مؤشرات سلبية تستحق المعالجة
غطى حسن تنظيم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لعملية الإقتراع التي دارت بشكل متزامن في 13 مركز إقتراع موزعة على تراب الجمهورية التونسية، على إخفاقها المتمثل في اعتماد تاريخ ضبط للقائمة النهائية للناخبين (2-9-2016) غير متلائم مع خصوصيات الحركة القضائية للقضاء العدلي. وكان اعتماد هذا التاريخ كتاريخ نهائي لضبط قوائم الناخبين أدى إلى أن عدداً من القضاة العدليين ممن شملتهم الحركة القضائية لسنة 2016-2017 بالترقية من رتبة لأخرى، تعيّن عليهم أن ينتخبوا بغير الرتبة التي ينتمون لها يوم الإنتخابات. كما أدى هذا الأمر لأن يكون بعض من ترشح منهم للإنتخابات مرشحا على رتبة لا ينتمي لها. وزاد في فوضى المشهد أن الهيئة تولت بشكل تلقائي تسوية بعض حالات من المترشحين والناخبين دون أن تنتهي لتسوية كل الحالات الإشكالية. تجاوزت الهيئة فشلها هذا سريعا يوم الانتخابات، فنجحت في إدارة عملية انتخابية تميزت بالشفافية. وقد تعزز نجاحها التقني هذا بفضل الأجواء الإنتخابية التي غابت عنها المشاحنات القطاعية وحضر فيها الإحتفاء والإحتفال باللقاء بين مختلف مكونات الأسرة القضائية. بلغت نسبة المشاركة العامة في الإنتخابات 46.91 بالمائة. وتفاوتت هذه النسبة بين الفئات المهنية المعنية بانتخابات المجلس الأعلى للقضاء[1]. وباستثناء المحامين الذين سجلوا نسبة عزوف عالية (62،95%)، سجلت مختلف مكونات المجلس الأخرى أرقاماً عالية نسبياً. فقد بلغت نسبة المشاركة القضاة 75,18% بفعل أنهم يمثلون المكون الرئيسي للمجلس. أما نسبة مشاركة عدول التنفيذ في الإنتخابات فبلغت 53% من جملة الناخبين رغم أنهم يتمثّلون بمقعد واحد بالمجلس. وبلغت النسبة مشاركة الخبراء المحاسبين قرابة 51% رغم أنهم يتمثلون فقط بمقعدين في المجلس الأعلى للقضاء المالي. أما نسبة مشاركة الأساتذة الجامعيين فهي الأخرى كانت هامة (حوالي 48%) باعتبار غياب التنافس على المقاعد المخصّصة لهم لعزوفهم نسبياً عن الترشح لعضوية المجلس الأعلى للقضاء.

ومن أهم الملاحظات على نسب المشاركة، الآتية:

  • يُؤشر بداية إقبال القضاة الكثيف على الأهمية التي يعلقونها في المشاركة في انتخاب ممثلين لهم في المجلس الأعلى للقضاء. وقد أشّرت كثافة مشاركة القضاة في العملية الإنتخابية على كون دعوات مقاطعتها التي تداولها بعض القضاة في مواقع التواصل الاجتماعي لم يكُنْ لها تأثير معتبر في تحديد موقفهم من العملية الإنتخابية.
  • أن الإقبال الهام لسائر مكونات المجلس باستثناء المحامين على المشاركة في الإنتخابات يضفي مشروعية على تمثيل هؤلاء في المجلس ويدحض آراء الرافضين سابقاً لهذا التمثيل، ومنهم القضاة الذين كانوا يعارضون مشاركة سواهم في المجلس بدعوى أنّه مجلسهم والمحامين الذين كانوا يظنّون أنّهم وحدهم من غير القضاة المعنيّون بالشأن القضائي،
  • أن النسبة الحدث تتمثل في ارتفاع نسبة عزوف المحامين عن المشاركة في الإنتخابات. وكانت الهيئة الوطنية للمحامين دخلت سنة 2015 في صراع مع هياكل القضاة لفرض حق المحامين في التواجد بالمجلس الأعلى للقضاء وتوصّلت الهيئة في خاتمة هذه المواجهة لفرض تمثيلية بثمانية مقاعد للمحامين في المجلس الأعلى للقضاء. ويؤشر بالتالي تدنّي نسبة المشاركة إلى أن عموم المحامين لا يشاركون بالضرورة نخبهم إهتمامهم بالمجلس الأعلى للقضاء. ويخشى مستقبلا أن تتطور ظاهرة العزوف الإنتخابي لدى المحامين بما قد يؤدي لأن ينحصر الإهتمام بانتخابات المجلس الأعلى للقضاء في صفوفهم  ترشحا فيمن يسعون لاستثمار العضوية بالمجلس للوجاهة الإجتماعية ومصالحهم الخاصة وانتخابا فيمن يوالونهم أو يرتبطون به مصلحيا. وينتظر في هذا الإطار من الهيئة الوطنية للمحامين أن تعمل على معالجة الظاهرة في بدايتها من خلال بذل جهود لتطوير الشعور العام لدى عموم المحامين بأهمية الدور الذي يلعبه المجلس الأعلى للقضاء في إصلاح القضاء عموما وبتأثير هذا الدور على مسارات التقاضي وتاليا على نشاطهم المهني.

