في صيف 2015، أثار خبر إغلاق شاطئ الميراندول الواقع في بلدة فالوريس في منطقة الريفييرا الفرنسية موجة غضبٍ شعبيّ عارم في الأوساط المحلية. وكانت الصحف قد نقلت أن السلطات الفرنسية أقفلت الشاطئ بالحواجز أمام العموم، وأقامت منطقة حظر في البحر تمتد لبعد 300 متر من الشاطئ، إستعداداً لزيارة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود وأفراد عائلته ومرافقيهم إلى المنطقة  [1]. فالزائرون ليسوا أشخاصاً عاديين، وهي ليست المرة الأولى التي يقصدون فيها البلدة للإصطياف.

الملك السعودي هو المالك الحالي لفيلا  Château de l’Horizon  (أو القصر الأبيض). وهي فيلا بُنيّت على شاطئ فالوريس في ثلاثينيات القرن الماضي، وإستضافت الكثير من مشاهير العالم  قبل أن تنتقل ملكيتها إليه. ولطالما رحّب أصحاب المؤسسات السياحية والتجارية وغيرهم من سكّان المنطقة بالسعوديين نظراً إلى المبالغ الطائلة التي ينفقونها، وبالتالي إنعاشهم للإقتصاد المحليّ خلال فترة زيارتهم. الجديد الذي أثار إستياء السكّان هذه المرة تمثّل بالإجراءات المتخذة لإقفال الشاطئ ومنعهم من الوصول إليه.

فرنسا: تصدٍّ لسابقة
عللّت السلطات العليا المسؤولة الإجراء المستجد بأنه مجرد تدابير أمنية تهدف إلى حماية الملك. إلا أن سكّان البلدة ومجلسها البلدي رأوا فيه سابقةً خطيرة وإنتهاكاً للقانون الفرنسيّ الذي يعتبر أن الشاطئ هو ملكٌ عام غير قابلٍ للتصرّف، ما يفرض إبقاءه مفتوحاً للجميع أياً كانوا. واستنكر البعض إزدواجية تعاطي الدولة الفرنسيّة مع القانون، وكأن هناك قانوناً للأغنياء وآخر للفقراء. كذلك، تمّ انتقاد خضوع الجمهوريّة الفرنسيّة لرغبات أصحاب الثروات والنفوذ على حساب رعاية البيئة وحقّ السكّان بالوصول الحرّ إلى البحر. من هذا المنطلق، وقّع أكثر من مئة ألف شخصٍ عريضةً بادر إلى إطلاقها أحد أعضاء المجلس البلديّ. ووجّهت رئيسة المجلس كتاباً إلى الرئيس الفرنسيّ إحتجت فيه على الأعمال الإنشائيّة غير المرخصة التي أُجريت في الموقع. فطُمئنت إلى أنها أعمالٌ مؤقتة سيصار إلى إزالتها فور مغادرة السعوديين  [2]. وهكذا كان. غادر السعوديون البلدة بعد ثمانية أيام من وصلهم وأعيد فتح الشاطئ للعموم وأُزيلت الإنشاءت المؤقتة. فنشرت بعض الصحف خبراً مفاده أن الملك السعودي قطع زيارته إلى فرنسا بسبب الإحتجاج الشعبيّ، وتوجّه في فترةٍ لاحقة الى إيطاليا حيث أبدى إهتماماً بشراء قصر رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني في سردينيا ليرتاده في عطلاته  [3].

