تحت عنوان "أنقذوا كفرعبيدا"، نُفذ بتاريخ 10 أيلول 2016 اعتصامٌ عند شاطئ كفر عبيدا، شارك فيه عددٌ كبيرٌ من الجمعيّات البيئيّة والبحريّة والنوادي الرياضيّة البحريّة وتعاونيات صيادي الأسماك وخبراء وناشطين بيئيين، وعدد من رواد المكان من مختلف المناطق اللبنانية. وأتى الإعتصام للمطالبة بحماية الأملاك العامة البحرية ودرء الخطر الذي يهدد شاطئ كفر عبيدا والمناطق المجاورة، جرّاء مشروعٍ مزمع تنفيذه في هذا المكان يقضي بإشغال مساحة 37 ألف مترٍ مربّعٍ من الأملاك البحريّة الكفيلة بتدمير الثروة البحرية في المنطقة
يتمّز شاطئ كفرعبيداً بصخوره التي يندر وجودها في البحر الأبيض المتوسط. وتدعى هذه الصخور "بالمصاطب" أيضاً ولها دور حيوي جداً بالتنوع البيولوجي وبالسلسلة الغذائية للثروة البحرية بشكل عام. وبالنظر لأهميتها كانت قد أوصت العديد من المنظمات الدولية وحتى وزارة البيئة بجعلها محمية طبيعية.

لكن هذه الصخور على أهميتها، مهددة بالزوال نتيجة لمشروع تسعى "شركة إنماء الشواطئ اللبنانية" بتنفيذه. "ففي العام 2007، أقرّ مجلس الوزراء المرسوم النافذ حكماً رقم 955الذي يقضي بالترخيص لشركة "إنماء الشواطئ اللبنانيّة" بإشغال مساحة 37026متراً مربّعاً من الأملاك العموميّة البحريّة، متاخمة للعقارات رقم 262و263و297من منطقة كفرعبيدا العقاريّة (تبلغ مساحتها مجتمعة 19357متراً مربّعاً وتملكها الشركة المستثمرة). كما أجيز بحسب المرسوم للشركة استثمار 11483متراً مربّعاً (أملاك عموميّة بحريّة قابلة للردم خفضت لاحقاً إلى 4000متر فقط مجاز ردمها)، 6450متراً مربّعاً (منطقة صخريّة طبيعيّة)، و19093متراً مربّعاً (مسطح مائي)، وأجيز لها إقامة تجهيزات رياضيّة وسياحيّة مع أحواض سباحة وحدائق"[1].
إلاّ أن صاحب المشروع الأساسيّ توفي، ما أوقف المشروع لسنواتٍ عدّة. عاد الحديث يتناوله منذ نحو خمسة أشهر. وفي 25 آب 2016، خلال جلسةٍ حكوميّةٍ غاب عنها وزراء "التيّار الوطنيّ الحرّ" (المعارضين للمشروع)، وافق مجلس الوزراء على المرسوم الذي قيل عنه أنه يحظى بتأييدٍ شديد من وزير الإتصالات بطرس حرب. في المقابل، تتصدّى للمشروع مجموعاتٌ مدنيّة ومحليّة يهمّها الحفاظ على الشاطئ وحقوق الناس الإقتصادية والإجتماعية به.

في حديثه لـ"المفكّرة القانونيّة"، أكّد الناشط البيئيّ الدكتور بشير أبي سلّوم أنّ التحرّك الذي تشهده منطقة كفرعبيدا "ليس رفضاً للمشروع بشكلٍ مطلق ومجرّد، وإنما هو سعي للحفاظ على الأملاك العامة البحرية والثروة البيئية في المنطقة". وشرح: "تعمل شركتان على المشروع، الأولى هي "شركة إنماء الشواطئ اللبنانية"، بينما الشركة الأم هي "الحسام ترايدنغ" لأصحابها من آل عبد الاحد الذين سافروا منذ العام 1969 إلى الإمارات، وأسّسوها هناك. وربما يكون لهم شريكٌ إمارتيّ، إذ لا يمكن تأسيس شركة في الإمارت من دون شراكة مواطن. ومن المعروف أن هذه الشركة لديها مشاريع بمليارات الدولارات في العالم. ويقال أن كلفة بناء المشروع في كفرعبيدا ستبلغ حوالي 100 مليون دولار".
