حصانة المحامين، عنوانا لأزمة دورية بينهم وبين القضاة في تونس: تاريخ المحاكمات السياسية في مواجهة المبادئ القانونية


2012-12-04    |   

حصانة المحامين، عنوانا لأزمة دورية بينهم وبين القضاة في تونس: تاريخ المحاكمات السياسية في مواجهة المبادئ القانونية

عرفت العلاقة بين المحامين والقضاة التونسيين خلال الفترة الأخيرة توترا يعود لخلافات بين جناحي العدالة حول شروط التعامل بينهما في الإطار المهني. وكانت حصانة المحامي في مركز الصراع وسببه. فهياكل المحامين تصر على التمسك بالحصانة المطلقة للمحامي أثناء أدائه لعمله في المحاكم، وتذكر بأن المحامين يتعرضون لتجاوزات متكررة من قبل القضاة. في المقابل، ينظر القضاة بريبة الى مبدأ حصانة المحامي، ويتمسكون بأن الحصانة التي تم تكريسها بعيد الثورة التونسية ليست حصانة من الحصانات المهنية المتعارف عليها، وإنما باتت مطلقة ترادف عدم قابلية المؤاخذة. ويشير القضاة في ندواتهم ومحاوراتهم إلى أن عددا من المحامين استغلوا هذه الحصانة كحصن في تعدياتهم المتكررة على القضاة خلال الجلسات العمومية. ويستند الصراع في أساسه القانوني لما قرره المرسوم عدد 79 لسنة 2011 مؤرخ في 20 آب (أوت) 2011 المنظم لمهنة المحاماة في الفصل 47 منه، كونه نص على انه “لا تترتب عن الأعمال والمرافعات والتقارير المنجزة من المحامي أثناء مباشرته لمهنته أو بمناسبتها أية دعوى ضده ولا يتعرض المحامي تجاه المؤسسات التي يمارس مهنته أمامها إلا للمساءلة التأديبية من هياكله المهنية”، وفق أحكام المرسوم نفسه.
وعاد الجدال حول هذا المبدأ بعد مضي سنة كاملة من التطبيق الفعلي لحصانة المحامي على خلفية خلافات طرأت بين بعض المحامين وقضاة بمناسبة قضايا تعهدوا بها. وعزز الأمر ما رافق ذلك من تجاوزات ينسبها كل منهم للآخر في تصريحات صحفية يتم الإدلاء بها على هامش القضايا المنظورة. اذ يستنكر القضاة تعمد عدد من المحامين إفشاء سرية التحقيقات ونسبة اتهامات لهم بعدم الحياد والضعف المهني بوسائل الإعلام للتأثير على قراراتهم دون أن يكون القضاة قادرين على رد التهم بسبب التزامهم بواجب التحفظ. وفي مقابل ذلك، يدعي المحامون بأنهم أضحوا يعجزون عن الاضطلاع بدورهم في الدفاع عن موكليهم جراء سوء التواصل بينهم وبين القضاة.
وتجد أزمة الثقة بين القضاة والمحامين جذورها التاريخية في ظاهرة الفساد التي عصفت بالقطاعين قبل الثورة. فقد عانى المحامون طويلا من تسلط قضاء التعليمات، وأفقدتهم المحاكمات الشكلية ثقتهم في القضاء ودفعتهم لفضح تسييس قضاء الإدارة وتحديه بإبراز رفضهم له والمجاهرة بعدم احترامه. فيما عانى القضاة من تسلط محامي السلطة الذين استغلوا نفوذهم لإرهابهم ومن المحامين الفاسدين الذين أثروا على حسابهم وكانوا يحصلون على أموال حرفائهم(زبائنهم) ويوهمونهم بأنهم سيدفعونها رشاوى للقضاة. وقد عانى القضاة والمحامون في عمومهم من شبكات فساد ضمت محامين وقضاة وخبراء عدليين جعلت أسرة القضاء الموسعة تفقد مصداقيتها لدى العموم، وأدت لانتشار الريبة وعدم الثقة في فضاء العدالة.
كما كانت وزارة العدل تجيد توظيف العلاقة بين القضاة والمحامين بما يخدم استمرار سطوتها على مرفق العدالة. لا بل حرصت الوزارة خلال الحقبة الاستبدادية على توتير علاقة المحامين بالقضاة: فكانت تسدي تعليماتها للقضاة الموالين لها لكي يتولوا معاملة لسان الدفاع بجفوة خلال المحاكمات السياسية فيبدون صرامة كاملة حيالهم وصولا الى جعل المرافعات التي تكشف فساد الإجراءات القانونية وتوظيف القضاء في الصراع السياسي تهما تلاحق المحامين. وبموازاة ذلك، كانت نفس الوزارة الجهة التي تتقبل مؤاخذات هياكل المحامين على العمل القضائي وتعمل على حل هذه المشاكل بشكل قوامه مناشير عمل أو تعليمات شفوية توجه للقضاة لكي يلتزموا بما تطلبه هذه الهياكل. ويستفاد من ذلك أن وزارة العدل كانت تؤجج أزمات العلاقة بين جسمي القضاء والمحامين لعزلهما بعضهما عن بعض وللتقرب من المحامين على حساب القضاة الذين كانوا الحلقة الأضعف في المعادلة.
وأنهت الثورة الآثار الظاهرة لتدخل السلطة التنفيذية في العلاقة بين المحامين والقضاة. وزال نظريا سبب التوتر الدائم ووجدت الظروف الموضوعية لاعادة تشكيل العلاقة بين جناحي العدالة ذاتيا ومن دون تدخل خارجي في اطار مقاربة تكاملية. وكان يتوقع أن ينجح المحامون والقضاة، ولا سيما هؤلاء الذين ناضلوا من أجل فرض استقلال القضاء خلال الحقبة الاستبدادية في تجاوز منطوق النصوص القانونية ليؤسسوا لشراكة فعلية بينهم غايتها إصلاح منظومة العدالة، غير أن الصراعات الداخلية التي عرفها جسما المحامين والقضاء والصراعات الداخلية داخلهما منع من إيجاد مرجعيات مشتركة بين القطاعين تتيح التحاور الرصين في الأزمات الحادثة وتسمح لشيوخ المهنتين من التدخل لنزع فتيلها في الزمان الملائم.
وقنط القضاة من الدور المدعى به لهياكل تأديب المحامين في حمايتهم من تجاوزات هؤلاء وقد عاينوا صمتها عن تتبع التجاوزات المسجلة. فبعد سنة من صدور مرسوم المحاماة ورغم تعدد حالات يشتبه في حصول اعتداء فيها من محامين على قضاة بعضها تناقلتها وسائل الإعلام ووثقتها، لم يسجل أي بحث تأديبي من قبل هياكل المحامين سواء بصفة تلقائية أو على خلفية شكايات تقدم بها قضاة لعمادة المحامين، وأهملت تماما.
 وفي موازاة حالة الفراغ التأديبي، تمسكت نقابة القضاة التونسيين بأن ما يصطلح على تسميته بحصانة المحامي أثناء المرافعة وبمناسبة التقارير التي يحررها بات استحداثا غير مسبوق في التشاريع الدولية لحالة عدم المؤاخذة. فالمحامي بات فوق المؤاخذة القانونية فلا يمكن أن يتم تتبعه من أجل تقاريره ومرافعاته ولو كان في تلك المرافعات والتقارير تعد ينال من حقوق الأفراد ويوصف جزائيا إن صدر عن سواه أو كان فيها اعتداء مباشر على مجلس القضاء. وعدت النقابة في مواقفها المعلنة أن تكريس عدم المؤاخذة تعسف تشريعي يتعارض بشكل كامل مع المبادئ الدستورية لكونه يخرق مبدأ المساواة أمام القانون ويحرم المتضرر من حقه في اللجوء للقضاء للتحصل على حقوقه المقررة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقد تطابق موقف النقابة المعلن مع مواقف سبق وأعلنتها جمعية القضاة التونسيين عند أزمة إصدار قانون المحاماة. وفي تحرك بدا متماهيا مع مواقف هياكل القضاة، تجاوز الادعاء العام مبدأ حصانة المحامي المطلقة بعد أن أذن الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس بفتح بحث تحقيقي ضد محام تعمد في أحد تقاريره اتهام القاضية المقررة بالتواطؤ مع خصم موكله بشكل يقدح في نزاهتها بناء على ما ذكره له حريفه (موكله) ودون دليل. استشعرت هياكل المحامين في القضية المنشورة خطرا حقيقيا على مكتسباتها فتولت بتاريخ 01 ديسمبر 2012 عقد جلسة عامة انتهت الى التأكيد على تمسك المحامين بحصانتهم ورفضهم لما عدوه خرقا فعليا لها. وانتهت الجلسة العامة إلى التلويح باستعمال التحركات النقابية من وقفات احتجاجية وإضرابات للتصدي للتهديد الحاصل لحصانة المحامي .
وقابل إصرار المحامين على الدفاع عن حصانتهم عزم من نقابة القضاة التونسيين على مواجهة محاولاتهم الضغط على مسار شكاية زميلتهم، ولوح قضاة النقابة من جهتهم  بعزمهم على الدفاع عن حرمة القضاء ورفض مبدأ عدم المؤاخذة لتعارضه مع المبادئ القانونية بكافة الوسائل النقابية.
ويكشف الصراع الحاصل في مستهله عن توازن في حدة التهديدات وعن رغبة مشتركة بين طرفي النزاع في خوض المعركة لنهايتها. فهياكل المحاماة التي عدت مرسوم المحاماة أهم انجاز مهني نجحت في اكتسابه تجد نفسها اليوم مهددة بفقدان نصرها الخاطف بعد أن لوح القضاء بإمكانية استبعاد مبدأ الحصانة بحجة خرقه لمبادئ المحاكمة العادلة. ويبدو أن الهيأة الوطنية للمحامين أضحت تعي أن استمرار حصانة المحامي بتصورها الراديكالي في قانون المحاماة المنتظر صدوره في سياق مراجعة إصلاحية لمرسوم المحاماة لا يمكن ضمانه الا اذا تحولت الحصانة الى أمر غير قابل للنقاش. وتجد هياكل القضاة نفسها مدفوعة للتصدي لما تعده مبدأ عدم مؤاخذة استجابة لرغبة القضاة الذين ساءهم أن يتعمد عدد من المحامين اهانتهم والتشهير بهم بمختلف الوسائل في إطار استغلال حماية هياكلهم المهنية لهم. ويجد القضاة في القوانين المقارنة والمبادئ القانونية سندا نظريا لهم في معركتهم ويجد المحامون في المقابل في تاريخ المحاكمات السياسية مبررا لحصانتهم الخارقة للعادة.
في النهاية، يصعب تصور نجاح شق من المتنازعين في حسم الصراع لفائدته بحكم توازن القوى الراهن والاشتراك في آليات الضغط المتبادل. ويظل الأمل في عودة الحوار بين الهياكل وفي أطرها كمخرج للأزمة يؤسس لتشارك فعلي في صناعة العدالة وهذا لن يتحقق إلا إذا توفر الوعي لدى القضاة باحتياجات المحامين وتفهم المحامون المصاعب التي يعانيها القضاة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني