على عادتها، تشهد الإنتخابات البلدية في لبنان منافسةً شديدة في القرى والبلدات، حيث ترتفع نسب الإقتراع بشكل لافت فتصل أحياناً إلى 60  في المئة من المقترعين، في مقابل نسبة مشاركةٍ متدنيّةٍ في بيروت معدّلها لا يتجاوز 20 في المئة. فعلى خلاف الإنتخابات النيابية، تفسح الإنتخابات البلديّة المجال عادةً أمام عددٍ أكبر من الأشخاص لخوض التجربة الإنتخابيّة نظراً لكثرة المقاعد البلدية المتاح الترشّح عليها. وقد شهدت الإنتخابات البلديّة للعام 2016 تنافساً حاداً في بعض المناطق، تميّز بعضها بمواجهةٍ بين قوى مستقلة من جهة وأخرى مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر من التركيبات السياسيّة التقليديّة كالعائلات السياسيّة والأحزاب. ومن ضمن المناطق التي شهدت ترشّح لوائح مستقلة، تبرز مدينة بعلبك مع لائحة "بعلبك مدينتي"، والهرمل مع لائحة "معاً من أجل الهرمل"، وغيرهما في المناطق.

يأتي هذا المقال كختام لسلسة مقالاتٍ عن عيّنةٍ من اللوائح المستقلّة التي خاضت الإنتخابات البلديّة في أيار 2016. فبعد بورتريه لحملة "بيروت مدينتي" وآخر لحملة "مواطنون ومواطنات في دولة"، يسلّط هذا المقال الضوء على تجربة إنتخابية خارج المدن الكبرى، وهي تجربة زغرتا المدينة، من خلال تقديم بورتريه لـ"لائحة الإنماء" المستقلّة والتي خاضت الإنتخابات في مواجهة لائحة "معاً لزغرتا وإهدن" المدعومة من ما عُرِّف عنه بأنه تحالف العائلات والزعامات السياسيّة. يعتمد على المقال على متابعةٍ دقيقةٍ ومستمرةٍ لإنتخابات بلدية زغرتا، بالإضافة إلى مقابلة مطولة أجريت مع مطلق "لائحة الإنماء" ورئيسها ميشال الدويهي[1]. تُختتم السلسلة بمقالٍ تحليليّ مقبل يقارن التجارب المذكورة، بغية الوقوف عند موقع القوى الإعتراضيّة التي تبدّت خلال الإنتخابات البلديّة في لبنان، وإمكانيّة مواجهتها السلطة والنخب الحاكمة في الإستحقاقات المقبلة.

الإنطلاقة: 16 مرشّحاً لا ينسبحوا!
لم يكن من المتوقع إطلاق "لائحة الإنماء" في إنتخابات زغرتا البلدية، ولا إستمرارها ونيلها معدل 20 في المئة من الأصوات. فالمبادرة التي انطلقت رسمياً في آذار 2016، نالت اهتمام المقترعين سريعاً، في زغرتا كما في لبنان، فتمكّنت من حجز مكانٍ لها في صفوف لوائح القوى المستقلة في لبنان، على الرغم من خسارتها الإنتخابات البلدية. بدأت الفكرة مع مبادرةٍ أطلقها حوالي 5 أشخاص، قرّروا خوض الإنتخابات البلديّة. وكان التحدّي الأكبر في تأمين عددٍ معيّنٍ من الأفراد المستعدّين لخوض الإنتخابات حتى النهاية، فلا ينسحبوا في اللحظات الأخيرة. إذ يسود في زغرتا مفهوم الزعامة، وما يرافقه من علاقاتٍ زبائنية مترسّخة من جهة ومن معايير قيميّة تتعلق بشرف الدفاع عن الزعيم وتقديم الولاء المطلق له من جهة أخرى.. ما يمكن أن يؤدي لأن ينسحب أحد أعضاء اللائحة المستقلة تحت وطأة الضغوطات العائلية، أو السياسية، أو حتى المهنيّة في بعض الأحيان. وهي أساليبٌ عادةً ما انتهجتها العائلات السياسيّة في زغرتا للضغط على أبناء المدينة.

وبالتالي، لم يأت صدفةً الشعار الذي رفعته الحملة عند الإعلان عن مرشحيها الخمسة: "الترشّح والإنتخاب واجب". أيّ، بعبارة أخرى، كانت الدعوة مفتوحةً لمن يرغب بالتغيير في تحمّل المسؤولية، ليس فقط من خلال الإقتراع وإنما أيضاً من خلال الترشّح.
من النافل القول إذاً، أن اختيار الأعضاء كان من التحديات الأساسيّة أمام الحملة. فإلى المعايير الموضوعية التي وضعتها نواة اللائحة والتي تشترط بالمرشّح أن يكون من ذوي الخبرة في الشأن العام ولديه تجارب في خدمة المجتمع، أتى المعيار الثاني، بحسب الدويهي، ليحدّد في المرشّح "صلابةً في الموقف وفي خياراته، وألا يتراجع تحت الضغوط الممكنة. أيّ، التركيز على إستقلالية الفرد وقدرته على الإستمرار". وهكذا، تم التوصل تدريجياً إلى تشكيل لائحةٍ من 16 عضواً لتتنافس على 21 مقعداً.

في موازاة الجرأة الملحوظة والتي شكّلت سابقةً في انتخابات بلدية زغرتا منذ العام 1996 لمّا كان التنافس محصوراً بين زعامة آل فرنجية وزعامة آل معوض، بدا جلياً في انتخابات 2016 أن الحملة أتت لتقدّم البديل الجدّي عن التجارب البلدية التي سبقتها. فطالبت المبادرة، مثلاً، بمحاسبة التجارب السابقة التي "فرضتها التحالفات والمحاصصة"، والتي همّشت الإهتمام بالشؤون الأساسيّة التي تعني زغرتا وأهدن، فكان شعار الحملة المستقلة: "زغرتا (وأهدن) تستحق الأفضل". أيّ، الأفضل إنمائياً، بالمقارنة مع التجارب الإنمائية الأخرى في المدن والقرى المجاورة، والأفضل تمثيلياً لجهة الجدية في العمل البلدي.

الجو ملائم: "الإعتراض اللاعنفي"
من غير الممكن مقاربة الإنتخابات البلدية وفهم المسار التي خاضت فيه "لائحة الانماء" في زغرتا بدقة، من دون التطرّق إلى السياق العام للانتخابات البلدية على صعيد لبنان. لقد بدا جلياً أن إحدى أبرز نقاط القوة التي اعتمدت عليها اللائحة لإطلاق عملها، تتمثّل في الجوّ الإعتراضيّ في مختلف مناطق لبنان، من بيروت مع "بيروت مدينتي" إلى بعلبك والهرمل وطرابلس... وبحسب الدويهي، "الناس كانت مهيّأة لأن تتقبّل النقد، وأن تنتقد أيضاً. فالناس صارت تتفهّم مَن يطالب بالتغيير، حتى ولو لم تتبناه بالضرورة". فالفرصة التي قدّمتها الإنتخابات البلديّة أكّدت أن القوى المستقلة "لم تعد وحيدةً في مناطقها، إنما هناك جو عام ملائم لهذه المبادرات المستقلة". وبالتالي، تكون المطالبة بالتغيير، خصوصاً في واقع زغرتا، "بعيدة عن التصادم الذي يمكن أن يؤدي أحياناً إلى العنف".

وإذا كانت "لائحة الإنماء" قد بادرت أولاً إلى الإعلان عن نفسها والترشح كسابقةٍ في الإنتخابات البلدية في زغرتا، فإن الزعامات بدورها شكّلت سابقةً أخرى من خلال اللجوء إلى التوافق على لائحة واحدة. فلطالما خيضت الإنتخابات البلدية بالمنافسة بين زعامتي آل فرنجية وآل معوض. وبالتالي، تشكّل إنتخابات زغرتا نسخة مصغّرة لكن معبّرة عن سبل المواجهة بين القوى المستقلة والنظام. فعائلة فرنجيه، وهي العائلة السياسية الأقوى حالياً في زغرتا وتحديداً على مستوى تجيير الأصوات، تشهد تحوّلاً على صعيد قيادتها السياسيّة. فمن جهة، سليمان فرنجيه هو مرشّح جديّ لرئاسة الجمهورية اللبنانية ويخوض أيضاً معركة الحسابات "الشعبية" في مواجهة ميشال عون، خاصةً وأن زغرتا هي البلديّة المارونيّة الأكبر. لكن، في المقابل، تجري عملية توريثٍ، لا يراد لها أن تكون إقطاعيّةً بالمظهر، تمثّلت بأن انتخابات زغرتا وقضائها كانت التجربة السياسيّة الأولى لطوني سليمان فرنجية. وبالتالي، لم يكن من مصلحته خوض إنتخابات تشكّل ضغطاً على التوريث السياسيّ. فأتى التوافق بين العائلات السياسيّة كأفضل السبل التي تتيح للزعامة أن تعيد إنتاج نفسها. ما فتح المجال أمام القوى المستقلة، بحسب الدويهي، للعمل بحريّةٍ من دون أجواءٍ سلبيةٍ يمكن لها أن تولّد عنفاً.

