استفاق سكان مدينة الاسكندرية يوم 1/10/2016 على خبر الهدم النهائي لفيلا شيكوريل التراثية وذلك بعد محاولات عديدة لهدم الفيلا خلال الخمس سنوات الماضية. آخر هذه المحاولات كانت حصلت فى يونيو 2015عن طريق التلاعب فى الأعمدة الخرسانية والأساسات الإنشائية للفيلا ليلاً مما تسبب فى النهاية بهدم الفيلا بالكامل فى آخر سبتمبر الماضي . يمر التراث المعمارى بشكل خاص والثقافى بشكل عام  بمصر بأزمة إهمال وتشويه متعمد من جانب الحكومة وملاك المبانى التراثية حيث تعرضت لمذبحة حقيقية من خلال الهدم المتعمد والمتواصل من جانب "مافيا الهدم" ‏التى تقوم بالعبث بالأبنية ذات الطراز المعماري المحظور هدمها وتقسيم أرضها وتحويلها إلى ‏عمارات شاهقة. وتعد فيلا شيكوريل خير مثال لما يتعرض له التراث المعماري، وذلك لأن مالك الفيلا الأصلي (شيكرويل) كان يعمل تاجراً وتم تنصيبه عميداً الطائفة اليهودية فى مصر في الاربعينات، وتم تأميمها في خمسينات القرن الماضى لتصبح ملكاً للدولة ثم أصبحت أحد القصور الرئاسية فى فترة السبعينيات وكانت ملجأ لنائب رئيس الجمهورية السابق حسني مبارك أثناء انتفاضة الخبز فى يناير 1977. وهي من تصميم المهندس الفرنسى ماكس أذرعى وتم بناؤها عام 1930 وصممت على طراز "أرت ديكو"[1].

بدأت محاولات هدم الفيلا بعد صدور قرار رئيس مجلس الوزراء[2] باستبعاد الفيلا من سجل المباني والمنشآت المحظور هدمها (مجلد يقيد به المبانى التراثية والتى يحظر هدمها أو إجراء تعديلات بها ويصدر بشأنها قرارات من رئيس مجلس الوزراء) استناداً لحكم قضائي صادر من مجلس الدولة المصري بعدما قام مالك الفيلا بالطعن على قرار إضافة الفيلا لسجل المباني والمنشآت المحظور هدمها. وبتاريخ 9/5/2012، أصدر رئيس الوزراء قراراً جديداً غير مؤثر بالنزاع بإلزام الجهات التنفيذية بمحافظة الاسكندرية بإيقاف إصدار تراخيص هدم الفيلا ما لم يصدر حكم قضائي بإلزمها بذلك، بعدما واجه ضغوطاً ومطالبات من النشطاء والمتهمين بالتراث لإيقاف الهدم حيث ان المبنى يعد تحفة فنية ولا يمكن تعويضه كقيمة لعصر من أهم عصور الإسكندرية، ورمزا لعصرها الذهبى فى البناء والتشييد.

وأعاد هدم فيلا شيكوريل إلى الاذهان المشاكل التى يثيرها القانون رقم 144 لسنة 2006 المنظم للمبانى التراثية، حيث أن ثغرات هذا القانون قد ساهمت في هدم العديد من المباني التراثية خلال السنوات الماضية بالرغم من الحماية التى يفرضها الدستور على التراث الثقافى، عن طريق إقامة دعوى قضائية من جانب ملاك المنشآت استغلالاً لهذه الثغرات لإخراج المبنى أو المنشأة من مجلد حفظ التراث.

قانون 2006 يزيد شروطاً لحماية الأبنية الأثرية خلافاً للدستور
ألزم الدستور المصري بنصوص المواد 47 و50 الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها المختلفة. كما أنه ألزم الدولة بالحافظ وحماية وصيانه الرصيد الثقافى المعاصر المعماري والأدبي والفني بمختلف تنوعاته والإعتداء عليه يمثل جريمة يعاقب عليها القانون. وقد عبّر واضعو الدستور من خلال ذلك عن إيمانهم بأهمية التراث كونه رصيد الشعب المصرى الدائم من التجارب والخبرات والمواقف التي تعطيه القدرة على أن يواجه ‏حاضره ويتصور المستقبل بإعتباره أهم مكونات القدرة الطبيعية والبشرية الممتده إلى ‏عمق جذوره التاريخية. إلا أن نص المادة الثانية من القانون رقم 144 لسنة 2006 جاءت على خلاف ما أقره الدستور. فلا يكفي لمنع الترخيص بالهدم أن يكون المبنى ذا طابع معمارى متميز، إنما يقتضي أيضا وأن يكون المبنى مرتبطاً بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو ممثلاً لحقبه تاريخية، أو يعد مزاراً سياحياً. وبذلك يكون القانون ربط حماية التراث باشتراطات لم ينص عليها الدستور. يمثل تهديداً لمئات المبانى والمنشآت التراثية بمختلف محافظات مصر لأن أغلب هذه المبانى صممت على طرز معمارية مختلفة ولم تكن مرتبطة بشخصيات تاريخية أو بالتاريخ القومي أو تعد مزاراً سياحياً.

الخطأ في تفسير القانون
من جهة أخرى يوجد خطأ فى تفسير وتطبيق اللائحة التنفيذية للقانون من جانب المهتمين بالتراث المعماري. فقد حاول المحامون والمهتمّون بالتراث فى محاولة منهم لتقليل الهدم المتواصل للتراث المصري إقناع قضاة مجلس الدولة المصري أنه إذ كان المبنى ذا طابع معماري متميز، فهذا يجعله مرتبطاً بحقبة تاريخية معمارية أو مدرسة فنية معمارية انتشرت في مصر في فترة معينة مثل الطراز القوطى[3] والنيو كلاسيكى[4] وغيرهم. إلا أنهم واجهوا صعوبات تمثلت في أن اللجان المختصة بحصر المباني والمنشآت التراثية المحظور هدمها قد أخطأت فى تفسير اللائحة التنفيذية للقانون رقم 144 لسنة 2006.

فإذ اشترط القانون أن يكون العقار ذا طابع معمارة مميز و(مرتبطا) بالتاريخ القومى أو شخصية تاريخية أو التى تمثل حقبة تاريخية أو التى تعتبر مزارا سياحياً، فإن اللائحة التنفيذية للقانون نظمت عمل هذه اللجان بسجلات داخلية خاصة بكل لجنة تقيد بها المبانى على النحو التالى :

- المبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز 
- المبانى والمنشآت المرتبطة بالتاريخ القومى .
- المبانى والمنشآت المرتبطة بشخصية تاريخية.
- المبانى والمنشآت التى تمثل حقبة تاريخية.
- المبانى والمنشآت التى تعتبر مزارا سياحيا.

وهذا الخلط استتبعه أن تقوم لجان الحصر بإرسال سجلاتها الداخلية للمحافظ المختص ثم يرسلها الأخير إلى رئيس مجلس الوزراء ليصدق عليها باعتبارها قرارات لحصر المباني والمنشآت المحظور هدمها بالمخالفة للقانون. وبنتيحة ذلك، تم تصنيف المباني ذات الطراز المعماري المتميز من دون الاستثبات من توفر أحد المعايير الأربعة الأخرى، مما جعل ملفات هذه المباني غير مكتملة وعرض حظر هدمها لخطر الإبطال. وليس أدل على ذلك ما يحدث بمحافظة الإسكندرية وهى أكثر المحافظات التي تعرضت فيها المباني التراثية لعمليات تشويه وتدمير متعمد أو غير متعمد سواء المباني المُوثقة أو غير الموثقة. وعلى الرغم من أن المحافظة تحتل المركز الثاني بعد محافظة القاهرة فى عدد المباني الموثقة، إلا أنها تحتل المركز الأول كأكثر محافظة تم حذف مباني من سجلات المبانى والمنشآت المحظور هدمها بها. فمنذ عام 2008 وحتى 2016، تمّ حذف 72 مبنى تراثياً بالمحافظة. وكان تم توثيق 1135 مبنى تراثياً بالإسكندرية تحت المعايير التالية:

تم قيد 1109 مبنى مقيد تحت بند "طراز معمارى مميز"، و6 مباني تحت بند" مرتبط بالتاريخ القومي"، وقيد 10 مباني تحت بند "مرتبط بشخصية تاريخية"، و قيد 8 مبانى تحت بند "مزاراً سياحياً" .

مما يعني وجود أكثر من ألف مبنى بالإسكندرية وحدها معرضا لخطر الحذف ومن ثم الهدم نتيجة قيدهم كمباني ذي طابع معماري متميز "فقط" مخالفة لنص القانون.

لامبالة الدولة بحماية وصيانة التراث المعماري
ومن جهة ثالثة، الدولة ممثلة فى وزارة الثقافة والإدارات المحلية بالمحافظات غير راغبة وغير مبالية بحماية المباني التراثية. وهي لا تقوم بدورها المنوط بها طبقاً للقانون بمنع هدم وتشويه المباني التراثية الموثقة ولا توفر لها الصيانة التي ألزمها بها الدستور والقانون وتتغاضى عن توقيع عقوبات بالحبس والغرامة على الملاك والمهندسين المتورطين فى هدم المباني التراثية مما جعل هذه الجريمة تمر من دون محاسبة.