 
القضاء على حياةٍ بحريةٍ كاملة
يشرح الدكتور أبي سلّوم أن المشروع ينقسم إلى جزئين: "واحدٌ يقع ضمن أراضي صاحب المشروع، وهي ملكية خاصة لا علاقة لنا بها، لا بل على العكس نشجّع على إستثمارها. أما القسم الآخر الذي يعنينا ونعترض عليه فيتعلق بالأملاك العامّة البحريّة. نحن نريد المحافظة على حق الناس بالولوج إلى الشاطئ لأنه متنفسٌ لأهالي كفر عبيدا وآخرين غيرهم، كما العديد من الصيادين الذين يقصدون المكان للصيد، وهناك من يمارس في المنطقة أنواعاً من الرياضة البحرية كالغطس وسواه. وإلى ذلك، نحن نرفض أيضاً عمليات الردم المزمع القيام بها لتنفيذ المشروع".
يشرح أبي سلّوم أسباب رفض عملية ردم الشاطئ بأنها "ستقضي على قسمٍ من الحياة البحريّة". يقدّم معلوماته في هذا السياق: "بحسب الخرائط، يظهر لنا أنهم يريدون ردم مساحة 4000 متر مربع لبناء سنسولٍ على شكل حرف L، وكاسر موج، فضلاً عن إنشاء حوضين للسباحة. قسمٌ من هذين الحوضين يقع عند الصخور النادرة، ما يعني بطبيعة الحال أنهم سيكسّرون الصخور".
كذلك، سيأتي السنسول كعائقٍ أمام المسار الطبيعيّ للتيارات البحريّة التي تحمل معها ترسّبات ومواداً غذائيّة هامة للثروة البحريّة. وبالتالي، فإن المشروع لا يؤثر على موائل الأسماك عند هذه الصخور وحسب، إنما يمسّ أيضاً بمسار التيارات البحريّة على الشاطئ بأكمله: "لأن التيارات البحرية تأتي على شكل طاقةٍ مع الأمواج وترتطم بالصخور التي تحفرها بشكلٍ طبيعيّ. لكن، بوجود السنسول، ستصطدم هذه التيارات بمكانٍ صلبٍ أقرب من الشاطئ، ثم سترتد في البحر. وبالتالي، فإن الضرر لن يقف عند حدود شاطئ كفرعبيدا، بل سيطال المناطق المجاورة".
وأضاف أبي سلّوم: "هذا المكان هو هام جداً بالنسبة إلى موائل الأسماك، لأنها تقترب من الصخور والمغاور لتبيض. فإذا دخل نشاطٌ إنسانيٌّ كثيفٌ إلى المكان، كاليخوت وغيرها، وإذا غيّرنا معالم هذا المكان من خلال الردم، فإن ذلك سيؤثر على موائل الأسماك وبالتالي على الصيادين من منطقة البربارة الى منطقة قبة الذين يأتون للصيد سواء في كفرعبيدا أو بالبترون وبالتالي ستتضرر مصالحهم. وحتى لو كان الصيادون يصطادون في عمق البحر فإن السمك بداية يقترب من الشاطئ ليبيض وعندما يُردم هذا المكان فهذا الأمر سيدفع بالسمك للهجرة وترك المنطقة".
وإذ نوّه أبي سلوّم بأن "وزارة البيئة منعت ردم الصخر أو المساس به"، تراه يعتبر أن الهدم حاصلٌ لا محالة في حال تنفيذ المشروع: "ينوون إقامة مسبحين مستقلين، وأحواضٌ للسباحة تصل أجزاؤها إلى الصخر". كما يلفت إلى أن "المجلس الأعلى للتنظيم المدني اعتبر أن المشروع بشقه البحريّ مخالف لقانون الأملاك العامّة البحريّة. ولكنه ترك لوزير الأشغال العامّة والنقل مهمة إتخاذ القرار المناسب، فوافق الوزير عليه".
 
"
فيتو على دراسة الأثر البيئي"
 في مقاربته لدراسة "تقييم الأثر البيئي" التي يفرض القيام بها عند اتخاذ القرار بمشروعٍ كهذا، لفت أبي سلّوم إلى أن "الدراسة الوحيدة التي أجريت كانت في العام 2007. ومنذ ذلك الوقت، صاحب المشروع يقوم بتجديد الدراسة". ويعتبر ذلك مخالفةً واضحةً للمرسوم رقم 8633 حول أصول تقييم الأثر البيئيّ، الذي ينصّ صراحةً في المادة 13 منه على التالي: "يعتبر التقرير الصادر عن وزارة البيئة بشأن دراسة "تقييم الأثر البيئي" و/أو "الفحص البيئي المبدئي" صالحاً لمدة سنتين في حال لم تتمّ المباشرة بتنفيذ المشروع. عند إنتهاء المهلة، على صاحب المشروع إبلاغ وزارة البيئة برغبته بمتابعة المشروع، فتقوم وزارة البيئة بالتحقق عن نشوء عناصر جديدة تدعو لإجراء دراسة "تقييم الأثر البيئي" أو "الفحص البيئي المبدئي" مجدداً أم لا".
كما أشار إلى أن الناشطين، من الأساس، لم يتمكنوا من معرفة نتيجة الدراسة الأولى لـ"تقييم الأثر البيئي". ولمّا طلبوها، قيل لهم أن وزارة البيئة تمنع غير صاحب المشروع من الحصول على نتائجها. وهو قولٌ غير صحيح بتاتاً، إذ تفيد المادة 12 من المرسوم 8733 حول أصول تقييم الأثر البيئي، بأنه "يحقّ للعامّة والجهات المعنية الإطلاع على التقرير النهائي لـ"تقييم الأثر البيئي" أو "الفحص البيئي المبدئي" وتقرير وزارة البيئة ذي الصلة لدى الوزارة، على ألاّ يشمل هذا الحق في الإطلاع على أية معلوماتٍ تمسّ حقّ الملكيّة الفكريّة أو الصناعيّة أو أية تفاصيل متعلقة بماليّة المشروع"
 
"
أنقذوا كفرعبيدا".. ورئيس بلديتها
 عند الإعلان عن المشروع، بادرت مجموعة من الناشطين إلى التحرك لإنقاذ شاطئ كفرعبيدا، واستهلت نشاطها بإطلاق صفحةٍ على "فايسبوك" اسمها: "save kfarabida"، كانت بمثابة الشرارة التي أطلقت التحركات على الأرض، أولها إعتصامٌ جرى في 10 أيلول الماضي. وعن هذه المجموعة، قال أبي سلّوم: "نحن تجمّعٌ عفويّ يضمّ شباباً من منطقة كفرعبيدا وأشخاصاً يحبون هذا الشاطئ، قاموا بانشاء صفحة على الفايسبوك. وسائل التواصل الإجتماعي أسهمت في إسقاط أنظمة خلال ثورات العالم العربي المجموعة تضمّ مستقلين إلى جانب أفرادٍ ينتمون إلى أحزاب سياسية موجودة في المنطقة. كلّ همّهم حماية الشاطئ. محامون وقانونيون ومدراء وأناسٌ من كلّ الأطياف والألوان والمشارب والتوجّهات المهنيّة.. بإختصار، لبنانيون يريدون أن يكون شاطئ كفرعبيدا للجميع".