نتائج انتخابات المجلس الأعلى للقضاء منازعات مقلقة
لم تكن شفافية العملية الانتخابية محل سؤال من المهتمين بالشأن القضائي. ولكن نتائج انتخابات المجلس الاعلى للقضاء العدلي والتي كانت في جانب منها مفاجئة فرضت جدلا كان مصدره جانب من القضاة فيما تعلق بنتائج انتخابات الرتبة الثالثة وعدد من المحامين فيما تعلق باعتماد مبدأ التناصف في الإنتخابات.

انتخابات القضاة: شبح 2005
اختارت جمعية القضاة التونسيين أن  يكون مرشحوها لانتخابات المجلس الأعلى للقضاء رئيستها الشرفية كلثوم كنو وعضو مكتبها التنفيذي السابق محمد الخليفي. وخلافا لتوقعات الجمعية، لم ينجح مرشحاها في الفوز بالمقعدين المخصصين لصنفهما بما شكل خسارة إنتخابية هامة لرموزها. عمق الإحساس بهذه النكسة الإنتخابية في صفوف أنصار جمعية القضاة فوز القاضي خالد عباس الذي تتهمه الجمعية بأنه من دبّر الإنقلاب على مكتبها الشرعي سنة 2005 بأحد المقعدين. سارعت جمعية القضاة التونسيين لإعلان قبولها بنتائج الإنتخابات وإن كانت تستنكر "إنتخاب من وصفته بانقلابي في أول مجلس أعلى للقضاء". وأياً كان منتهى تحليل أسباب الزلزال الإنتخابي، فإنّ ما آلت إليه الإنتخابات يفرض نهاية ارتهان القضاة لماضي صراعاتهم. ويؤدي  هذا في مخرجاته المستقبلية لمشاركة كل مكونات مشهدهم من دون تحفّظ في صراع مستقبلهم مع الإعتراف باختلاف تصوراتهم للقضاء. ويبدو هذا أمرا منطقيا بالنظر لكون المشرع اختار في صياغته للقانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء وقوانين الإنتخابات عموما عدم اعتماد فكرة العزل السياسي.

المناصفة الانتخابية: هل تحول من تمييز إيجابي إلى تمييز سلبي؟
ترشح لعضوية المجلس الأعلى للقضاء بمجالسه الثلاثة عدد من المحامين الذين يعدّون في مصطلح المهنة من شيوخ المحاماة أي من المحامين البارزين، وكان منهم عميد المحامين السابق الأستاذ عبد الجليل بوراوي. لم تستجب نتائج الإنتخابات فيما تعلق بفئة المحامين لحسابات الحظوظ الإنتخابية وأدت لفوز ستّ محاميات بعضوية المجلس عن المحامين من جملة المقاعد الثمانية المخصصة لهم ولسقوط عدد من الأسماء البارزة في المحاماة والساحة العامة في المنازلة الانتخابية. عزا جانبٌ من المحامين هذا المآل الإنتخابي لقاعدة التناصف التي اتّهموها بفرض تمييز جندري أضرّ بحسن تمثيل المحامين بالمجلس الأعلى للقضاء. فأصل الإشكال يعود حسبهم لاختيارات السلطة التشريعية التي فرضت أن تكون قواعد انتخابات المجلس الأعلى للقضاء أول خطوة تتخذها لتطبيق مقتضيات الفصل 46 من الدستور الذي فرض على الدولة  السعي لتحقيق التناصف في المجالس المنتخبة. فأوجبت بحكم  الفصل 26 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء على الناخبين إعتماد قاعدة المناصفة بين الجنسين في الإنتخابات، ورتبت جزاء الإلغاء على كل ورقة انتخابية لا تحترم هذا المبدأ. ويذكر هؤلاء تأييداً لاعتراضهم أن 9 محاميات فقط من جملة 39 محامياً مترشحاً ترشحن لانتخابات المجالس الأعلى للقضاء العدلي والإداري والمالي، وأن عدداً منهن لا يتمتعن بشهرة كبيرة في وسطهن المهني. نقل المحتجون مؤاخذتهم لساحة القضاء الإداري وعابوا على لجنة الإنتخابات اعتمادها المناصفة الإنتخابية في ظلّ التباين الكبير في التوزيع الجنسي للمترشحين. وفرضوا بذلك مناسبة ليبين القضاء تصوره للمناصفة الانتخابية فكان أن أكدت المحكمة الإدارية في قرارها عدد 3001/2016  الذي صدر بتاريخ 03-11-2016 أن المناصفة الانتخابية مبدأ دستوري يجب احترامه .

انتهت بالتالي مؤاخذات الإنتخابات الديمقراطية إلى اعتراف جماعي وقبول بنتائجها الانتخابات مع إحتفاظ كل طرف بما يعده حقا له في إبداء موقفه منها. ويبدو هذا المآل إنتصارا هامّاً للتجربة الديمقراطية التي سيكون لها فضل بناء أول مجلس أعلى للقضاء بتونس يؤكد المعترضون على تركيبته قبل غيرهم، أنه مجلس شرعي.

 


[1]

نسبة المشاركة

العدد لجملي

عدد المشاركين

   

73,52%

2168

1594

 العدليين

القضاة

75,18%

2506

1884

عموما

37,05%

8361

3098

المحامون

47,83%

784

375

الاساتذة الجامعيين

53,70%

1054

566

العدول المنفذون

50,98%

922

470

الخبراء المحاسبون

46,91%

13627

6393

الجملي