بعد انتظارٍ طويل، أقرّ مجلس النواب قانون إنشاء "المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان"، على أن يعين من بين أعضائها (10) أعضاء "اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب". وهي خطوةٌ تأتي كإنجازٍ هامّ لمجلس النواب في هذه المرحلة السياسية المعقدة في لبنان، وفي ظل واقع السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويؤمل منها أن تكون فاتحة تغييرٍ يترافق مع العهد الجديد، خصوصاً في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان بشكلٍ عام، ومسألة مكافحة التعذيب بشكلٍ خاص.

ومن الواضح أنّ إنضمام لبنان إلى الإتفاقيات الدولية لا يوفّر وحده الحماية والضمانات في القوانين المحلية التي كثيراً ما يتمّ أيضاً تجاوزها وعدم احترامها. إذ يومياً، يُرصد العديد من الإنتهاكات في لبنان، مثل الظروف السيئة لأماكن الإحتجاز، التعذيب، سوء المعاملة، الإحتجاز التعسفيّ، وغيرها.

أبرز إيجابيات: نهجٌ في الحماية والوقاية
أعطى هذا القانون الذي أقرّ مؤخراً شيئاً من الأمل بأن تصبح للبنان مؤسسةٌ وطنيةٌ لحقوق الإنسان، تبحث عن الحقيقة بشكلٍ محايد، لا تدافع ممارساتها عن طرفٍ أو آخر، مثلما هو مطلوبٌ في أساس تكوينها. إن توفّر ضمانات الإستقلال والتعدّديّة والإجراءات الشفافّة في إختيار أعضائها وتعيينهم والإمتثال التامّ لـ"مبادئ باريس" تعتبر من تحدّد الشروط الدنيا التي يجب أن تفي بها أيّ مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، إذا أرادت أن تعتبر ذات صفةٍ شرعية.

ومن مزايا هذه المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان أنها تمكّن الدولة من الوفاء بمسؤولياتها الدولية لجهة إتخاذ جميع الإجراءات المناسبة لضمان أن تنفذ الإلتزامات الدولية على المستوى الوطنيّ. كما إنها تسعى لمدّ الجسور بين المجتمع المدنيّ والحكومة، فهي تربط بين مسؤوليات الدولة وحقوق المواطنين، كما تصل القوانين الوطنية بالنّظم الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان، ناهيك عن العمل على تعزيز حقوق الإنسان عبر خَلق ثقافةٍ وطنيةٍ يتطوّر بها مفهوم التسامح والمساءلة والإحترام المتبادل.

كذلك، يضاف الى دورها العمل على ضمان حماية سيادة القانون، وإقامة العدل، ومكافحة الإفلات من العقاب، على أن تمارس دورها كأداةٍ فعّالة في تعزيز إصلاح القانون، وتعزيز المؤسسات القضائية والأمنية، بما في ذلك نظام الشرطة ونظام السجون، والإسهام في الوقاية من التعذيب وسوء المعاملة من خلال أداة مستقلة. أمام هذه الولاية الواسعة والمزايا المتعددة التي لا مجال لذكرها تفصيلاً، تضمّن قانون إنشاء المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب.

ووفقاً لإلتزام لبنان بموجب إنضمامه في العام 2008 للبروتوكول الإختياريّ لإتفاقية مناهضة التعذيب، كان على الدولة اللبنانية أن تنشئ آليةً وطنيةً للوقاية من التعذيب بعد سنةٍ واحدةٍ من تاريخ تصديقها على البرتوكول والإنضمام إليه بموجب المادة 17 منه. وقد منح البروتوكول الدولة الطرف ما يكفي من المرونة لتحديد نوع الآلية الوقائية الأنسب لسياقها الوطني.

لقد فتح البروتوكول آفاقاً جديدة في منظومة حقوق الإنسان لثلاثة أسباب رئيسية:

  1. شدّد بقوة على الوقاية، وذلك من خلال نظامٍ إستباقيّ لزيارة أماكن الإحتجاز بدلاً من الإستجابة للإنتهاكات بعد وقوعها.
  2. وضع نهجاً تكميلياً بين الجهود الوقائية على المستوى الدولي والمستوى الوطني. ما يخلق علاقة ثلاثية مبتكرة بين سلطات الدولة واللجنة الفرعية لمنع التعذيب والآلية الوقائية الوطنية.
  3. اعتمد هذا النهج على العمل التعاونيّ مع الدول لمنع وقوع إنتهاكات وتحسين حماية الأشخاص المحرومين من حريتهم أكثر مما يعتمد على الإدانة.

لقد منح البروتوكول مهامّ وصلاحيات واسعة للجنة، أهمها القيام بزياراتٍ منتظمة غير معلنة ومفاجئة لجميع أماكن الإحتجاز، بما فيها مستشفيات الأمراض العقلية والمؤسسات الرعائية. ففيها، يُعتقد بأن هناك أشخاصاً لا يسمح لهم بمغادرة المكان بإرادتهم المطلقة، وقد يكونون عرضةً لأيّ شكلٍ من أشكال الإنتهاكات، فتأتي الزيارات لتعزيز حماية هؤلاء الأشخاص من التعذيب أو سوء المعاملة، وتحسين ظروف حياتهم، والتدخّل الإستباقيّ بهدف الوقاية.

