أصدرت محكمة القضاء الادارى (الدائرة السابعة - إستثمار)، برئاسة المستشار حسونة توفيق حكما قضائيا فى الدعوى رقم 60693 لسنة 66 قضائية بإلزام كلا من رئيس مجلس الوزراء ووزير الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات ورئيس الجهاز القومى لتنظيم الإتصالات بإتخاذ ما يلزم لاغلاق موقع "يوتيوب" لمدة شهر، وحجب وحظر جميع المواقع والروابط الالكترونية على شبكة المعلومات الدولية "الانترنت" التى تعرض مقاطع الفيلم المسىء للرسول (صلى) تحت مسميات مختلفة، مع الزامهم بالمصروفات، وأمرت بتنفيذ الحكم بمسودته وبغير إعلان وإحالة الدعوى لهيئة المفوضين لإعداد تقرير بالرأى القانوني فى الموضوع.
وقالت المحكمة في حيثيات حكمها[1](أن موقع "يوتيوب" المطلوب حجبه، بشبكة المعلومات الدولية الإنترنت داخل مصر، وكذلك حجب وحظر جميع المواقع والروابط الإلكترونية على الإنترنت، التي تعرض مقاطع الفيلم المسيء للرسول وحجب جميع المواقع والروابط الإلكترونية، التي تعرض مقاطع فيديو مناهضة للإسلام على الإنترنت، لا يزال حتى عشية صدور هذا الحكم يقوم بعرض هذا الفيلم على الروابط المختلفة داخل الموقع المذكور دونما ثمة إستجابة لما طلبه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بكتبه المؤرخة 9/1/2013 - رغم صدورها متأخرة جدًا من وقت عرض هذا الفيلم منذ ما يربو على ستة أشهر. وتقديمها، للمحكمة لمحاولة إظهار الجهاز بأنه قد قام بواجبه -، الموجهة إلى الشركات مقدمة خدمات الانترنت في مصر بتنفيذ ما انتهى إليه قرار الجهاز من إلزام هذه الشركات بحجب رابط الفيلم المسيء للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) على موقعي "جوجل ويوتيوب" على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) ومنع الدخول إليه من داخل جمهورية مصر العربية، وإتمام عملية الحجب وإخطار الجهاز بما قد يواجه هذه الشركات من صعوبات عند تنفيذ هذا القرار.
وقد ثبت للمحكمة، إستمرار قيام الموقع بالسماح بعرض ومشاهدة هذا الفيلم المسيء للرسول، بما يهدم كل العقائد الدينية الراسخة والقيم الأخلاقية والآداب العامة، ولا ريب أن الإبقاء على هذه المواقع وعدم حجبها يهدر القيم المشار إليها، ولا يمكن أن يدور ذلك في فلك حرية التعبير، لأن ما يعرض على هذه المواقع يعد من أبرز صور الإخلال بالمصالح العليا للدولة والأمن القومي الاجتماعي، ومن ثم كان لزاما على الجهة الإدارية اتخاذ كافة الوسائل اللازمة لحجب هذه المواقع عن المواطن المصري.وتاليا، يضحي جليا ثبوت المخالفة في حق موقع "يوتيوب"، وكذلك جميع المواقع والروابط الإلكترونية على الإنترنت التي تعرضه، ليغدو قرار الادارة المطعون فيه بالامتناع عن غلق هذا الموقع، لحجب وحظر جميع المواقع والروابط الالكترونية على الإنترنت التي تعرض هذا الفيلم اعتداءً صارخًا على أحكام الدستور والقانون، ويجعله مرجح الإلغاء عند الفصل في موضوع الدعوى، وهو ما يتوافر معه ركن الجدية في طلب وقف تنفيذ هذا القرار.
وقد استقر قضاء هذه المحكمة، على أنها وهي تنتصر للمبادئ والقيم الأخلاقية التي يقوم عليها الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في نطاق الانحياز لحرية الرأي والتعبير المسئولة، فإنها تهيب بالجهة الإدارية الوقوف عند مسئولياتها، وتنوه إلى أن مسئوليتها جد خطيرة في ألا تقهر رأيًا أو فكرًا وألا تحول بينه وبين حرية الوصول إلى جمهور المشاهدين والمستمعين، وأن تحمي الإعلام المستنير الداعم لحرية التعبير والمحافظ على تقاليد وأعراف المجتمع وحقوق المشاهد والمستمع والقارئ، إلا أنه في ذات الوقت يقع على كاهلها حماية القيم والأخلاق وحماية المعتقدات الدينية والأسرة المصرية من انتشار الغث من التشهير والإساءة والتطاول على الرموز الدينية والأديان السماوية، وأن تكون القدوة في تحقيق هذه الحماية في وقت سادت فيه الألفاظ الهابطة مسامع ومرأى الأسرة المصرية وتردت فيه لغة الخطاب والحوار.
وتطايرت الألفاظ البذيئة والشتائم، في كل صوب وحدب على الهواء وفي القنوات الفضائية وغيرها، وصارت سلاطة اللسان وتبادل الألفاظ القبيحة والمعاني الهابطة والتلاسن داخل أروقة الأماكن على اختلاف أنواعها وعبر القنوات الفضائية بألفاظ وعبارات خادشة للحياء، وسيلة الكثيرين في محاولة الانتصار لرأيهم والحط من رأي وكرامة الآخرين، خصوما كانوا أو مخالفين له، وطال الانفلات أشخاصا وهيئات الأصل فيها أنها القدوة لينفلت اللسان ليس بالشتائم وسب الأشخاص فحسب، بل بوصف بعضهم البعض بأوصاف تعف مدونات الحكم أن تحتويها وبلغ بعضها حد الإساءة، إلى الدين ذاته، في مناقشات فضائية مختلفة، وهي ظواهر من شأنها أن تهدم البنيان الديمقراطي وتعوق مسيرة تطوره.
ومن حيث إنه عن ركن الاستعجال، فإنه متوافر أيضًا في هذا الطلب لما يترتب على الاستمرار في تنفيذ القرار المطعون فيه، من نتائج يتعذر تداركها تتمثل في الاستهانة والاستفزاز لمشاعر المسلمين خاصة والمواطنين عامة فى المجتمع المصري.
وحيث إنه، وقد توفر لطلب وقف التنفيذ ركناه، فإن المحكمة تقضي بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه بالامتناع عن اتخاذ الإجراءات المقررة قانونا، بشأن البذاءات التي ارتكبها الموقع، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها حجب الموقع المذكور لمدة ثلاثين يوم، نظرًا لجسامة المخالفات الثابتة بهذا الحكم، مع إزالة مسببات المخالفات).
وقد جاء هذا الحكم ليؤكد على دور القوامة على المواطنين الذى تلعبه الدولة فى إطار رعايتها للأخلاق والآداب والنظام العام، والمستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية[2]، هذا فضلاً عن حرصها والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية وعلى تماسكها وإستقراراها وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها[3]. فهذا الدور قد نصت عليه عدد من الأنظمة السياسية فى دساتيرها للسيطرة على حرية الفكر والتعبير تحت مسميات عدة منها حماية الآداب العامة والنظام العام، وأخلاق الأسرة وتعاليم دينها.
والواقع أن الحكم بهذا المعنى يشكل مخالفة لحرية التعبير التى نادى بها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها فى المادة 19 منه، والتى أجازت إخضاع تلك الحرية لبعض القيود شريطة أن تكون محددة بنص القانون او أن تكون ضرورية، ذلك لأحد أمرين، إما لإحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو لحماية الأمن القومى أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة[4].
فالمقصود بإحترام حقوق الآخرين وسمعتهم، هو الحؤول دون التعسف فى إستخدام حرية التعبير، التي يبقى هدفها الأساسي هو إنارة الرأى العام بالمعلومات وليس التطرق لسمعة الآخرين وسبهم وإذاعة الأخبار المجردة عنهم أو إنتهاك حرمة حياتهم الخاصة.
أما بشأن حماية الأمن القومى أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة فهى مفاهيم نسبية ومرنة، تتغير بتعير المجتمع تبعا لما يسوده من عادات وتقاليد. والمقصود بالأمن القومى يعني سلامة المجتمع وإستقراره، والتدابير التى تتخذها الدولة لحماية أراضيها وإستقلالها من أي خطر خارجي، أو أي نشاط عنف يضر بوجود الدولة ذاتها. مع الأخذ فى عين الاعتبار بأن حرية التعبير لا تعتبر تهديداً للامن القومي إلا اذا ثبت أن هناك علاقة مباشرة بين التعبير واحتمال  وقوع العنف.
والمقصود بالنظام العام مجموعة من الأسس التى يقوم عليها كيان المجتمع سواء كانت سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو خلقية. فالنظام العام يختلف من دولة الى أخرى ومن إقليم إلى آخر.
ويرتبط مفهوم الآداب العامة بالنظام العام، وهو يشمل مجموعة القواعد الخلقية التى يعتبرها مجتمع معين المعيار الخلقي والأدبي الذى يسود مجتمعهم، ويضبط علاقاتهم الاجتماعية، ويلتزمون بإحترامها ولا يجيزون الخروج عليها بإتفاقات خاصة، وهى بذلك تشكل الجانب الاخلاقي لفكرة النظام العام. 
وبذلك يكون الحكم بقوله أن هذا الفيلم المسيئ من شأنه هدم العقائد الدينية الراسخة والقيم الأخلاقية والآداب العامة فضلاً عن أن الإبقاء على هذه المواقع وعدم حجبها يعد إهداراً لتلك القيم، واخلالا بالمصالح العليا للدولة والأمن القومي الاجتماعي، قد بالغ في وصف الفعل بحيث يقع تحت اطار الصور المقيدة لحرية التعبير كافة وجانب الأساس الفلسفى للقيود التى آتى بها العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية وفتح من خلال المبالغة والتضخيم في حيثياته بابا واسعا للعصف بحرية التعبير في قضايا قد تكون أقل أهمية وأكثر قابلية للجدل. كما تجدر الاشارة الى أن الحكم قد آل الى حجب الموقع كاملا وليس الفيلم المسيئ فقط، علما أنه يتوفر في هذا الموقع العديد من الأفلام والميديا الأخبارية الهامة، كما أنه موقع وثائقى يمكن الاعتماد عليه فى أمور شتى. وكان من الأولى تاليا لو اتخذ القاضى عند توقيعه قيود على حرية مثل هذه أن يأخذ بمعيار التناسب بين الضرر الواقع من الفيلم المسىء وحجب الموقع بأكمله بما يتناسب مع شروط المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.


[2] المادة 11 من الدستور المصرى.
[3] المادة 10 من الدستور المصرى.
[4] المادة 19 بند 3 من العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.