بغض النظر عن دقّة تفاصيل ما تناقلته وسائل الإعلام، الغاية من سرد قصة شاطئ الميراندول هي تسليط الضوء على موضوع خصخصة الشواطئ والمطالب الشعبية الرامية الى الحفاظ عليها كملكٍ عام وحقٍّ لعامة الشعب. فالحق بالشاطئ هو حقٌّ تاريخيّ يعود إلى القانون الرومانيّ القديم (Justinian Code) الذي تضمّن أحكاماً تحمي الطبيعة، واعتبر البحر والشاطئ (حتى حدود إمتداد أكبر مدّ في الشتاء) والرمال ملكاً للجميع (ما ينطبق على الأنهار والموانئ)  [4]. وأسّس هذا القانون لممارساتٍ قانونيّةٍ مشابهةٍ في أوروبا القاريّة وأكثر مستعمرات الدول الأوروبية (بما فيها أميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية). ولا يزال هذا الحقّ مرعياً في الكثير من دول العالم. غير أنه تعرّض للإنتهاكات والتجاوزات، خاصةً في السنوات الأخيرة، إذ إزدادت عمليات خصخصة السواحل وبيعها وإستغلال الموارد الطبيعية للمنافع الماديّة بشكلٍ مدمّر للبيئة وغير آبهٍ بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة.

اليونان: نضال ضد بيع الممتلكات العامة
لعلّ حالة شاطئ الميراندول هي من أبسط الحالات كون إغلاقه أتى مؤقتاً، غير مبررٍ، وغير قانونيّ، من وجهة نظر عشرات آلاف الأشخاص. الوضع أكثر تعقيداً في بلدانٍ أخرى. فاليونان مثلاً تتعرّض منذ بداية أزمة ديونها في العام 2010 لضغوطٍ هدفها خصخصة ممتلكاتها العامة وبيع بعض جزرها ومعالمها التاريخية للنهوض من إفلاسها. بحسب البعض، لا أحد في الحزب الحاكم يؤيد الفكرة فعلياً. ولكن، هناك من يرى فيها حلاً لتمويل برامج الرعاية الإجتماعية التي تعاني من ضائقةٍ مالية نتجت عن إجراءات التقشّف التي فرضها الإتحاد الأوروبيّ على اليونان. وهناك من يرى أن خصخصة الممتلكات العامة أمرٌ لا بد منه للحصول على سيولةٍ تسمح بسداد ديون اليونان المتراكمة. وبالفعل، تسعى الحكومة اليونانية منذ فترةٍ إلى فتح آفاقٍ جديدةٍ للخصخصة، من خلال عرض جزءٍ من الممتلكات العامة للبيع، بما فيها مجموعة من المراسي التاريخيّة والجزر والشواطئ وعدد من القصور القديمة والمباني ذات القيمة التاريخية [5].

في هذا السياق، إقترح وزير المالية يانيس ستورنارس سنة 2014 مشروع قانونٍ يهدف إلى إطلاق إمكانات التنمية الإقتصادية في المناطق الساحلية، والعفو عن مخالفات الإنشاءات القائمة. غير أن مشروعه أثار إستياء الرأي العام وتعرّض لإنتقاداتٍ شديدة كونه يلغي الحماية الدستورية التي حدّت لعقودٍ من الإنتشار العمرانيّ في المناطق الساحلية، وضمنت حرية الوصول إلى الشاطئ. فبموجب القانون المقترح، ستؤول ملكية الشاطئ والبيئة الطبيعية المحيطة به إلى المشتري الذي سيكون قادراً على "تطويرها" وتقييد الدخول المجانيّ إليها، فضلاً عن حتمية تغيير المناظر الطبيعية التي لم تتغير منذ قرون والتأثير السلبيّ الدائم للمشاريع الساحليّة الإستثمارية (بما فيها التجهيزات الموسمية، مثل الحانات والمظلات وأسرّة الصيف، إذا إحتلت كامل إمتداد الشواطئ) على البيئة والنظم الإيكولوجية الساحلية والبحرية [6].

النضال من أجل إنقاذ السواحل اليونانيّة من الخصخصة مليءٌ بالتحديّات، لكن أمل النشطاء اليونانيين كبير بتحقيق العدالة عبر إثارة الرأي العام. وفعلًا، سجّلت الجماعات المختلفة، المؤسسيّة وغير المؤسسيّة، التي تعمل على جبهاتٍ متعدّدة للحفاظ على موارد اليونان الطبيعية والثقافية، إنتصارها الكبير الأول عندما صدر حكمٌ قضائي يمنع خصخصة مرافق المياه في أثينا [7]. كذلك، حقّقت الجهود الشعبية إنتصاراً في جزيرة الافونيسوس، حيث فاز السكّان مؤخراً في معركة منع بيع الشاطئ العام لجزيرتهم وتحويله إلى منتجعات خاصة. وبحسب نائب العمدة السابق للجزيرة، الشاطئ هو مصدر الحياة الإقتصادية للسكّان، وهو يدعم الأعمال التجارية الصغيرة فيها، وتشجيع السياحة الصغيرة هو المطلوب فهي ما يميّز اليونان، بالإضافة الى جمال الطبيعية وحسن الضيافة [8].

التجربة البورتوريكية
بورتوريكو هي من البلدان الأخرى التي تشهد حراكاً شعبياً في سبيل الحفاظ على شواطئها ومناطقها البحريّة التي تتعرض بشكلٍ روتينيّ لمحاولات الخصخصة بحجّة تعزيز السياحة. ومن ضمن ما إعترض عليه مناهضو الخصخصة في بورتوريكو يأتي مشروع قانون يخدم فندق "الماريوت" ويهدّد بالقضاء على الأماكن العامة والوصول الحرّ إليها. وللضغط ضد المشروع، كتبت إحدى المنظمات البيئية رسالة إلى المحافظ تحثه على عدم التوقيع، وأوصت ببدائل صديقة للبيئة. انضم باحثون قانونيّون من مختلف الجامعات في بورتوريكو إلى الناشطين البيئيين في محاولةٍ للفت أنظار السياسيين إلى الآثار السلبية المحتملة لمشروع القانون هذا. معركتهم ليست سهلة في ظل تكاثر المشاريع المماثلة لـ"الماريوت"، إلا أن الإنتصارات التي حققوها من خلال مساعيهم المختلفة تمدّهم بزخم الإستمرار  [9].

وبالفعل، نجح الناشطون وخبراء البيئة في بورتوريكو بإيقاف مشروع قانونٍ كان يسعى إلى خصخصة منطقة بحريّة في الساحل الغربيّ للبلاد وإضفاء الشرعية على المنازل العائمة على وجه المياه والتي تواجدت فيها على مدى عقود. والجدير بالذكر أن رؤساء بلديات المنطقة وأصحاب الأعمال كانوا من مناصري القانون المقترح. غير أن القانون رُفض في ظل الإحتجاجات الشعبية التي اعتبرت أن شرعنة هذه المنازل سيؤدي إلى تحويل الشاطئ العام الحرّ إلى منطقة سياحية حصّرية. كذلك، نجح الناشطون بإيقاف مشروع قانون لخصخصة بعض المناطق الساحلية كان قد إقترحه مجلس النواب البورتوريكي بهدف إستقطاب الإستثمارات السياحية. وللضغط ضد القانون المقترح، تجمّع الناشطون خارج مبنى مجلس الشيوخ خلال جلسة الإستماع، وندّدوا به تحت شعار "الشواطئ ملك للشعب" الذي أصبح لاحقاً شعارهم الرسميّ.

