تبعا لحادثة الطائرة الأثيوبية، أوجد المشرع سابقة في التعاطي مع ضحايا الحوادث وتحديدا مع ورثتهم، مفادها اعفاؤهم "من رسوم ونفقات التّقاضي ومن رسوم الانتقال على جميع الحقوق والأموال المنقولة وغير المنقولة المتعلّقة بتركات هؤلاء الأشخاص". وقد تم اعتماد المبدأ نفسه في مشروع قانون الموازنة لسنة 2010 وفق النص الذي اعتمدته لجنة المال والموازنة برئاسة النائب ابراهيم كنعان. فقد نصت المادة 101 منه على "اعفاء تركات الشهداء من العسكريين والمدنيين اللبنانيين الذين سقطوا بنتيجة التفجيرات الارهابية الحاصلة خلال الأعوام من 2005 الى 2009 ضمنا، بما فيها اعتداءات مسلحي فتح الاسلام وتركات اللبنانيين الذين قضوا نتيجة سقوط الطائرة الأثيوبية وتركات المفقودين والغائبين من اللبنانيين الثابت فقدانهم وغيابهم خلال الحوادث اللبنانية بين تاريخ 13 نيسان 1975 وتاريخ 13 تشرين الأول 1990 بأحكام قضائية من رسم الانتقال". وقد صرح النائب كنعان لصحيفة النهار "أن الجميع ساهم في اقرار هذه المادة" .. ف"الدولة التي لا تنظر الى شهدائها لا تكون جديرة بالولاء والتضحية" (النهار 16 تشرين الثاني 2010). في هذا المكان، نقدم قراءة نقدية لهذا الاعفاء. فمن دون الانتقاص من أي شهيد أو ضحية أو من أهمية التضامن الوطني في جبر ضرر عوائلهم، هل يشكل الاعفاء الضريبي الوسيلة الأفضل للتعبير عن هذا التضامن؟
في الخامس والعشرين من كانون الثاني 2010، تحطمت طائرة تابعة للخطوط الجوية الأثيوبية في المياه الإقليمية اللبنانية بعد دقائق من إقلاعها من مطار بيروت وأدى الحادث الى وفاة جميع ركاب الطائرة وأفراد طاقمها[1]. حظيت الكارثة باهتمام إعلامي ورسمي عارم خلال الأسابيع والأشهر التي أعقبتها وآلت الى إصدار القانون رقم 115/2010 بتاريخ 26 حزيران 2010[2]. قضى هذا القانون في الفقرة الأولى من مادته الوحيدة بإعفاء "ورثة اللبنانيين الذين قضوا في كارثة الطائرة الأثيوبية (أصول وفروع وأخوة وأخوات) من رسوم ونفقات التقاضي ومن رسوم الإنتقال على جميع الحقوق والأموال المنقولة وغير المنقولة المتعلقة بتركات هؤلاء الأشخاص"، فيما نصت الفقرة الثانية على تعليق تطبيق المواد القانونية المخالفة لأحكام هذا القانون لمدة سنة واحدة من تاريخ صدوره، وقضت الفقرة الثالثة والأخيرة بالعمل بالقانون فور نشره في الجريدة الرسمية.
وبالطبع، يشكل إعفاء ورثة اللبنانيين الذين قضوا في حادثة تحطم الطائرة من رسوم الإنتقال جوهر القانون، فيما أن تدبيري الإعفاء من رسوم التقاضي وتعليق تطبيق المواد القانونية المخالفة لهذا القانون مجرد شرطين يخدمان التشريع ويسعيان الى تحقيقه في أفضل الظروف، لذلك سوف تنحصر ملاحظاتنا في إطار دراسة تدبير الإعفاء فقط. ولكن قبل المضي في ذلك، لا بد من إبداء ملاحظتين تتناولان القانون في شكله، وتثيران الأسئلة حول جدية المشترع اللبناني ونوعية القوانين الصادرة عنه.
أولا: سبق وأوردنا أن الفقرة الثانية من مادة القانون 115/2010 الوحيدة نصت على تعليق تطبيق المواد القانونية المخالفة لأحكام هذا التشريع في كل من قانوني رسوم الإنتقال والرسوم القضائية لمدة سنة واحدة من تاريخ صدور القانون رقم 115. أما العمل بالقانون فيتم فور نشره في الجريدة، أي، في حالتنا هذه، بعد خمسة أيام من صدوره. ثمّة إذا تفاوتا واضحا بين مدة تطبيق القانون، أي الاعفاء، التي لا تبدأ إلا عند نشره، ومدة تعليق المواد القانونية المخالفة له التي تبدأ عند تاريخ صدوره، وهو تفاوت غير مفهوم وقد حصل في الغالب نتيجة خطأ تقني طالما أن الهدف من تعليق المواد هو ضمان نفاذ الإعفاء.
ثانيا: من اللافت أن القانون قد اكتفى، بغية تعيين الورثة المعنيتين بالإعفاء، بالإشارة في الفقرة الأولى من مادته الوحيدة الى ورثة ضحايا "كارثة الطائرة الأثيوبية" دون تحديد رقم الرحلة أو حتى تاريخها- وهو أمر يتعارض مع إحدى المواصفات الرئيسة للقانون وهي الديمومة (permanence)[3] والتي تفترض وجوب تطبيق القانون، أي قانون بصورة عامة على كافة الحالات التي يلحظها منذ تاريخ نفاذه حتى تاريخ إلغائه. كما أنه يؤدي على الصعيد العملي الى إعاقة أي عمل بحثي مستقبلي يتناول هذا القانون. والواقع أن عبارة "كارثة الطائرة الأثيوبية"، دون أي تحديد إضافي، أليق بعنوان صحافي منها بعمل تشريعي.
 
وبالعودة الى مضمون القانون، من البديهي أن المشترع سعى الى استخدام الإعفاء للتعبير عن مدى تعاطفه مع ذوي ضحايا الكارثة والتعويض عن الأضرار الناجمة عنها. ولكن، أبعد من مشاعر التعاطف، ما مدى ملاءمة الإعفاء من ضريبة الإنتقال للتعويض عن الضرر؟ ولماذا تسعى الدولة الى التعويض عن ضرر تنفي بشكل كامل اي مسؤولية عن حدوثه؟ وهل هذا "التعويض" مطابق في طبيعته[4]للتعويض الذي ترتبه القواعد التقليدية للمسؤولية في القضايا المدنية او الإدارية؟   
: إناقرار حق ذوي الضحايا بالتعويض بمعزل عن اي مسؤولية للدولة عن الحادثة، انما يتماشى من حيث المبدأ مع التوجه القانوني الآيل الى تجاوز القواعد التقليدية للمسؤوليّة في اتجاه اعتماد سياسة ادارة للمخاطر الاجتماعية.
ففيما تفترض قواعد المسؤولية التقليدية أنّ كلّ ضرر ناتج بالضّرورة عن فعل شخصٍ ما، ممّا يرتّب عليه مسؤوليّة التّعويض تجاه المتضرّر، برزت تيّارات سياسيّة وقانونيّة في نهاية القرن التّاسع عشر تبعا للحداثة الصّناعيّة وما اتبعها من زيادة لمخاطر الحوادث والأضرار[5]،  نادت بتخطّي القراءة الحرفيّة لقواعد المسؤوليّة المدنيّة بهدف تسهيل حصول المتضرّر على تعويض وذالك تحت شعار الحقّ بالسّلامة[6]  (Droit à la sécurité) . و قد اتبع ذلك تحولات كبرى في قواعد المسؤوليّة المدنيّة في فرنسا، سرعان ما انعكست  في الأحكام والنصوص التّشريعية اللّبنانيّة.[7]وأدت إلى تغيّر كبير في النّظرة القانونيّة ازاء الحوادث وما ينتج عنها من أضرار. فقد أصبحت الحادثة "ظاهرة إجتماعيّة"[8] وغدت معالجة تلك الظّاهرة إحدى وظائف الدّولة ضمن ما بات يسمّى بسياسة "إدارة المخاطر"  (gestion des risques).فكثرت المؤسّسات القانونيّة الّتي تتولّى التّعويض عن الأضرار خارج إطار المسؤوليّة المدنيّة التقليدية، دونما حاجة إلى تحديد "مسؤول" يقع على عاتقه موجب التّعويض. وهكذا، قامت بعض هذه المؤسّسات على توزيع أعباء التّعويض عن الأضرار على مجموعة من المواطنين كالضّمان الإجتماعي وصناديق التّضامن الإجتماعي والمهني[9] فيما قام البعض الآخر منها على وضع هذا العبء على عاتق الدّولة، مباشرة" أو عبر صناديق التّعويض كصناديق التّعويض عن أضرار الحرائق وحوادث السّيارات.
وللوهلة الأولى، يمكننا أن نرى أن القانون 115/2010 هو دليل اضافي في اتجاه تطوّر سياسة إدارة المخاطر في لبنان وتحديدا في اتّجاه توزيع عبء الأضرار النّاتجة عن الحوادث. فهويقرّ بالاعفاء دون اللجوء الى اي قاعدة من قواعد المسؤولية المدنية كمايعفي الرّعايا اللّبنانيّين حصرا من ضريبة الإنتقال وهو في ذلك يتطابق في آليّة تطبيقه مع مؤسّسات إدارة المخاطر الّتي، كغيرها من المؤسّسات الإجتماعيّة، غالبا" ما تطبّق أحكامها على المواطنين دون سواهم من الرّعايا الأجانب.
ولكن النظر في موضوع الاجراء (الاعفاء الضريبي) انما يظهر أنّ هذا التّصنيف متسرّع بعض الشّيء. فهل يسوغ منطقيا القول بأنّ الإعفاء من ضريبة الإنتقال هو تعويضٌ جزئيّ عن الأضرار النّاتجة عن تحطّم الطّائرة؟  وما مدى صحّة توجه مماثل؟
فالتّعويض، حتّى ولو كان جزئيّا"، يحدد على ضوء الضّرر الذي يرمي هذا التّعويض إلى إصلاحه. فيما يخصّ الحالة التي يعالجها القانون 115/2010، يتمثّل الضّرر الّذي أصاب الورثة المعنيّين بوفاة أقربائهم في حادثة تحطّم الطّائرة. وغالبا" ما يراعي التّعويض في حالات مماثلة صلة القرابة بين الشّخص المتوفّي والقريب المنوي التّعويض عليه بالإضافة إلى اعتباراتٍ تتعلّق بعمر الشّخص المتوفّي...[10] ولا شيء من هذا القبيل في القانون المذكور: فنظرة سريعة الى النّقاشات النِيابيّة[11] الَتي سبقت التّصويت على هذا النّص تكفي للتّأكيد على أنّ المشترع لم يعر أدنى اهتمام للضّرر الّذي لحق بأي من الورثة قبل أن يقرّ إعفاءهم من ضريبة الإنتقال. فهل يمكننا الحديث عن تعويض في حالة كهذه حيث لم يتمّ أخذ الضّرر بعين الإعتبار؟
بامكان الفقه الفرنسي المتصل بالمعالجة القانونيّة للكوارث أن يقدم لنا اجابات على هذا السؤال، ولا سيما لجهة طبيعة الإعفاء من ضريبة الإنتقال[12]. فبالرّغم من تكاثر القوانين الهادفة إلى التّعويض المباشر أو غير المباشر عن الأضرار الَتي أحدثتها الكوارث[13]، لا أثر في التّشريع الفرنسي الحديث لأيّ نصٍّ يقرّ التّعويض عبر إعفاء المتضرّرين من موجبٍ ضريبيّ. ففي جميع هذه الحالات قامت الدّولة الفرنسيّة أو أحد الصّناديق المنشأة من قبلها بتقديم مبلغٍ من المال للمتضرّرين يعوّض كليّا" أو جزئيّا" عن الضّرر الّذي ألمّ بهم. وللحصول على أثرٍ لنصٍّ أعفى المتضرّرين من كارثة من موجبٍ ضريبيّ، يجب الرّجوع إلى ما قبل الحرب العالميّة الأولى، أو حتّى إلى... القرون الوسطى[14]. ففي مجتمعات القرون الوسطى "كانت الكوارث الزِراعيّة غالبا" ما تتسبّب بفقدان كامل المحاصيل، الأمر الّذي يؤدّي إلى تخفيضٍ ضريبيّ لصالح المنكوبين"[15]. إنّ اللّجوء إلى الإعفاء أو التّخفيض الضّريبيّ دونما الإلتفات إلى الضّرر اللاّحق بالمستفيد هو منتوج زمنٍ لم يكن فيه من الممكن إلزام الدّولة قانونيّا"، بحقوق معينة أو ترتيب مسؤوليّة عليها[16]، بحيث يشكّل الإعفاء في هذه الحالات تنفيذا" لواجبٍ أخلاقيّ أكثر منه لموجبٍ قانونيّ.[17]
وإذا التفتنا إلى خصائص تلك الإعفاءات، وجدنا أنّها تتشابه والقانون رقم 115... حتّى التّطابق. فهو عشوائيّ في تقريره وتقديره[18]، لا يراعي المساواة بين المستفيدين منه[19]، وهو أقرب إلى الهبة، يعبّر عن رغبة في الإحسان لا عن سعيٍ إلى العدالة[20].
وأبعد من التّشكيك في نيّة المشترع أو من انتقاد مضمون القانون، أي الإعفاء، ما يهمنا في هذا المكان هو قراءة أبعاد اللّجوء إلى هذا الإعفاء. فإعفاء بعض المواطنين من ضريبة الإنتقال ليس لبّ المسألة، لكنّ مجرّد لجوء الدّولة إلى هذا الإعفاء كردّة فعل ازاء كارثة ألمّت بالمواطنين يكشف عن بعض جوانب طبيعة علاقة هذه الدّولة بهؤلاء المواطنين. فهو يترجم علاقة غير قانونيّة بين الدّولة والمواطن، ليس بمعنى أنّها تتخطّى القانون، فالإعفاء ناتج عن قانون، بل بمعنى أنّها، جذريّا" لا تنتمي إلى حضارة قانونيّة. أي أنّ الإعفاء ناتج عن حضارة تتداخل فيها اعتبارات "رعويّة" بالعلاقة القانونيّة، فالدّولة تحسن، تهب، تعفي لكنّها لا تلتزم.
أخيرا"، يبدو أنّ هذا المنطق يتخطّى علاقة الدّولة بحاضر مواطنيها ليحكم قراءتها لماضيها وتاريخها فالنّقاشات النِيابيّة تظهر مطالبة نيابيّة بتوسيع نطاق الاعفاءات وتجاوبا وزاريّا[21] مع هذه المطالب بحيث تشمل ورثة "الشّهداء"، لكن تلك مسألة أخرى...

نشر هذا المقال في العدد صفر من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.


[1] كان على متن الطائرة 83 ركابا بينهم 58 لبنانيا بالإضافة الى 7 من أفراد الطاقم لم يتم العثور على كافة الجثث خلال عمليات البحث.
[2] نشر في الجريدة الرسمية، عدد 32، تاريخ 1/7/2010.
[3] François Terré, Introduction générale au droit, Dalloz, 7ème édition, 2006, n. 246 ; Henri, Léon, Jean Mazeaud et François Chabas, Introduction à l’étude du droit, Montchrestien, 11ème édition, 1996, n. 75
 
[4]لا نقصد هنا الطّبيعة القانونيّة بالمعنى الضيّق (nature juridique)بل التّوصيف او الانتماء القانوني
[5]François Ewald, L’Etat Providence, Grasset, 1986, p. 16 : « Paradoxe de nos sociétés, à la mesure que le bien être de chacun s’accroit augmente parallèlement la possibilité de … l’accident ».
[6]Geneviève Viney, Introduction à la responsabilité, 3ème éd., 2006 ;
مصطفى العوجي، القانون اللبناني، الجزء الثاني، المسؤولية المدنية، ص.8
[7]على سبيل المثال: المادّة 131 موجبات و عقود الَتي ترتِّب مسؤوليّة وضعيّة عن فعل الجوانب والفقرة الأخيرة من المادّة 122 الّتي تسمح للقاضي، تحت شروطٍ معيّنة، بفرض تعويضٍ على المجنون أو القاصر غير المميِّز
[8]François Ewald, op. cit. p. 17 : « Il y a toujours eu des accidents, ce n’est pourtant qu’au 19ème siècle, avec les accidents du travail que l’accident s’est isolé comme problème social spécifique impliquant à la fois une élaboration conceptuelle et des mesures pratiques propres… »
[9]مصطفى العوجي, المسؤوليّة المدنيّة, ص.8
[10]Max Le Ray, Evaluation du préjudice corporel, Litec, 17ème édition, 2004, n. 226 et s.
[11]www.lp.gov.lb
[12]Anne Guéguan-Lecuyer, Dommages de masse et responsabilité civile, LGDJ, 2004;Caroline Lacroix, la réparation des dommages en cas de catastrophe, LGDJ, 2008;Marcel Sousse, la notion de réparation de dommages en droit administratif français, LGDJ, 2004
[13]Geneviève Viney, Introduction à la responsabilité civile, n. 28 et s.
[14]لا يورد الفقه الفرنسي أمثلة عن تلك النّصوص بل يكتفي بذكر وجودها و تحليل أبعادها
[15]« Les calamités agricoles entrainant souvent des pertes de récoltes, donnaient lieu à des dégrèvements d’impôts pour les communautés sinistrés »،تقرير مجلس الشّورى الفرنسي،Responsabilité civile et socialisation des risques،2005
[16]M. Sousse, op cit. p. 239 : « Ce …s’explique aisément au regard des circonstances de l’époque. En effet …le principe de la responsabilité de l’Etat est encore très limité »
[17]A. Guéguan-Lecuyer, op. cit. p. 206 n. 154 : « …fondée sur une obligation morale, un sentiment de générosité, de bienveillance. »
[18]M. Sousse, op. cit. p. 230 : « Le législateur est totalement libre d’utiliser ou non des secours »
[19]الأمر الَذي يثير الأسئلة حول دستوريّة هذا القانون
[20]R. Savatier, “Vers la socialisation de la responsabilité et des risques individuels », Dalloz hebdomadaire 1931, p. 9 : « C’était affaire de charité et non de justice »
[21]وعد رئيس الحكومة بضمّ إعفاء ورثة الشّهداء إلى مشروع الموازنة    www.lp.gov.lbالأمر الذي تم عبر المادة 101 من مشروع قانون الموازنة العامة كما صدقته لجنة المال والموازنة.