بتاريخ 23-6-2014، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف قراراً هامّاً اعتبر فيه أن احتفاظ أصحاب العمل بجوازات سفر عاملات المنازل يخلّ بحقوقٍ أساسيّةٍ مضمونةٍ في الإتفاقيات الدوليّة التي أقرّها لبنان، وفي مقدمتها حريّة التنقّل[1]. وقد ذهب القرار الغنيّ في حيثياته ومراجعه إلى درجة اعتبار هذه الممارسة المنتشرة و"المقبولة" تمييزاً عنصريّاً مخالفاً للإتفاقيّة الدوليّة للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصريّ. كما عمل القرار على دحض بعض الحجج الشعبيّة المستخدمة لتبرير هذه الممارسة، وأهمها الخوف من خسارة المبالغ المستثمرة في استقدام العاملة، معتبراً أنّ "حجز الحريّة لا يمكن أن يكون وسيلة لضمان هذه الحقوق". وقد أكّدت دراسةٌ صدرت حديثاً مدى انتشار هذه الممارسة، حيث بيّنت أن نسبةً تناهز 94 في المئة من عيّنة تمثيليّة من أصحاب العمل (1200) صرّحت بأنها تحتفظ بجواز سفر العاملة. كما كشفت الدراسة عن إقتران هذه الظاهرة بتقييد حريّة التنقّل فعليّاً، ولكن أيضاً عبر حرمان العاملة من حقّها بالراحة والخصوصية. فقد ورد فيها أنّ نسبة لا تتجاوز 25 في المئة من أصحاب العمل أفادت بأنها تسمح بخروج العاملة بمفردها في يوم راحتها الأسبوعيّة، وأن نسبةً تزيد عن 57 في المئة منهم أفادت بأن العاملات يعملن سبعة أيام في الأسبوع ولا يستفدْن من أيّ راحةٍ أسبوعيّةٍ، وأن هنالك شبه إجماعٍ لدى أصحاب العمل على رفض حقّ العاملة بالتمتّع بحياةٍ خاصّة، على اعتبار أنّهن قدمن إلى لبنان فقط من أجل خدمتهم[2].

في 27-7-2016، أصدر القاضي نفسه قراراً استعاد فيه حيثيات قراره السابق، وذلك في إطار دعوى تقدّمت بها عاملةٌ أجنبيةٌ لاسترداد جواز سفرها من صاحب العمل الذي كانت تركت العمل لديه منذ فترة. وإذ تمكّن القاضي من ترسيخ اجتهاده عبر إصدار قراره الثاني، فإنه يؤمل أن يسهم تواتر الأحكام إلى زيادة الوعي لخطورة هذه الممارسة وعدم قانونيتها. وللتأكيد على أهمية ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدراسة المذكورة لم تجد سنداً للقول بعدم قانونية حجز جواز اسفر سوى القرار القضائيّ الصادر في 2014، إذ بيّنت أنّ نسبةً تفوق 51 في المئة من أصحاب العمل عبّروا عن اعتقادهم الخاطئ بأن العقد المفروض من وزارة العمل والذي لزم الصمت بهذا الشأن، يسمح لهم صراحةً بذلك.

تحيّزات أمام تحدّي "الكفالة"
أثرى القرار الصادر في 2016 إجتهاد 2014 بحيثيتين بالغتي الأهمية، يجدر التعليق عليهما:
الحيثية الأولى اتّصلت بما أثاره المدعّى عليه في دفاعه. فقد ورد فيه أنه تقدّم بشكوى إلى النيابة العامة في إثر "فرار" المدعية من منزله، وأن النيابة العامة تركتْ أمر البتّ بوضع إقامة المستدعية لحضرة مدير عام الأمن العام وأن المديرية العامة للأمن العام أبقت جواز سفرها بيده، ما ينفي حقّها باستلامه. ورغم أن هذا الدفع بقي من دون إثبات ما كان يسمح بإهماله، فإن القاضي تمسّك بمناقشة مدى قانونيّة ممارسة كهذه على فرض صحّتها، وكأنه يستغل فرصة التعرّض لها لوضع القواعد والأسس الواجب مراعاتها في هذه الحالات. فماذا تفعل النيابة العامة والأمن العام في حال إبلاغهما بحالة ترك عاملة لعملها؟ هل يغضّان الطرْف عن احتمال احتفاظ صاحب العمل بجواز سفرها رغم انتشار هذه الظاهرة؟ هل يستعلمان عن ذلك أصلاً، وإذا عرفا، ما هي الخطوات التي يتخذانها؟ وهل يجوز اتخاذ قرار بإبقاء جواز السفر في عهدة صاحب العمل؟

بالطبع، هذه الأسئلة ليست مجرد أسئلة نظريّة: فبمعزل عمّا جرى حقيقةً مع صاحب العمل (المدعى عليه في هذه الدعوى)، كثيرةٌ هي الأدلة على انتشار هذه الممارسة القائمة على احتفاظ صاحب العمل بجواز السفر، رغم ترك العاملة العمل لديه إلى حين توقيفها، من دون أن تطرح عليه السلطات العامّة أيّ سؤال في هذا الخصوص. وقد جاء القرار ليثبّت أمراً أساسياً مفاده أن "حجز جواز السفر، في حال وجود ما يبرّره، يتمّ مباشرةً من قبل القضاء أو الإدارة وليس بواسطة الأفراد". وبالطبع، أهمية هذه الحيثية تتعدى حدود هذه القضية لتتحوّل إلى سؤال كبير برسم النيابة العامة والأمن العام حول الإجراءات والتعاميم الواجب اتخاذها لإلزام أصحاب العمل بتسليم جوازات سفر العاملات اللواتي تركن العمل لديهم.

الحيثية الثانية تتصل بما أسماه القرار "تساؤل" المدعى عليه عن إمكانية لجوء الأجنبيّ المخالف لشرط الإقامة وعقد الإستخدام إلى القضاء. وهنا أيضاً نلحظ مدى اهتمام القاضي في مناقشة الدفوع "الشعبية" المثارة أمامه، مهما كانت ضعيفة (وحتى ولو بقيت على شكل تساؤلات)، على اعتبار أنها تعكس مجموعةً من التصوّرات الرائجة والمؤسِّسة للتمييز العنصريّ ومن الهام إخضاعها للتشريح القانوني تمهيداً للتخلص منها. وقد جاء القرار قاطعاً في هذا المجال بقوله أنه على فرض صحّة ارتكاب جرم والتسبّب بضررٍ للكفيل، فإن ذلك لا ينزع عن الأجنبيّ حقوقه الأساسيّة، ويبقى من واجب الدولة اللبنانيّة، تنفيذاً لالتزامها بالمواثيق، تأمين حقّه باللجوء إلى محكمةٍ عادلة.

وهذه الحيثيّة تفتح النقاش واسعاً حول كيفيّة ضمان هذا الحقّ في ظلّ نظام الكفالة. فبفعل هذا النظام، تصبح العاملة في حال تركها العمل لأيّ سببٍ من الأسباب في موقع الخارجة عن القانون، ما يعرّضها للتوقيف والترحيل الإداري، قبل أن يتسنّى لها حتى المثول أمام قاضٍ[3].

بقي أن نحيّي المحامين الذين تولوا رفع دعاوى مماثلة أمام القضاء، والتي من شأنها في حال تكثيفها، أن تسهم في تشريح نظام الكفالة بما فيه من خلل وبما يرشح عنه من مساوئ.

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة المفكرة القانونية

 

للاطلاع على النسخة الإنجليزية لهذا المقال، انقر/ي هنا

 

[1]  سارة ونسا، ضربة قضائية في صميم نظام الكفالة: قاضي الأمور المستعجلة يلزم صاحبة العمل بإعادة جواز سفر العاملة، المفكرة القانونية، العدد 19، تموز 2014.
[2] الباحثة د. سوسن عبد الرحيم من الجامعة الأميركية،
A Study of Employers of Migrant Domestic Workers in Lebanon
منشور على الموقع الإلكتروني لمنظمة العمل الدولية (2016). وقد أعدت الدراسة من قبل "منظمة العمل الدولية" و"الجامعة الأميركية في بيروت".
وعن هذه الدراسة، يراجع نزار صاغية، "مضبطة إتهام برسم النيابة العامة: نعم، نحن نُتْجر بالبشر"، المفكرة القانونية، العدد 43، أيلول 2016.

[3]  سارة ونسا، "عاملات المنازل، النيابة العامة والأمن العام: هكذا تنظم المحاكمة الغيابية"، المفكرة القانونية، عدد 12، تشرين الثاني 2013.