بفعل استقباله لأعداد كبيرة من اللاجئين، من المرجح أن يكون لبنان ساحةً ينشط فيها وكلاء تسفير إلى دول عبور، ومنها إلى دول أكثر ثراءً وتوفيراً لفرص عمل بأجورٍ جيدة. ويكون هؤلاء الوكلاء عموماً جزءاً من شبكةٍ دوليةٍ تنشط في كذا دولة تلبيةً لمطالب الهجرة غير الشرعية.
مع تزايد أعداد المهاجرين المفقودين أو القتلى بفعل الغرق، بات بإمكان هذا النشاط أن يؤدي إلى القتل. وبالفعل، شهدت منطقة عكّار منذ زهاء ثلاث سنوات تراجيديا عائلية ذهب ضحيتها عشرات الأشخاص من عائلةٍ واحدة. وثمّة حكايات كثيرة مشابهة في مخيمات عين الحلوة والمية المية وغيرها. "المفكّرة القانونيّة" تنظر من خلال هذا المقال إلى التبعات القضائيّة لهذا النشاط، من خلال الملاحقة الأولى التي تمّ رصدها في هذا المجال (المحرّر).

غرق الفلسطينيّ اللاجئ في لبنان محمود خلال انتقاله إلى إيطاليا بطريقة التهريب. ثمانية لاجئين آخرين من مخيم المية ومية كانوا يومها موجودين في ليبيا منذ شهر وعشرة أيام، بانتظار أن يخفّ موج البحر كي يبحروا إلى إيطاليا. أربعة أشخاص آخرين كانوا على متن المركب الذي تعرّض للغرق قبالة السواحل الإيطالية منذ مدةٍ ليست ببعيدة، ومصير بعضهم ما زال مجهولاً. كما أن بعض اللاجئين الفلسطينيين وصلوا إلى إيطاليا بطريقة التهريب. هذه مقتطفاتٌ مما نقرأه في ملف التحقيقات القضائية التي تولاها فرع التحقيق في شعبة المعلومات في الجنوب، بإشراف النيابة العامة الإستئنافية في الجنوب. إلى ذلك، يتضمن الملف إشارة إلى شخصٍ لبنانيّ كان من ضمن الأشخاص الذين كانوا بصدد التهريب من لبنان إلى تركيا عبر مرفأ طرابلس.

التحقيقات أشارت إلى تورّط 3 نساء بدرجاتٍ مختلفة. المرأة الأكثر ظهوراً تدعى حسيبة (فلسطينية). ذاع صيتها في صيدا، فبات يقصدها كلّ من احتاج السفر ولم يجد إليه سبيلاً شرعياً. وقد اعترفت حسيبة بتهريب الأشخاص بطرقٍ غير شرعية، موضحةً تفاصيل العملية التي كانت تتم بالتعاون مع زوج والدتها، وهو سوداني الجنسية ومقيم في الخرطوم. كانت تستحصل من خلاله على تأشيرات دخول إلى السودان لأشخاصٍ من مخيم عين الحلوة – صيدا، فيغادر هؤلاء بطريقةٍ شرعيةٍ عبر مطار بيروت إلى السودان، ومنه إلى ليبيا، وبعدها إلى إيطاليا بحراً بواسطة قوارب وبطريقةٍ غير شرعية. ترسل الأموال إلى زوج والدتها بمساعدة زوجها أحمد، الذي ينقل المبلغ المتفق عليه إلى شخصٍ سودانيّ الجنسية يعمل في أحد الفنادق منطقة جونية.

المدعى عليها الثانية اسمها ريتا. أكدت ريتا أن القارب الأخير الذي غرق قبالة السواحل الإيطالية كان على متنه أشخاص أمّنت هي لهم التأشيرات إلى السودان عبر مكتبها الذي تشاركها فيه غنوة، علماً أن من يتولى تسفير هؤلاء الأشخاص إلى أوروبا عبر ليبيا هو المدعو "أبو الخير". كان أبو الخير التواصل معه يتم عبر البريد الإلكترونيّ. وأوضحت المدعى عليها الثالثة غنوة أن "أبو الخير" سوري الجنسية، وقد تعرّفت إليه عبر شخصٍ لبنانيّ يدير مكتب سفريات في السودان.