في لبنان كما في البلاد المذكورة، يؤدي ناشطو البيئة والحقوقيون والمهتمون بالحفاظ على موارد لبنان الطبيعية وإرثه الثقافي -الإجتماعي دوراً لافتاً في المعركة ضد خصخصة الشواطئ اللبنانية. معركتهم هي معركة مطلبية تهدف إلى إعادة تكريس حق عامة الشعب بالوصول إلى البحر والشواطئ، وهو حق أقرته تشريعات صدرت في فترة الإنتداب الفرنسي على لبنان. وفي لبنان أيضاً، لجأ الناشطون إلى عدالة القضاء في سعيهم للحفاظ على الحق بالشاطئ الذي لا تلغيه الإستثناءات والتجاوزات والتعديات على الأملاك العامة البحرية [10]. فهل يستجيب القضاء لمطالبهم كما إستجاب القضاء في بورتوريكو واليونان، أم ينحاز إلى حماية المصالح الخاصة لأصحاب النفوذ؟ وهل تفعّل البلديات اللبنانية دورها وتقف في مواجهة كل ما يسيء إلى الصالح العام كما حصل في بلدة فالوريس الفرنسية التي لم يتردد مجلسها البلدي في مواجهة رئيس الجمهورية والمطالبة بمساوة حق الملك بالشاطئ بحق عامة الشعب، ام تتحيّز بدورها لرأس المال؟

مؤخراً، دعت "الحملة الأهليّة للحفاظ على دالية الروشة" إلى إطلاق حملة وطنية لحماية الشاطى اللبناني من الخصخصة وتوحيد جهود كافة المهتمين والمعنيين بالموضوع  [11]. إن ذلك بالفعل، هو أمر ضروري جداً للضغط بشكل أكبر على السلطات اللبنانية وحثّها على: 1) إتخاذ قرارات تكرّس حق الشعب والأجيال المقبلة بالوصول الى البحر والشواطئ والتمتع بالطبيعة؛ 2) وضع خطة شاملة متكاملة لحماية الساحل اللبناني من التعديات على الأملاك البحريةً والإهمال البييئي الكارثي، 3) بلورة سياسات سياحية أكثر عدلاً وإستدامةً من الناحية البيئية والإجتماعية والإقتصادية.

إن التواصل مع النشطاء في بلدان ساحلية أخرى تعاني من خصخصة الشواطئ وإنتهاك حقوق عامة الشعب بالوصول إليها وتبادل الخبرات والتجارب معهم، هو أيضاً أمرٌ في غاية الضرورة، إذ أن معركة "الحق بالشاطئ" هي بلا شك معركةٌ دوليّة، وهي حتماً طويلة وشائكة.

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة المفكرة القانونية

 

[1] Kim Willshir, “French outraged over beach closure for Saudi king's visit”, The Guardian. Monday 20 July 2015.

[2] BBC News, “Petition as French Riviera beach closed for Saudi king”, 26 July 2015.

[3] Andrea Vogt, “Berlusconi selling £350m holiday villa to Saudi royal family”, The Telegraph. 10 August 2015.

[4] Oliver J. Thatcher, ed., The Library of Original Sources (Milwaukee: University Research Extension Co., 1907), Vol. III: The Roman World, pp. 100-166. Online excerpt: http://coastalcare.org/2012/06/the-roman-law-of-nature-protecting-the-sea-seashore-and-sand/

[5] Jerome Roos, “A struggle to save Europe’s soul from privatization”. The Press Project, 28 July 2014.

[6] Press Release (5 May 2014), “Save The Greek Seashore”, The Blog of the Citizens' Initiative “Stop the Destruction of the Greek Coastline”.

[7] “Top Greek court blocks privatization of EYDAP water utility”, Ekathimerini, 26 May 2014.

[8] Joanna Kakissis, “Privatization calls find Greece caught between creditors and voters”, Al-Jazeera America, 25 March 2015.

[9]“Puerto Rico activists fight to keep beaches public”, Caribbean News Now, 10 August 2016.

[10] المرصد المدني لإستقلال القضاء وشفافيته، "قضية المنطقة العاشرة: خطوة أولى لإستعادة الأملاك العامّة المنهوبة؟". المفكرة القانونية-لبنان، العدد 43، أيلول 2016.

 [11] الحملة الأهليّة للحفاظ على دالية الروشة، "السيرة القانونيّة لخسارة الشاطئ.. وطموح إستعادته". المفكرة القانونية-لبنان، العدد 43، أيلول 2016.