أبرز التحديات: الإستقلالية وتوضيح المهام
أمام هذه الصلاحيات والمهام الحسّاسة، يطرح سؤالٌ عن التحديات التي قد تواجه إنشاء "اللجنة الوطنبة للوقاية من التعذيب" وعملها في ظل تكوينها من داخل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان. فلا تقتصر التحديات فقط على عملية إنشاء اللجنة التي يجب أن تكون شفافة وشمولية وآتية بصيغةٍ مؤقتة ومستقلة، من أجل ضمان فعاليةٍ أكبر لعملها، بل تنسحب إلى صلب مهامها بدءاً من مدى اتساع الدور الذي تطلع فيه وحلقة الزيارات ومتابعاتها. وهي تملك صلاحيات أوسع تعزّز سلسلةً كاملة من الحقوق المتقاربة مع عمل "المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان" والعكس صحيح، ما قد ينتج تفاعلاً إيجابياً. لكنه لا يخلو من تحديات ومخاطر قد تعيق تحقيق أهداف البروتوكول الإختياريّ لإتفاقية مناهضة التعذيب في الممارسة.

التحدّي الأول يكمن في تحديد دور اللجنة المنشأة من ضمن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بالنسبة إلى هذه الأخيرة. فثمة أهمية لتعزيز قدرة اللجنة على العمل الإستباقيّ والمفاجئ، والـتأكيد على التعاون واعتماد الحوار البنّاء مع السلطات. بالمقابل، تتمايز "الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان" بامتلاكها الحقّ في تلقي الشكاوى والتحقيق بها وحلّ مسائل فردية لانتهاكات حقوق الإنسان كما توجيه اللوم والإدانة. هذا التمايز بين الدورين قد يؤدي إلى الخلط ما بين "المؤسسة" و"اللجنة" من قبل الهيئات المعنية، سواءً الحكومية أو غير الحكومية، وبالتحديد رجال إنفاذ القانون، بالإضافة إلى المواطنين.

التحدّي الثاني يكمن في أن تمتلك اللجنة سلطة توظيف هيئتها الخاصة بناءً على المعايير والمواصفات التي تحدّدها لنفسها، وأن يكون فريق عملها الإداريّ منفصلاً عن فريق "المؤسسة الوطنية"، تفادياً لأيّ ارتباكٍ وخلطٍ في الأدوار قد يؤدي  إلى عدم التركيز على عمل اللجنة، ما يفقدها فعاليتها.

كذلك، ثمة تحدٍّ ثالث نودّ الإشارة إليها قوامه توفير الموارد المالية اللازمة لأداء اللجنة ومهامها، رغم أنّ القانون قد أشار إلى وجود بندٍ منفصلٍ وخاصّ للجنة في الميزانية العامة للمؤسسة. إلاّ أنّ ذلك لا يكفل إطلاقاً ضمان حصولها على الموارد المالية الضرورية لتكون قادرة على ممارسة إستقلالها الوظيفي.

إن الشكل الذي اعتمده لبنان في إنشاء "اللجنة الوطنية للوقاية من التعذيب" ضمن "المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان" معتمدٌ من قبل العديد من الدول. ليس هناك شكلٌ مثاليّ، لكن بالتأكيد هناك خياراتٌ أفضل تقيّم بناءً على تجارب الدول التي سبقتنا في إنشاء آلياتها الوقائية الوطنية لمنع العذيب. إلا أن غالبية هذه النماذج والأشكال الهيكلية المتّبعة لديها قدرتها التأثيرية، لكنها تختلف من شكلٍ لآخر خصوصاً عندما لا تكون اللجنة منشأة بشكلٍ مستقلّ وكمؤسسةٍ مستقلة ومنفصلة قانونياً وهيكلياً وتنظيمياً عن مؤسساتٍ أخرى تتشابه في مهامها وصلاحياتها، خصوصاً على مستوى تنفيذ الزيارات وإعداد التقارير حول أماكن الإحتجاز والأشخاص المحرومين من حريتهم.

يمكن تخطّي هذه التحديات واستباق حدوثها من خلال إصدار المراسيم التنظيمة والنظام الداخليّ الذي ستعدّه "اللجنة" فور تشكيلها وتعيين أعضائها، على أمل أن تنتج اللجنة نظاماً يأخذ بعين الإعتبار كيفية تخطّي الثغرات التي لم يشر إليها القانون، وتحديداً كيفية تشكيلها وآليات عملها.

يبقى السؤال الأخير الذي يقلق الجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان، وتحديداً العاملة في مجال مناهضة التعذيب: ماذا بعد إقرار القانون؟ بإنتظار الجواب، تبقى العبرة في التطبيق والتنفيذ، كما في التوقيت والكيفية.

لقد حان الوقت لأن تصبح أبواب السجون مفتوحةً أمام الهيئات الرقابية الوطنية والدولية، وأن تصبح أماكن الإحتجاز غير عصيّةٍ على أجهزة الرقابة المستقلة. فتح هذه الأبواب هو السبيل إلى الحدّ من الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تحصل هنا، وعلى رأسها سوء المعاملة والتعذيب، على سكّة وضع حدّ للإفلات من العقاب.

نشر هذا المقال في العدد 44 من مجلة المفكرة القانونية.