بمناسبة تسييج منطقة الدالية، اكتشف ناشطو الحملة الوطنية لحمايتها وجود مرسوم صادر في 1989 يؤول الى التخلي عن أملاك عامة بلدية لأفراد من دون أي مبرر وفي تجاهل تام للأصول القانونية. وخلفية القضية أنه كان يتعين على مالكي العقارات في المنطقة العاشرة من بيروت أن يتخلوا عن 20% من مساحة عقاراتهم لتكون ملكا عاما للبلدية، في حال ارادوا الحصول على ترخيص لاقامة انشاءات معينة فيها (منتجع). وهذا ما قام به أحد المالكين هنالك خلال الثمانينات، فحصل على ترخيص للبناء بعدما تخلى عن جزء من مساحة عقاره للبلدية. وفي خضم الحروب الدائرة وتنازع حكومتي الرئيسين سليم الحص وميشال عون الشرعية، كان مالكو العقارات في هذه المنطقة يسعون جاهدين الى ثلاثة أمور: تمكين مستثمري المنطقة العاشرة من الحصول على حق حصري باستعمال الملك العام على الشاطئ، الغاء القاعدة التي تلزمهم بالتخلي عن جزء من مساحة عقاراتهم، وأخيرا، وهذا هو الأخطر، استعادة ما كان بعضهم تخلى عنه من مساحات بموجب القاعدة المذكورة. وبسحر ساحر، كان للمستثمرين ما أرادوا وذلك بموجب مرسوم موقع من وزراء في حكومة الحص، ومن بينهم وزيرين كانا يترأسان آنذاك تنظيمات عسكرية، وفي انتهاك صريح لسلسلة من الشروط الشكلية (عدم جواز اتخاذ قرارات مماثلة في فترة تصريف الأعمال على اعتبار أن الحكومة كانت في أحسن الأحوال في عداد المستقيلة، صلاحية حكومة موافقة البلدية، اعادة تصنيف الملك العام على أنه ملك خاص من الممكن بيعه، استشارة مجلس شورى الدولة، فضلا عن استشارة المجلس الأعلى للتنظيم المدني). ولحسن الحظ، تبيّن للناشطين أن هذا المرسوم بقي سريا ولم ينشر، فلم تسرِ بعد مهلة الطعن فيه. وعليه، تقدموا بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة لابطال المرسوم وعمليا لاستعادة المساحة المستباحة والتي تقدر قيمتها حاليا بملايين الدولارات. وقد قدم الدعوى جمعيتان من الحملة "الخط الأخضر" و"نحن".

واذ انتظر مقدمو اللائحة أن يشكر موقع لائحة الدولة في هذه الدعوى (أمين عام رئاسة مجلس الوزراء سهيل البوجي) مقدميْ هذا الاستدعاء لأنهما يسعيان الى استرداد أملاك عامة تم التخلي عنها بمرسوم من دون بدل أو مبرر في ظروف مشبوهة، عمد هذا الأخير ليس فقط الى تبرير الاعتداء الحاصل على الأملاك العامة، بل أيضا الى تبرير تجاوز كل الشروط القانونية لانجاز التخلي عن الأملاك العامة، منها تجاوز صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، عملا بنظرية الاستثناء. ومحل الضرورة بالنسبة اليه هو حماية الملكية الخاصة والتي تقتضي رد الملك الى صاحبه الذي كان تخلى عنه. ولا نبالغ اذا قلنا (مهما بدا ذلك غريبا) أن ممثل الدولة في هذه الدعوى بدا من خلال جوابه وكأنه يعلن أن الاعتداء على الملك العام يشكل ضرورة ومصلحة عامة من شأنها اباحة كل المحظورات. وبالطبع، أن يصدر كلام مماثل عند وضع المرسوم أمر منتظر بالنظر الى قيم الحرب السائدة آنذاك، لكن أن يعلن مسؤولون عامّون قيما مماثلة بعد ربع قرن من انتهائها، فذلك أمر يوحي بأن ثمة تردّ هائل في منظومة الحكم في هذه الدولة. 

وتبعا لذلك، تظهر هذه القضية أمرا غريبا: فخصم الدولة فيها والذي هو ناشطو الدالية، يتولى عمليا مهمة الدفاع عن مبادئها ومصالحها ويعمل على استرداد الملك العام، فيما يجدّ الذين يتولون رسميا الدفاع عنها للانقضاض على هذه المبادئ والمصالح وعلى كل ما هو عامّ.  

   
نشر في العدد السادس و العشرون من مجلة المفكرة القانونية