لا يوجد نموذج محدد ومثالي لإلية اختيار أعضاء المجالس القضائية وتشكيلها يمكن تطبيقه في كل البلدان، فالمسألة مرتبطة بعوامل داخلية، أهمها انعكاس النظام القضائي المتبع في الدولة مع ضرورة تحليل الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة به.
وفي ليبيا، ومع صدور القانون رقم (4 لسنة 2011 بشأن تعديل قانون نظام القضاء) بعد الثورة، تم إلغاء رئاسة وزير العدل للمجلس الأعلى للقضاء، وتشكّل مجلس القضاء لأول مرة في ليبيا من قضاة حصرا. وأصبح رئيس المحكمة العليا يترأس المجلس الأعلى للقضاء، إلى جانب عضوية رؤساء محاكم الاستئناف السبعة والنائب العام. ورغم عدم اتخاذ هذا المجلس بتركيبته القضائية الخالصة لسياسة إصلاحية موسعة، ووضع إستراتيجية واضحة لتطوير الجهاز القضائي، إلا أنه يُحسب له انحسار القيود على مشاركة القضاة في العديد من ورش العمل والندوات لمناقشة الوضع القضائي وتطويره وحرية تكوين التجمعات القضائية، فارتفعت أصوات المطالبة بانتخاب أعضاء المجلس وخاصة من القضاة الشباب، وإن كانت لم تصل لمرحلة الضغط والتصعيد. وهو ما دعا المجلس الأعلى للقضاء إلى التقدم بمبادرة جريئة تحسب له وإن تميزت بالارتجال. فقد عرض مشروع قانون لتعديل قانون نظام القضاء رقم 6 لسنة 2006 في مواده الخاصة بتركيبة المجلس، وأقر بنتيجة ذلك آلية الانتخاب بالاقتراع السري لكل أعضائه. فقد نصّ المشروع على استبدال رئيس المحكمة العليا بمستشار من المحكمة العليا تختاره الجمعية العمومية للمحكمة عن طريق الاقتراع السري ويكون رئيساً للمجلس، مع عودة رئيس إدارة التفتيش القضائي لعضوية المجلس، بالاضافة إلى النائب العام ومستشار عن كل محكمة استئناف من المحاكم السبع لا تقل درجته عن درجة رئيس بالمحكمة تختاره الجمعية العمومية للمحكمة عن طريق الاقتراع السري، ويكون أقدمهم نائبا للرئيس. كما شملت العضوية ممثلين عن إدارة القضايا وإدارة المحاماة العامة وإدارة القانون يتم اختيارهم بذات الإلية من أعضاء الإدارة ممن لا تقل درجته عن مستشار بحسب مشروع التعديل.
وقد برر المجلس الأعلى للقضاء هذا المسلك التشريعي في مذكرة إيضاحية أرفقها بالقانون، مبينا أن هدف المرحلة الحالية هو تأسيس قضاء عادل وبناء يتسم بالموضوعية. كما بين في هذه المذكرة وجوب أن يمارس رئيس المجلس وأعضاؤه وظائفهم (فيما عدا رئيس إدارة التفتيش على الهيئات القضائية) على سبيل التفرغ، نظراً لحجم عمل المجلس وأهميته في ضمان متابعة العمل القضائي وتنفيذ سياسته. وهو ما استلزم ألا يكون رئيس المحكمة العليا رئيساً له، نظراً لانشغاله بوظائف المحكمة سواء بوصفها محكمة نقض أو محكمة دستورية، وأن يتم اختيار رئيس المجلس من بين مستشاري المحكمة العليا بطريق الاقتراع السري.
وكان تعاطي الوسط القضائي مع هذا المشروع ايجابيا في المجمل، خاصة بين القضاة الشباب والتيار التجديدي في القضاء. فمثلا أيدت المنظمة الليبية للقضاة (أول تجمع مستقل للقضاة) المشروع من حيث المبدأ والفكرة، وشكرت صراحة المجلس لإتخاذه هذه الخطوة المتقدمة نحو جعل المجلس الأعلى للقضاء منتخبا من القضاة، وتفريغ أعضاء المجلس وتقرير ميزانية مستقلة له. ولكن كان للمنظمة بالمقابل تحفظات عدة على المشروع، وإنتقدته في جوانب عدة أبرزها وجوب ابعاد مستشاري المحكمة العليا عن عضوية المجلس باعتبار أنها أعلى الهرم القضائي وأن القانون الذي ينظمها مختلف. كما اعترضت المنظمة بشدة على عدم تمثيل قضاة المحاكم الابتدائية (القضاة الشباب) في المجلس.
وتحول المشروع الى القانون ( رقم 14 لسنة 2013 بشأن تعديل قانون نظام القضاء) الذي كان مفاجئاً للجميع. فقد تضمن نصاً غريباً وغير متوقع، بحيث اقتصر حق الترشح والتصويت لمن هو في درجة مستشار فما فوق، مما يعني أن المجلس لم يكن ممثلا لكل الشُّعب القضائية. فقد تم إقصاء قضاة المحاكم الابتدائية رغم أنهم يشكلون العدد الأكبر من القضاة. فمثلا عدد قضاة محاكم الاستئناف يبلغ 371 مستشاراً يحق لهم الترشح والتصويت، بينما تم إقصاء أكثر من 600 قاضيا في المحاكم الابتدائية، وكذلك الأمر في النيابة العامة التي حرم أعضاؤها البالغ عددهم 835 عضواً من حق التصويت .
أما باقي الهيئات القضائية فحدث ولا حرج، فمثلا إدارة المحاماة العامة البالغ عدد منتسبيها 1139 عضواً نجد أن من لهم التصويت والترشح لايتجاوز نسبته 20% من اجمالي المنتسبين لها.
والنقطة الأخرى التي شملها القانون بخلاف ما جاء به المشروع هي أن ممثل المحكمة العليا لا يكون رئيسا تلقائياً في المجلس، انما ينتخب الأعضاء الفائزون رئيساً من بينهم، وهذا ما حدث فعلاً. واذ تم اختيار المستشار المنتخب من محكمة استئناف طرابلس بنتيجة ذلك، انسحب مستشار المحكمة العليا من  المجلس احتجاجا، ولم يحضر أي اجتماع، بل أن الجمعية العمومية للمحكمة العليا لم ترشح بديلا له مما يعكس حالة التوتر في العلاقة بين الهيكلين.
وفي النهاية كان الناتج هو مجلس قضاء منتخب من بعض أطياف الجهاز القضائي ذوي الدرجات الأقدم وظيفيا، فيما منع باقي أعضاء الجهاز القضائي من أصحاب الدرجات الأقل حتى من المشاركة واختيار ممثليهم في المجلس. وقد أدى ذلك الى تكريس مقيت لقاعدة الهرمية، الأمر الذي دفع البعض الى تسمية المجلس تهكما بالمجلس الأعلى للمستشارين.
وبالواقع، تعكس هذه الارتجالية والعشوائية في السياق التشريعي القضائي عدم وجود إستراتيجية واضحة المعالم للنظام القضائي في ليبيا. فالمجلس الأعلى للقضاء لم يبن خياراته بشأن آلية الانتخاب وتشكيلة المجلس على دراسة مستفيضة للتطور التاريخي لفكرة المجالس العليا في الأنظمة المقارنة ودورها والتغييرات التي طرأت عليها.كما لم يعد خطة علمية دقيقة تبرر أسباب هذه النقلةوضرورتها على التنظيم القضائي في ليبيا، بل انه لم يعقد ندوة علمية واحدة لمناقشتها وإستطلاع الآراء حولها.
وهذا ما يجعلنا نؤكد على ضرورة أن يتم تضمين النصوص الخاصة باستقلال القضاء وتشكيلة المجلس الأعلى للقضاء في الدستور القادم. فالهيئة التأسيسة لصياغة الدستور شكلت لجاناً لأبواب الدستور ومنها باب السلطة القضائية وباب المحكمة الدستورية، وهي بذلك فتحت أمام القضاة والحقوقيين مجالا واسعا لإقتراح تصور دقيق لاستقلال السلطة القضائية، تصور يرسم الخطوط العريضة لتنظيمها بشكل ثابت ومستقر ويتماشى مع المعايير الدولية في هذا المجال. ومن المرجح أن تعرض اللجنة القضائية مسودتها المبدئية التي أنجزتها للتو للنقاش، مما يساعد فيما بعد في صدور قانون تفصيلي ينظم عمل السلطة القضائية بشكل لا يخالف المبادئ الحاكمة الرئيسية الواردة في الدستور.

قاض، رئيس المنظمة الليبية للقضاة

نشر في العدد صفر من مجلة المفكرة القانونية