تم توقيف النساء الثلاث في منتصف 2015 لمدة خمسة عشر يوماً. في إثرها، أصدر قاضي التحقيق الأول في الجنوب القاضي منيف بركات قراراتٍ بإخلاء سبيلهنّ لقاء كفالةٍ قدرها مليون ونصف ليرة لبنانية، وبعد تعهّدن بعدم مزاولة هذا الفعل ثانية. كما أصدر قاضي التحقيق قراراً بمنع السفر.

بتاريخ 7\12\2015، ظنّ القاضي بهنّ بمقتضى المواد 668 عقوبات وتمت إحالتهن للمحاكمة أمام القاضي المنفرد الجزائي في صيدا الناظر بدعاوى الحقّ العامّ. كما تمّ تسطير مذكّرة تحرّ دائم بحقّ الأشخاص الواردة أسماؤهم /ن في التحقيق. ولا تزال المحاكمة جارية، علماً أن القاضي المنفرد الجزائي أصدر قرارات برفع منع السفر عنهن. يُشار هنا إلى أن المادة 668 تعاقب "كلّ من اجتلب أو استوعد لنفسه أو لغيره نفعاً ما باختلاقه أخباراً أو بتلفيقه أكاذيب لحمل شخص على السفر أو لتوجيه مسافر إلى بلد غير البلد الذي كان يقصد إليه" بعقوبةٍ تصل في أقصى حدّ إلى ستة أشهرٍ حبس. ومن النافل القول أن المادة لا تتناسب بالضرورة مع الأفعال المدعى بها، إذ غالباً ما يكون المسافرون على بيّنةٍ من الدول التي يقصدونها والطرق غير الشرعية المتبعة لذلك. كما أن العقوبة المنصوص عليها فيها لا تتناسب مع خطورة الأفعال، فتؤدي في حالاتٍ كثيرة إلى تهديد حياة هؤلاء وفقدانها فعلياً في قوارب الموت.

بعد أشهرٍ من بدء القضية الأولى، ألقت دائرة الأمن القوميّ - شعبة معلومات الجنوب، القبض مجدداً على حسيبة بتاريخ 30\11\2015 على خلفية نشاطها في مجال تهريب الأشخاص وتأمين سمات مزورة. وإذ اعترفت مجدداً بإقدامها على تسفير الأشخاص، أقرّت فضلاً عن ذلك بتجديد وثائق سفرهم بطريقة التزوير، بواسطة لاجئين فلسطينيين معروفين في هذا المجال. وكانت الحكاية قد بدأت مع توقيف فلسطينيين من لاجئي سوريا، لدى محاولتهما المغادرة الى السودان بموجب وثيقتي سفر تبين أنهما مزورتان. وقد أدليا بأنهما أرادا تجديد وثيقة سفرهما بطريقةٍ شرعية، فتم إرشادهما الى المدعوة حسيبة. ثم تمّ الإدعاء مجدداً على حسيبة من قبل النيابة العامة الإستئنافية في الجنوب بتاريخ 9\12\2015 بمقتضى المواد 655 (مادة خاصة بالاحتيال) و668 عقوبات، وأحيلت للمحاكمة أمام القاضي المنفرد الجزائي في صيدا الناظر بدعاوى الحق العام. وما زالت المحاكمة جاريةً بعدما أخلي سبيلها مجدداً بتاريخ 7\4\2016 لقاء كفالةٍ مالية قدرها خمسمئة ألف ليرة لبنانية فقط.

قضيةٌ أخرى إذاً يثبت فيها عدم ملاءمة قانون العقوبات لجهود التصدّي لهذا النوع من هذه الجرائم. فلنتابع...

نشر هذ المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية