القضاء يصبغ الحكومة الجديدة في تونس: وزير العدل من خارج السياسة وقضاة في صلبها


2013-03-09    |   

القضاء يصبغ الحكومة الجديدة في تونس: وزير العدل من خارج السياسة وقضاة في صلبها

قدم يوم 08 مارس 2013 رئيس الحكومة التونسية المكلف السيد علي العريض تشكيلة حكومته الجديدة لرئيس الجمهورية لينطلق بعد طول انتظار مسار عرضها على المجلس الوطني التأسيسي لنيل الثقة. وشكل تعيين وزير عدل جديد مستقل سياسيا عن الأحزاب السياسية الحاكمة وتعيين ثلاثة قضاة بتركيبتها من الأمور التي استولت على اهتمام القضاة.
فبعدما وصلت العلاقة بين وزارة العدل وجمعية القضاة التونسيين إلى درجة القطيعة الفعلية خلال الفترة الماضية وذلك على خلفية اتهام الجمعية للوزارة بالسعي للتدخل في الشأن القضائي خدمة لمصالحها السياسية واتهام وزارة العدل لجمعية القضاة بالتسيس والتحالف مع المعارضة، أضحى التغيير في وزارة العدل من الأمور التي يحتاج اليها القضاء لإعادة بناء علاقة جديدة بين هياكلهم والجهة الحكومية تقطع مع فكرة التصادم وتؤسس للحوار. ويبدو أن مواقف جمعية القضاة كان لها دور بارز في تحديد ملامح الوزير الجديد: فبعدما كانت النية تتجه في البداية لاختيار أحد مساعدي الوزير السابق من القضاة السامين ليكون خليفته، أبدت جمعية القضاة تحفظها على التوجه وتمسكت بتغيير فعلي للوزير وهو موقف ساندته أحزاب سياسية من التحالف الحاكم وتم على اثر ذلك اختيار الأستاذ الجامعي الأستاذ نذير بن عمو ليكون الوزير الجديد وقد بادر السيد أحمد الرحموني الرئيس الشرفي لجمعية القضاة ورئيس مرصد استقلال القضاء بالترحيب بالاختيار.
تسبب تحزب وزير العدل السابق الذي كان يرأس بحكم القانون النيابة العمومية، في جعل أعمال القضاء من القضايا التي تشغل الرأي العام وموضع تشكيك دائم من الأطراف السياسية التي كانت تتهم القضاء بالخضوع للأجندات السياسية للأحزاب الحاكمة وهو أمر أثر سلبيا على الثقة العامة في القضاء. وقد يكون التوجه الجديد لتحييد وزارة العدل عن المحاصصة الحزبية عاملا يساعد في النأي بالقضاء عن التجاذبات السياسية ويساعد بالتالي في إعادة بناء الثقة في القضاء وان كان إصلاح القضاء فعليا يستدعي العمل على ضمان استقلالية القضاء عن السياسة ووزارة العدل بما يتجاوز مسألة استقلالية الوزير.
النأي بالقضاء عن السياسة كان المطلب بداية، غير أن تشكيلة الحكومة الجديدة كشفت عن سعيها الى الاصطباغ بمواصفات القضاء وعلى رأسها الحيادية بعيدا عن الحسابات الحزبية التي اتهمت بها الحكومة السابقة. فالتركيبة الحكومية أسندت وزارتي سيادة من الوزارات التي شغل أمر تحييدها عن الأحزاب السياسية لقاضيين، اذ تم تكليف القاضي السيد لطفي بن جدو بوزارة الداخلية فيما تم تكليف القاضي المتقاعد السيد رشيد الصباغ بوزارة الدفاع، وبالتوازي مع ذلك قلدت القاضية السيدة ليلى بحرية خطة كاتبة دولة لدى وزير الشؤون الخارجية. التجأت الكتلة الحاكمة للقضاة فعينتهم في الوزارات التي سبق وأن اتهمت بالسعي لتسييسها لتؤكد على جدية توجهها نحو ضمان حياديتها مستقبلا فكانت حيادية القضاء ونأيهم عن النزاعات الحزبية سلاحا التجأت إليه الحكومة لتضمن القبول العام بها. وكان من اللافت أن القاضيين اللذين تم تعيينهما على رأسي وزارة الدفاع والداخلية لم يكونا من الناشطين في المجال الحقوقي انما برزا في الساحة العامة بكفاءتهما المهنية ومواقفهما الجريئة في مجال عملهما.
قد يكون في تعيين عدد هام من القضاة نسبيا في التركيبة الحكومية تطور كبير وإخراج للوضع السياسي من الورطة كما قال القاضي السيد احمد الرحموني "باعتبار أن القضاة لا ينتمون لأي حزب سياسي"، لكن تتبع التعيينات الحكومية وتلك التعيينات التي سبقتها وأدت الى الحاق مجموعة هامة من القضاة الأكفاء المشهود لهم بالاستقلالية والنزاهة خصوصا من القضاء الإداري بالخطط الإدارية والحكومية السامية يؤدي إلى ابعاد رموز قضائية هامة عن الساحة القضائية في وقت تستشعر هذه الساحة حاجة ماسة اليهم، وخصوصا أنه يصعب أن تعود هذه الرموز بعد انتهاء تقلد المناصب المذكورة الى هذه الساحة بذات الحيادية والاستقلالية التي اكتسبتها سابقا.
احتاج القضاة إلى وزير عدل غير مسيس لابعاد التجاذبات السياسية عن مجالهم واحتاجت السياسة للقضاة بهدف تجديد ذاتها واستعادة بعضا من مشروعيتها المفقودة. وعلى هذا المنوال، بدا القضاء لحظة ابتعاد الوزارة المعنية بشؤونه عن السياسة وكأنه يقترب من السياسة او كأن علاقة القضاء بالسياسة ملهاة عنوانها البعد وحقيقتها اقتراب حتى الالتحام.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني