تحاول "المفكرة القانونية"، بعد مرور أكثر من نصف عقد على الحرب السورية واللجوء السوريّ إلى لبنان، توثيق المواقف والتوجّهات اللبنانيّة الرسميّة في التعامل مع الأزمة، إن عبر تنظيم اوضاع السوريين المتواجدين على الأراضي اللبنانيّة، أو في التعامل مع الهواجس اللبنانيّة. من هذا المنطلق، تنشر "المفكرة" تباعاً سلسلة من المقابلات مع الجهات الرسمية المعنية بإدارة اللجوء السوري في لبنان. أولها تأتي مع مستشار وزير الداخلية والبلديات الدكتور خليل جبارة في حوار مع المحامية غيدة فرنجية والصحافية الهام برجس.
النقطة المركزية التي يتمحور حولها حديث جبارة هي الحاجة الملحّة لإنتاج سياسات تتعلق بـ"أزمة النزوح"، بهدف الخروج من حالة الفوضى القائمة. ولكن، يمكن الخروج من الحديث باستنتاج جليّ يفيد بإنتقائية السلطات في مدى إلتزامها بالقوانين والدستور عند تعاملها مع اللاجئين. إذ تتدخل لمنع البلديات من فرض رسومٍ غير قانونية على اللاجئين لعدم دستورية الاجراء، بينما تمتنع عن التدخّل في ما يتعلق بقرارات حظر التجوّل. ما يبرّره جبارة باختلاف طبيعة الهواجس التي تقف خلف نوعيتي الإجراءات.
إلى ذلك، تبدو المطالب الهادفة إلى تنظيم وضع اللاجئين السوريين في لبنان، ومنحهم الاقامات الرسمية، وتحريرهم من السلطات الإنتقائية، وكأنها مطالب أصيلة لوزارة الداخلية، لا يعرقلها سوى جمود النظام في إنتظار إنتهاء الحرب السورية، والتشرذم السياسيّ الفادح بين أطرافه. حتى أن مؤتمر لندن شهد خطّةً لإدارة اللجوء تعود على لبنان بمنفعةٍ إقتصادية مستدامة، وتستمر بعد عودة اللاجئين إلى ديارهم، وقد لاقت صدى عالمياً إيجابيّاً بحسب جبارة، لكن عرقلتها حال الدولة هذه. المشكلة إذاً لا يحتكرها اللجوء السوريّ، وإنما يُسأل عنها أولاً نظام الحكم.
 
لا وجود لسياسةٍ رسميّة في إدارة الأزمة
 
· المفكّرة: ما هو تقييمكم للسياسة العامة للدولة اللبنانية في تعاملها مع اللاجئين السوريين؟
  
جبارة: ترتبط مقاربة الدولة اللبنانية للنزوح السوريّ بنظرتها إلى الأزمة السورية. فعدم مبادرتها إلى وضع سياسات متعلقة بالنزوح منذ البداية في العام 2011، يعكس أمرين: أولاً، عدم وجود توازنٍ عضويّ في شكل الحكومة السابقة نظراَ لغياب التوافق الوطنيّ، وثانياً، قراءة القوى السياسية على اختلاف مواقفها للأزمة السوريّة على أنها قصيرة المدى. أدّى ذلك إلى إلتزام الحكومة السابقة بسياسة النأي بالنفس، والإمتناع عن الإستجابة لأزمة النزوح، باستثناء بعض العمل على المستوى المحليّ. وجاء تشكيل حكومة تمّام سلام كإشارة إلى عدم وجود خطّ زمنيّ واضح للأزمة. عندها، بدأ التبدّل في مواقف القوى السياسية مع تخلّيها عن الرهان على عامل الوقت بانتظار نهاية الأزمة السورية. من هذا المنطلق، لا يمكن أن ننظر إلى سياسات لبنانية لها علاقة بالنزوح السوري بعيداً عن مجموعة عناصر أساسية:

· اختلاف قراءة القوى السياسية للأزمة السورية، بينما أزمة النزوح السوري هي نتيجة الأزمة السورية.
· اتضاح عدم وجود أيّ سقفٍ زمنيّ لانتهاء الأزمة السوريّة وعودة النازحين، ما صعّب مسألة فصل العوامل الإنسانية عن تلك الإقتصادية والمرتبطة بالاستقرار، ولا عن كلّ المخاوف الأخرى. على هذا الصعيد، لا بد أن نلتفت إلى أن مجتمعاتنا تعبّر في مكانٍ ما عن وجدانٍ معين يجب إحترامه. جزء من هذا الوجدان هو مخاوف مرتبطة بأزمات أخرى، مثلاً الأزمة الفلسطينية والعوامل الطائفية والشباب المتدرب على إستخدام السلاح، إلخ. هذه الأمور يجب أن تؤدي إلى نتيجة واحدة مفادها أنه لم نعد قادرين على تنفيذ سياسات مؤقتة. لم يعد ممكناً أن نقول للناس: تحملونا سنتين أو ثلاثة لننتج سياسات تتعلق بالنازحين السوريين.
· الضعف المؤسساتي في صنع القرار، بشكلٍ خاص بعد مرور سنتين ونصف على الفراغ الرئاسي، وما استتبعه من مشاكل لها علاقة بعدم انتاجية الحكومة، بالإضافة إلى غياب التشريع والموازنة إلخ، أيّ، باختصار، أزمة النظام اللبناني.
كلّ هذه العناصر صعَّبت القدرة على إنتاج سياسات لها علاقة بأزمة النزوح. ورغم ذلك، لا تزال الحكومة حتى الآن تتفق على حدٍّ أدنى من المسلمات. وهذه المسلمات سلبية الطابع: لا للتوطين، لا للعمل الدائم... أي أنها مجموعة من "اللاءات"، فالحكومة متفقة على ما لا تريده وليس على ما تريده. في المقابل، القرار الوحيد الملموس عن الحكومة صدر في بداية العام 2015،ينظم دخول السوريينإلى لبنان[1]، والقرار الثاني أوقف تسجيل السوريين لدى مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين مع فتح هامشٍ للحالات الإستثنائية. هذه السنة، حاولت اللجنة الوزارية تطوير هذه الآلية وقدمت الحكومة ورقة في مؤتمر لندن[2].ولكن الورقة لم تتحوّل إلى قرارات. يمكن القول إذاً أن التعامل مع الأزمة مبنيّ على ما هو أسهل. فمن الأسهل أن نتفق ونقول: "لا". الموجود حالياً ليس سياسة سيئة، بل الحدّ الأدنى من التوافق السياسيّ الذي أنتج السياسات القليلة المرتبطة باللجوء. فعندما تنتقدنا المنظمات الدولية على سياسة سيئة لديها تأثيرات سلبية، ليس لدينا تبرير لأن الموضوع يرتبط بالسياسة. إن أزمة النزوح السوريّ أثبتت أن النظام اللبنانيّ لا يتأقلم مع الأزمات الكبرى، ويصل إلى مرحلة الشلل. فهو نظام لا يسقط ولا يتقدّم. الحدّ الأدنى المعتمد حالياً يسمح بألا تؤدي أزمة النزوح السوريّ إلى تعزيز المزيد من الإنقسامات السياسيّة.

اليوم، وبعد سنواتٍ من أزمة النزوح السوريّ، يمكننا التكلّم عن عاملين أساسيين سيؤثران على أوضاع النازحين السوريين في لبنان: من جهة، أدرك الجميع أن الأزمة السورية، وبالتالي النزوح، ليست مؤقتة، بات من اللازم التوقف عن التعاطي معها بناء على قاعدة الاستثناء. ومن جهة ثانية، بدأ موضوع النزوح السوري يرتبط بأدبيات التنافس السياسي في لبنان، أيّ أنه أصبح جزءاً من خطاب الأحزاب، ما سيزيد مع إقتراب الانتخابات النيابية السنة المقبلة. سيتم اللعب على تداعياتها السلبية على المواطنين اللبنانيين، أو تحميل النازحين مسؤولية التدهور بالوضع الأمني أو الإقتصادي، او حتى على نوع من المخاوف له علاقة بالوجود والديمغرافيا. بالنتيجة، وصلنا إلى تقاطع طرق، إما أن تذهب الدولة نحو إنتاج سياسات أو ستؤدي الأزمة إلى تعزيز الإنقسامات السياسية، ويتحول موضوع النازحين إلى سبب للإنقسام السياسي الداخلي. وإلا، فالخيار الوحيد المتبقي يكون بالوقوف عند هذا التقاطع والإنتظار.
 
· المفكرة: تقولون أننا أمام تقاطع طرق قبل إنتاج سياسات واضحة، لكن الواقع يُظهر اتجاهاً واضحاً نحو التضييق أكثر وأكثر على السوريين وتعزيز عدم إستقرار أوضاعهم.
 
جبارة: أعتقد أن السياسات لم تذهب باتجاه التضييق أكثر على السوريين، بل أن غياب السياسات خلق حالة فوضى نظراً لاختلاف المعايير والقرارات. نرى ذلك في الإجراءات المختلفة التي اعتمدتها البلديات: بلدية تأخذ قراراً جيداً وأخرى تأخذ قراراً سلبياً، بلدية تضع حظر تجوّل وأخرى تسجلهم وتفرض دفع الأموال، بلدية تؤمن فرص عمل للسوريين وأخرى تشغلّهم سخرة، بلدية تطرد من له كفيل من خارج البلدة وأخرى تسوق نفسها وتحصل على تمويل من المنظمات الدولية. إذاً، نرى فوضى وليس تضييقاً. فالموضوع لا يتعلق بعدم استقرار، بل بتغيرات دائمة تعكس عدم القدرة على وجود سياسات مركزية.
 
الداخلية، كسلطة وصاية على الأمن العام
 
· المفكرة: ألا يشكل سحب الإقامات الرسمية عن 70% من السوريين نتيجة تعليمات الأمن العام الصادرة في العام 2015 تضييقاً بعدما أصبح وجودهم على الأراضي اللبنانية بحد ذاته جرماً؟

جبارة: أصبح عدد النازحين السوريين كبيراً جداً، ولم يعد من المفيد أن نطبق عليهم قانون الأجانب. مع ذلك، لم نستطع إنتاج أيّ شيء خاص بالسوريين. وصلنا إلى فراغ يؤدي إلى مراكمة أزمات ومشاكل، منها الأطفال غير المسجلين في الأحوال الشخصية، والإقامات غير الصالحة، وفقدان أوراقهم الثبوتية بعدما احترقت في مخيماتهم. ففي حال احتجزنا من ليست لديه أوراق ثبوتية، ماذا نفعل بعد ذلك؟ لم نتمكن من فتح سجل خاص بالسوريين نظراً لمخاوف التوطين، ولم تعد قوانين الأجانب قابلة للتطبيق. قانون الأجانب يلزمنا بترحيل المخالف لشروط الإقامة، لكن فعلياً، لا تستطيع الدولة اللبنانية ترحيله. ما يؤدي إلى زيادة عدد من هم بلا إقامات، ونكون كدولة قد فعلنا ما هو أسوأ. وصلنا إذاً إلى فوضى وتقاطع الطرق، فإما ننتظر أو ننتج سياسات أو نراكم أزمات تتحول إلى قنبلة موقوتة في كلّ الجهات.
مؤخراً، خلال التحضير لمؤتمر لندن، طرحنا فكرة مفادها أن السوريين موجودون كواقع، فإذا قابلت تحسين شروط إقامتهم فائدةٌ ماليةٌ، لا ضرر في ذلك. كوزارة داخلية، لا نجد مشكلة في منح إقامة مجاملة للنازحين مقابل دعم عينيّ للأجهزة الامنية، خصوصاً الامن العام. كما لا مشكلة لدينا في أن يكون للسوريين فرص عمل مؤقتة في القطاعات الثلاثة: البناء، والزراعة، والصناعة، بشرط أن يرتبط ذلك بتأمين الإستثمارات والبنى التحتية التي تؤدّي إلى تحوّل هذه الفرص إلى اللبنانيين لاحقاً. غير أن كلّ التفاؤل الذي كان موجوداً في لندن، لم يعد موجوداً بسبب المآخذ الدولية على السياسات اللبنانية.
 
· المفكرة: هل تعتقدون أن وجود آلاف الأشخاص مقيمين بشكلٍ مخالف للقانون يخدم المصلحة العامة للبنان؟

جبارة: إن وجود 70% من السوريين من دون اقامات لا يصبّ في المصلحة العامة للبنان. لا بل لهذا الامر تداعيات إنسانية وأمنية وسياسية خطيرة على اللبنانيين والسوريين بطريقةٍ متساوية. لا يجوز أن يكون لدينا ما يزيد عن 500 ألف شخص غير مسجّل، ويشعر أنه مخالف للقانون. العديد من المناطق اللبنانية عاشت حالة تهميش تاريخي أنتجت طفّاراً ومشاكل لم نتمكن حتى الآن من معالجتها. لا يمكن أن نزيد عليها السوريين. ويؤدي ذلك إلى مشاكل عديدة لها علاقة بتنقلهم وتعاطيهم مع الأجهزة الأمنية وخوفهم واستخدامهم وسائل غير شرعية للتنقل. كلّ هذه المشاكل تخفّ وطأتها لو كانت لديهم إقامات صالحة. لذا من نظرة أمنية وانسانية وسياسية، السوريين مع اقامات أفضل بكثير من السوريين من دون اقامات.
 
الداخلية، كسلطة وصاية على البلديات
 
· المفكرة: في غياب السياسات المركزية، جاءت الاستجابة لأزمة اللاجئين على المستوى اللامركزي المحلي. ما هو تقييمكم لهذه الاستجابة ومدى فعاليتها؟
 
جبارة:حالة الفوضى والتقلّب وعدم إنتاج سياسات على الصعيد المركزيّ، أدّت إلى التحوّل في التعاطي مع الأزمة إلى مستوى المايكرو (المصغّر): إما قطاعيّ على صعيد وزارات معينة، أو على صعيد الوحدات الصغرى وهي البلديات. من جهتي، أوافق على إيجابية اللامركزية على المدى القصير. لو لم تتعاطَ البلديات مع أزمة النزوح السوري على مدى ست سنوات، لكان الوضع مختلفاً. كذلك، لو لم تتمّ خصخصة أزمة النزوح وعملت فيها المنظمات الدولية والمحلية، لكان الوضع بالتأكيد أسوأ، بمعزل عن مدى دخول ذلك ضمن إطار استراتيجيات وطنية. بالتالي، المستوى المايكرو ملأ فراغاً معيناً وخفّف من الأعباء. ولكن السؤال: هل يمكن البناء على ذلك في ظل أزمة نزوحٍ طويلة المدى، أم سنحتاج إلى توحيد المعايير؟ برأيي، لا يمكننا ألا نقوم بعملٍ جدي لتوحيد المعايير طالما لدينا كتلة بشرية يجب أن تتم إدارتها. فمثلاً، أين ندفن السوريين الذين يتوفون في لبنان، ونحن ليست لدينا مقابر كافية؟
 
· المفكرة: بصفتها سلطة الوصاية، ما هي التعليمات التي أصدرتها وزارة الداخلية إلى البلديات في ما يتعلق باللاجئين السوريين؟
جبارة: أصدرت وزارة الداخلية تعميمات محدودة إلى البلديات حول كيفية الإستجابة للنزوح. وهي بعض التنظيمات المتعلقة بالمخيمات العشوائية والمسافة التي تفصلها عن الطريق العام، والتعميم الصادر في 15 آذار 2014[3] حول تسجيل النازحين في البلديات. كذلك، ورثنا عن الحكومة السابقة القرار المتعلق بإنشاء الخلايا الأمنية على مستوى القضاء. تقوم بعض البلديات اليوم بجمع المعلومات عن النازحين، وإصدار بطاقات لهم كلٌّ في منطقتها، في إطار مبادراتٍ فردية مرتبطة بتوصيات الخلايا الأمنية.
 
· المفكرة: اتخذت بعض البلديات إجراءات تقييد بحق السوريين تتجاوز صلاحياتها القانونية، لا سيما حظر التجوّل الليليّ، تحصيل أموال بلا سند قانونيّ، منع إرتياد الأماكن العامة، والطرد من النطاق البلديّ. وتبيّن أنها مرتبطة برغبةٍ بإبقاء السوريين غير مرئيين عن أنظار اللبنانيين، وليس بمبررات أمنية جدية. كيف تتعامل الوزارة مع هذه الإجراءات؟ وهل تنظر بمدى قانونيتها وضرورتها وتناسبها؟
 
جبارة: بشكلٍ عام، تعامُلنا مع الاجراءات التي تتخذها البلديات يرتبط حالياً بكلّ حالة، أيّ بكلّ بلدية على حدى، نظراً لصعوبة الموضوع ولوجود ما يقارب 1080 بلدية مع غياب الدعم المركزي. لا توجد معايير واضحة ولكن نتعامل مع الموضوع بشكلٍ مرن إستناداً إلى معيارين أساسيين هما: الأمن والإستقرار من جهة، وقدرة البلدية على التحمّل ومعالجة المشاكل من جهة أخرى. نرفض العقاب الجماعي، لكننا نتخذ موقفاً معيناً إذا رأينا أن هناك تأثير جدّي على الإستقرار الإجتماعيّ.
بالنسبة إلى الرسوم، يمنع على أيّ سلطةٍ محليّةٍ أن تفرض أيّ رسمٍ على النازحين إذا لم ينصّ عليه القانون. وقد تدخّلت الوزارة مع إحدى البلديات التي فرضت رسماً مقابل تسجيل السوريين في العام 2015 لإعتبار هذه الممارسة مخالفة للدستور.
أما قرارات الطرد أو حظر التجوّل، وعلى الرغم من كونها مشكلة بحدّ ذاتها، فنحن لا نستطيع التدخل فيها ومنعها أسوةً بمنعنا فرض الرسوم. إن وزارة الداخلية لا تتدخّل حالياً لوقف حظر التجوّل كونه يدخل ضمن إطار الهواجس ولا علاقة له بحاجة البلدية، وهو بهذا المعنى لا يشبه مسألة تحصيل الأموال. فلو كانت البلدية تحتاج للأموال، يمكننا أن نؤمنها لها. ولكن لا يمكننا وحدنا كوزارة أن نعالج هواجس المجتمعات المحلية خارج إطار سياسات حكومية واضحة في هذا الموضوع.
من ناحية أخرى، تدخّلت الوزارة في ما يتعلق بشرطة بلدية عمشيت. نحن نولي أهمية كبيرة لموضوع شرطة البلدية، ونعمل على مشروعٍ وطنيّ لتطوير عمل شرطة البلدية من خلال تنظيم مدوّنة سلوك ومعايير إجرائية بالتعاون مع معهد قوى الأمن الداخلي. هذا المشروع أوسع من التعامل مع أزمة اللجوء السوريّ فحسب، ويشمل مجمل المناطق اللبنانية لإرتباطه بموضوع الأمن الوطني والإستقرار بشكلٍ عام.
 
· المفكرة: ما هي هذه الهواجس التي تستند إليها البلديات عند إعتماد إجراءاتٍ تقييدية بحق السوريين؟  هل من مخاوف أمنيّة جديّة؟
 
جبارة: تستخدم البلديات تبريرات مختلفة لقراراتها. بشكلٍ عام، المجتمعات اللبنانيّة تعبّر عن هواجسها بثلاثة أبعاد: البعد الوجودي والديمغرافي، البعد الإجتماعي والإقتصادي، والبعد الأمني. هناك نقطةٌ إيجابية لا بد من الإضاءة عليها: حتى اليوم، لم يظهر أن السوريين انساقوا نحو الجرائم المنظمة أو الإرهاب. لا يوجد أيّ دليل على أن السوريين النازحين او المسجلين لدى الامم المتحدة قد شاركوا بعمليات ارهابية. واتضح أن السوريين الذين شاركوا في هذه العمليات دخلوا من سوريا إلى لبنان لهذا الهدف. بالتالي، كان يمكن معالجة الهواجس الأمنية الموجودة لو كانت المخيمات منظمة، والنازحون يحملون إقامات، وأماكن إقامتهم وتنقلهم واضحة.
 
 
تعدّد البطاقات، وإشكالية التسجيل

· المفكرة: من وجهة نظر وزارة الداخلية، ما الفرق بين السوريّ المسجّل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والسوريّ غير المسجّل على مستوى الحقوق والواجبات؟

جبارة: القرار الذي أعفى السوريين في آب 2014 من الغرامات لتسوية أوضاع اقاماتهم لم يفرّق بين مسجّل وغير مسجّل. في مكانٍ ما، السوريون ليسوا موزعين إلى فئتين صارمتين. في العام 2014، عندما بدأ الكلام عن فكرة الكفيل وعن التعهد بعدم القيام بعمل مأجور (من أجل تنظيم إقامات السوريين)، كانت الفكرة مبنية على سياسة معينة للتفريق بين "اللاجئ الإقتصادي" (أي المهاجر الإقتصاديّ) وبين "النازح". الموضوع برمته ارتبط وقتها بالزيادة السريعة لأعداد النازحين المسجلين لدى المفوضية، وما انتجه ذلك من ضغوطات. فكان الحل بتخفيف عدد المسجلين لدى المفوضية، وليس عدد السوريين في لبنان. وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن المفوضية أيضاً اتخذت إجراءات حدّت فيها من تسجيل الأشخاص وفقاً لمعايير خاصة بها تنفصل عن سياسات الدولة اللبنانية.
إذاً، كانت هناك بوادر تعاون مع المفوضية لإنتاج سياساتٍ مبنية على تعريف النازح والتمييز بين النازح والسوري الموجود في لبنان لأسبابٍ إقتصادية، من خلال نوعٍ من الربط بين قاعدة بيانات المفوضية ومعلومات الدولة عن دخول السوريين وخروجهم، من أجل التمييز بين الفئتين، على أن يكون للنازح آليات حماية أكثر. هذا العمل كله شكّل محاولة لوضع استراتيجية للتعاطي مع أزمة النازحين بشكل كامل، إلا أن العديد من المعايير لم تستكمل، وضاعت في زواريب الخلافات السياسية، فلم تستكمل الخطة. لذلك، تظهر بعض الإجراءات غير منطقية أو غير متماشية مع المعايير الدولية. وصلنا في نهاية 2014 مع صدور القرارين المذكورين أعلاه عن مجلس الوزراء وحدهما، فبديا غير واضحين. ولكن إذا تم ربطهما بما كان يتم العمل عليه، لبدا الوضع أكثر وضوحاً.
 
· المفكرة: ما هو موقف وزارة الداخلية من مشروع منح بطاقات تعريف للاجئين السوريين الذي تتحضّر له وزارة الشؤون الإجتماعية؟ هل ستشكّل هذه البطاقات بديلاً عن الإقامات وبطاقات التعريف الصادرة عن البلديات، أم أن آليات تسجيل اللاجئين ستتعدد؟
 
جبارة: كان من الصعب أن نصل إلى توافق على منح إقامات للسوريين، فالبطاقات المؤقتة وبطاقات التعريف تعالج واحدة من المشاكل الأساسية وهي حرية التنقل. هذه البطاقة ليست بديلاً عن الإقامة، لكنها خيارٌ آخر لحلّ مشكلةٍ واحدة. لاحقاً، في حال البدء بإصدار بطاقات وزارة الشؤون الإجتماعية، من المفترض أن تتوقف البلديات عن إصدار بطاقاتها، ويتحوّل عمل الأخيرة إلى مؤازرة الوزارة للتسجيل. لا تزال بعض الأمور الإجرائية المرتبطة بهذا المشروع غير واضحة لكننا نتابع مع وزارة الشؤون ونعمل معها على إنجاح هذا المشروع. على أيّ حال، وزارة الداخلية ستلتزم بكلّ القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء في هذا الإطار.
 
· المفكرة: ما هو موقف وزارة الداخلية من تسجيل ولادات السوريين ومنحهم وثائق ولادة، علماً أن وزير الخارجية كان قد اعترض على ذلك؟
لا تعترض الوزارة على تسجيل ولادة السوريين من أجل عدم تفريقهم عن عائلاتهم، لكن لا يمكنها أن تخالف القوانين التي تفرض وجود إقامة من أجل الحصول على وثيقة ولادة.

نشر هذا الحوار في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية

 
[1] تعليمات جديدةللأمن العام لتنظيم دخول وإقامة السوريين في لبنان، المفكرة القانونية، 21/1/2015
[2] للاطلاع على الورقةالمقدمة من الحكومة اللبنانية في مؤتمر لندن في شباط 2016: https://2c8kkt1ykog81j8k9p47oglb-wpengine.netdna-ssl.com/wp-content/uploads/2016/02/Supporting-Syria-the-Region-London-2016-Lebanon-Statement.pdf
[3]- التعميم رقم 535/ص.م تاريخ 15/3/2014