قضية محمد الهيني هي اليوم قضية مركزية لقياس منسوب حرية الكلام الذي يسمح به نظام الحكم في المغرب، بما يتصل بمنظومة العدالة. فرغم نجاح قضاة المغرب في انتزاع الإعتراف بحرية التعبير وإنشاء جمعيات (الفصل 111 من الدستور المغربي)، أبدت وزارة العدل المغربية ومعها المجلس الأعلى للقضاء المغربي (في هيئته الموروثة عما قبل دستور 2011) حساسية فائقة إزاء الأصوات التي تجاوزت منسوباً معيناً في النقد (ومنهم بشكل خاص صوت القاضي السابق محمد الهيني) وكأنهما بذلك يرسمان حدوداً لحرية التعبير التي يقتضي أن يتوقف عندها نضال القضاة. وقد أدت هذه الحساسية إلى إنزال أقسى أسلحة التأديب بحق الهيني (العزل) بهدف رسم حدود الحرية تلك. وقد أنتجت هذه القضية بما تخللها من نقاشات مصطلحاً جديداً: "قاضي الرأي"... وجاءت العقوبة لتفرض إضافة على هذا المصطلح الذي أصبح "قاضي الرأي المعزول". خلال الشهر الماضي، تم قبول الهيني محاميا بقرار وصف بالجريئ من هيئة المحامين في تطوان، إلا أن النيابة العامة سارعت للطعن في هذا القرار، وحجزت المحكمة القضية للحكم في 23-11-2016. 

وكانت المفكرة طرحت على الهيني في إطار متابعتها لهذه القضية ثلاثة أسئلة. وهي تنشر هنا أجوبته عليها. كما تنشر ضمن المرفقات قرار هيئة المحامين في تطوان والمرافعة التي تقدم بها وكلاؤه في مواجهة النيابة العامة.

(المفكرة): أثار قرار تسجيلك في سلك المحاماة جدلا قانونيا بسبب الاختلاف في تفسير المادة 18 من قانون المحاماة التي تسمح بتسجيل قدماء القضاة في سلك المحاماة إلا في حال عزلهم لسبب تأديبي. لكن هيئة محامي تطوان اعتبرت أن عزلك على خلفية تصريحاتك النقدية لتوجه السلطة فيما يتصل بإصلاح القضاء غير شائن. ما هي أبعاد هذا القرار؟

إن حرية التعبير والرأي مصونة دستوريا، وأن المتابعة بسبب الأفكار ولو جنحيا –وليس تأديبيا فقط-لا تنطوي على أي إخلال بالمروءة والشرف، وبالتالي لا تمنع من القبول بالتسجيل بسلك المحاماة. فالعبرة ليست للإدانة التأديبية وإنما بالسبب الشائن. يجدر التذكير بقرار المجلس الدستوري بخصوص قوانين السلطة القضائية والذي اعتبر أن توصيف الإدلاء بتصريح ذات صبغة سياسية على أنه مخالفة متعارضٌ مع الدستور وباطل، لأن هكذا توصيف غير محدد وغير منضبط، وقد يستغلّ كما وقع معي كمدخل للمسّ بحرية تعبير القاضي والتأثير على استقلاليته. فضلا عن أن الرأي السياسي لا يتعارض مع مهنة المحاماة لأنها مهنة النضال وحماية الحقوق والحريات.

(المفكرة): كيف تلقيت قرار مجلس هيئة المحامين بتطوان بقبول تسجيلك في سلك المحاماة؟

إنه يوم تاريخي في حياتي. أحس وكأني ولدت من جديد، لأنه جاء بعد مرحلة من المعاناة والألم من قرار عزل ظالم يعتبر جريمة ليس في حقي فقط بل في حق القضاء المستقل وفي حق مرحلة عنوانها دستور 2011، دستور الحقوق والحريات، أراد فيها السياسي أن يطبق على القضاء ويحوله لقضاء سياسي تابع له، ولم يكن له ما أراد بفعل نضالات القضاة وكل الفاعلين الحقوقيين والمدنيين في حقل العدالة خاصة زملائي في نادي قضاة المغرب.

(المفكرة): هل أنت متخوف من قيام النيابة العامة بالطعن في قرار تسجيلك في سلك المحاماة؟

أن أي قرار بالعرقلة سيكون استهدافاً وانتقاماً جديداً أمام وضوح مركزي القانوني. بالطبع، لا تزال النيابة العامة تحت رئاسة وزير العدل بانتظار إرساء المجلس الأعلى للقضاء الجديد، وهي لن تتخذ قرارا بالطعن من تلقاء نفسها دون استشارته. لا أتمنى حصول ذلك، لكني مؤمن بعدالة قضيتي ولن أساوم أو أنحني من أجل ذلك.