انعقدت في مقر جامعة الدول العربية في 27 و28 نيسان/أبريل الماضي أعمال الدورة السابعة للجنة حقوق الإنسان العربية المخصصة لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في لبنان. ونذكر أن مهمة اللجنة[1] الأساسية هي النظر في التقارير الدورية التي يتعين على كل دولة طرف تقديمها كل 3 سنوات، عن التدابير المتخذة لإعمال الحقوق والحريات المنصوص عليها في الميثاق العربي لحقوق الانسان.وتجري مناقشة التقارير الدورية مع الدولة المعنية من خلال وفد رسمي يمثلها، قبل أن تقوم اللجنة بإبداء ملاحظاتها وتقديم توصياتها عليه. وتتم المراجعة بحضور ممثلين عن جمعيات لبنانية وعربية في مجال حقوق الانسان، ويكون لهذه الأخيرة حق التقدم بتقارير موازية. وتعتبر هذه الآلية ترجمة إقليمية لآلية المراجعة الدورية الشاملة (Universal Periodic Review) أمام مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة، مع الاشارة الى أن مرجعية هذه المراجعة هو الميثاق العربي لحقوق الانسان فيما أن مرجعية المراجعة الدولية هي العهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وقد حضرت المفكرة القانونية[2] الى جانب عدة جمعيات لبنانية وعربية عاملة في مجال حقوق الإنسان جلسات مناقشة تقرير الدولة اللبنانية. وقد تمثلت هذه الأخيرة بوفد ضم الى جانب مندوب لبنان الدائم لدى جامعة الدول العربية، مستشارين من وزارات الخارجية والعدل والعمل والشؤون الاجتماعية، وممثل عن قوى الأمن الداخلي.

وكانت المفكرة قد أرسلت تقريراً موازياً لتقرير الدولة، أظهرت فيه الخروقات المتعددة لإستقلالية القضاء الفردية والمؤسساتية كما لمبدأي حياد المحكمة والقاضي الطبيعي، كما الانتهاكات الواسعة لضمانات المحاكمة العادلة.

خلال اليوم الأول وبعد تقديم تقرير الدولة اللبنانية، تناوب أعضاء لجنة حقوق الإنسان العربية لمساءلة الوفد واستفساره عن وضع واجراءات ضمان كل من الحق في الحياة والسلامة البدنية، واستقلال القضاء والمحاكمات العادلة، كما الحريات المدنية والسياسية. أما اليوم الثاني، فشهد استئناف المناقشة حول كل من الحق في الصحة والحق بحياة كريمة لذوي الإعاقة النفسية والجسدية والحق في العمل وحرية تكوين الجمعيات والنقابات المهنية والحق في التنمية، كما الحق في التعليم وفي مكافحة الرق والاتجار بالبشر وأخيراً الحق في حماية الأسرة وبخاصة النساء والأطفال.  

وقد طغا على التقرير اللبناني وعلى تعقيبات الوفد، المنحى السردي للتشريعات القائمة في المجالات المتعلقة بكل من الحقوق، دون الإشارة في أغلب الأحيان الى الاجراءات المتخذة لتطبيقها أو لأسباب امتناع الدولة عن تنفيذ التزاماتها. واستدعى ذلك في مرات عدة مقاطعة اللجنة للوفد في مساره السردي ومساءلته عن التطبيق وطلب إجابات محددة. ومثلاً في حقوق ذوي الاعاقة، عمدت الدولة الى تقديم القانون 220/2000 كأبرز انجازاتها في هذا المجال، غافلةً إعطاء أي معلومة عن التدابير المتخذة لادخاله حيز التنفيذ، أو تبرير لامتناعها عن ذلك لمدة 15 عاماً وحتى الآن.

وأُخذ على التقرير خصوصاً عدم إدراجه أي إحصاء حديث، واعتماده على مصادر غير رسمية، وإغفاله حقوق اللاجئين خصوصاً السوريين منهم، مع الدعوة الى مقاربة شاملة لحقوق اللاجئين في لبنان. وأخذت كل من عقوبة الإعدام والإجراءات المتخذة لمناهضة التعذيب حيزاً واسعاً من النقاش في اليوم الأول، حيث سُئلت الدولة عن المعيار المرتبط بانزال عقوبة الاعدام. واعتبر الوفد أن مكان النقاش ليس مناسباً اذ أن الميثاق العربي لا ينص على الغائها. أما بشأن التعذيب، فتذرّع الوفد بصعوبة الاستحصال على الدليل في قضايا التعذيب. أما في مسألة منع المرأة من منح الجنسية لأولادها، اعتبر الوفد أن ذلك لا يعود لسبب التمييز ضد المرأة بل لأسباب "دمغرافية"... ومن النقاط الهامة التي سُئلت عنها الدولة اللبنانية في مجال مكافحة الرق والاتجار بالبشر كان ملف التبني غير القانوني وبيع الأطفال بغرض التبني، دون أن تعطي الدولة أي اجابة في هذا الصدد.

وكان اليوم الأول قد اختتم بجلسة مغلقة للاستماع الى جمعيات المجتمع المدني اللبنانية. وبعد إثناء اللجنة على حرفية التقارير اللبنانية الموازية والتي "ساهمت كثيراً في اطلاع أعضاء اللجنة" على الاشكالات المطروحة لبنانيا، فُتح الباب أمام تعليقات الجمعيات التي تمكنت من إبراز التقصير الواضح في مجالات عديدة لضمان حقوق الانسان ومكامن الخلل التي تجعل تبريرات الدولة غير مقنعة.

وركّزت المداخلات بالتأكيد على إنتفاء أي مسار شفاف أو تشاركي للدولة مع المجتمع المدني في اعداد تقريرها على عكس ما صرح به الوفد.
وأوضحت المفكرة أن القاضي صاحب الاجتهاد التوسعي لمصلحة منح المرأة اللبنانية أولادها الجنسية والذي أبرزه الوفد على أنه تقدم في مجال حقوق الانسان، قد عوقب في التشكيلات القضائية اللاحقة لايقاف دوره الاجتهادي، مما يظهر أهمية مبدأ عدم جواز نقل القاضي غير المكرس في لبنان. كما تم التذكير بحرمان القضاة من حرياتهم الأساسية بالتجمع والتعبير، وبأن مجلس القضاء الأعلى الذي اعتبره الوفد احدى ضمانات استقلالية القضاء يُعين في لبنان بغالبية أعضائه من قبل السلطة التنفيذية. وتعقيباً على اعتداد الوفد اللبناني بقرار مجلس شورى الدولة الذي كرس "حق المعرفة" لذوي المفقودين وألزم الدولة بتسليمهم نسخةً عن تقرير اللجنة المتابعة للملف، تم التذكير بأنها تمنّعت بداية عن تنفيذ القرار ولم يحصل ذلك الا بعد تحركات إضافية للجنة أهالي المفقودين. وشدّدت المفكرة هنا على ضرورة إصدار توصية للبنان باستحداث آليات لضمان تنفيذ الأحكام الصادرة بوجه الإدارة.

المزيد على التقرير على الرابط ادناه

نشر في العدد 30 من مجلة المفكرة القانونية


[1]التي أنشئت بموجب الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي دخل حيز التنفيذ في 16 مارس/ اذار 2008.
[2]تمثلت المفكرة بكاتبة المقال.