إستراتيجيّة الحملة: "الروح الرياضيّة"
تؤكد "لائحة الإنماء" أن لا قاسم مشترك بينها وبين الزعامات السياسية في زغرتا. فقد تعاطت الزعامات مع اللائحة المستقلّة من باب الإستيعاب أولاً، ومحاولة إرضائها بعددٍ معيّنٍ من المقاعد بالنهج التحببي السائد لبنانياً، أيّ "المحاصصة". وحين فشلت هذه المحاولة، كان الإتجاه نحو الإتفاق على خوض إنتخاباتٍ ديمقراطيّةٍ وبروحٍ رياضيّةٍ. وفي هذا السياق، لم تتواجه العائلات بشكلٍ مباشر، وبقيت المنافسة ضمن إطار الإحترام المتبادل. فمثلاً، لم يتطرّق الخطاب الإنتخابي للحملة إلى الفساد والهدر من باب التشهير الشخصيّ، إنما من خلال المحاسبة على أساس الملفات. وخلال الحوار المفتوح الذي جرى بين أعضاء اللائحة والمواطنين في زغرتا (30 نيسان، 2016)، أشار صراحة ميشال الدويهي إلى أن ملف الموظفين الوهميين سيعالج بشكلٍ جديّ. فإما أن يعطى عملٌ لهؤلاء مقابل الأجر الذي يتقاضونه، أو يتم الإستغناء عنهم في حال ثبت أن لا حاجة لخدماتهم. من هذه الإستراتجية، يمكن استخلاص أن قواعد اللعبة لم تكن قائمة على مبدأ شخصنة المنافسة الإنتخابية والتهجّم على الأشخاص، بقدر ما كانت قائمة على البرنامج، لا بل أيضاً على المحاسبة في ملفاتٍ لم يعرها النهج البلديّ السابق أهمية. من هنا، يستنتج الدويهي: "ترشّحنا، ولم تحصل أضرار. وبالتالي، الدرس الأهم من الحملة هو أن خوض المعارك الديمقراطيّة مرحبٌ به".

المركز - الأطراف: "إقطاعي في زغرتا، وحداثيّ في بيروت "
لتجربة "لائحة الإنماء" ميزة إفساحها المجال أمام وجوهٍ لم تخض بالضرورة تجربة "المجتمع المدني" بصيغته "البيروتية-المركزية"، لتظهر على الإعلام، ويستقبها الناس برحابة، ما يمكن أن يؤسس لنواةٍ شابّة تعمل على صعيد منطقتها في مراحل لاحقة.
وإذا كانت القوى المستقلة قد جسّرت الهوّة بين المركز والطرف، ولو مرحلياً، من خلال تكوين جوّ إعتراضيّ على صعيد لبنان، إلا أن الانتخابات البلدية قد أظهرت بدورها التناقض الحاصل على صعيد النخب التقليدية وضعف تماسكها الوطني. فالعديد من الزعامات الزغرتاوية أشادت بتجربة "بيروت مدينتي"، لكنها في المقابل دعمت التوافق في زغرتا في وجه لائحة مستقلة تندرج بلا أدنى شك في سياق اللوائح الإعتراضية المستقلة. بيد أن الضغط المحليّ الذي وضعته "لائحة الانماء" على هؤلاء قد دفع بهم إلى اتخاذ مواقف غير متسقة مع عاداتها، ولكن أيضاً إلى الدفاع، أو التبرؤ أحياناً، من صفة "الإقطاعيين"، بحيث أنهم شعروا بالإضطرار لتبرير خيار التوافق في زغرتا بأنه يصب في مصلحة المدينة. فما كان من إحدى المواطنات إلا أن انتقدت هذه الإزدواجية بقولها لأحد النواب السابقين الداعمين للتوافق: "أنت إقطاعيّ في زغرتا، وحداثيّ في بيروت".

في النهاية، لعلّ القيمة المضافة الأهم لـ"لائحة الإنماء" في زغرتا تمثّلت بأنها أتت ليس فقط لتنافس وبشكلٍ جدّي اللوائح المدعومة من النخب الحاكمة أو الأحزاب التقليدية، إنما خصوصاً لكسر إحتكار الزعامات للفعل الإنتخابي ومساره، على مستويات الترشح، والاقتراع، وحتى الجو الإنتخابي.

وفي حين لا يمكن الجزم بأن الأصوات التي ذهبت للائحة العائلات لا تريد التغيير، يمكن الجزم بأن الأصوات التي صبّت لصالح "لائحة الإنماء" ذهبت بعيداً في التعبير صراحةً عن أن التغيير ممكن، وقوى الإعتراض أصبحت إحتمالاً جدياً.

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية

 

[1] إجريت المقابلة في إهدن، بتاريخ 12 آب، 2016.