الحملة راهناً تجمع المستندات القانونية وتبحث مع المحامين الخطوات اللاحقة، وأبرزها اللجوء إلى مجلس شورى الدولة: "وسنتواصل مع الوزارات المعنية وفعاليات المنطقة من نواب ووزراء لمساندتنا"، بحسب أبي سلّوم.
يعدّ رئيس بلدية كفر عبيدا طنّوس فغالي (المدعوم من الوزير بطرس حرب) من أبرز داعمي المشروع، فيجد فيه فرصة عمل لأهالي المنطقة. كما أنه لا يتوانى عن شتم المعارضين على الملأ. أما أهالي كفرعبيدا فينقسمون بحسب أبي سلّوم بين مؤيد ومعارض للمشروع: "أكبر حجّة تستخدم ضدنا هي أننا معارضون للمشروع، ولكننا لسنا ضده. جلّ ما نريده هو المحافظة على حقنا في الوصول إلى الشاطئ وفي عدم ردم البحر".
كذلك، تُتهم الحملة بأنها "تسعى لتهريب المستثمر"، فيجيب أبي سلوم على ذلك بالقول: "الشقّ البحريّ من المشروع لن يدخل فلساً واحداً إلى البلدية. فهذه الأخيرة لن تستفيد سوى بمبلغ 30 ألف دولار سنوياً بدلاً من قيمة تأجير الشقق والشاليهات إلخ.. التي ينوي تشيدها في الأرض، وهو سعرٌ زهيدٌ بالنسبة إلى قيمة الأرض التي تصل إلى 2000 دولاراً للمتر الواحد".
تابع: "هناك مَن يقول أنه سيسمح لأبناء كفرعبيدا بالوصول إلى الشاطئ بينما الشاطئ هو مِلكٌ للشعب اللبناني بأكمله. ولنبعد سوء النية ونفترض أن صاحب المشروع إلتزم بوعوده بتشغيل اللبنانيين وبالسماح للناس بالوصول إلى الشاطئ، ثم تلقى عرضاً وباع المشروع لشخص جديد لا علاقة له بكلّ هذه الالتزامات، ماذا يمكننا أن نفعل؟".
في زيارةٍ لموقع المشروع، لا نرى سوى الردميات الإسمنتية. فخلال الحرب اللبنانية، قامت الميليشيات المسلحة ببناء الشاليهات والكابينات غير الشرعية في المنطقة، إلا أن الجيش اللبناني هدمها جميعها بعد إنتهاء الحرب، ولم يبقَ منها إلا ردمها. وحدها الصخور الغارقة في البحر تمنح المكان رونقاً وجمالاً لاسيما عند المغيب. أما رئيس البلدية الحريص على البلدة منذ 18 عاماً من ولايته فلم يفكر بإزالة هذه الردميات وإعادة الجمال الى المنطقة، فيما لا ينفك يتهم معارضة البعض للمشروع بالإنتقامية نتيجة خسارتهم الإنتخابات البلدية الأخيرة التي أسفرت عن التجديد له.
وفي هذا السياق، تتحدث الناشطة البيئية كلارا الخوري (التي كانت مرشحة للإنتخابات): "صحيح أنني خسرت الإنتخابات إلا أنني نلت 42% من الأصوات في أول ترشّح لي. ما اعتبره نجاحاً بحدّ ذاته. وهذه الحجة التي يستخدمها، لا طائل منها". وطالبت الخوري وزارة البيئة بتحويل هذا الشاطئ إلى محمية طبيعية، كما ذكر في الخطة العامة لتصنيف الأراضي والمصدّق عليها بمرسوم جمهوري رقم 2366صادر في العام 2009، واستناداً لدراسات عديدة صادرة عن وزارة البيئة ومجلس الإنماء والإعمار ومنظمات دولية ومحلية. وختمت الخوري بالقول: "جلّ ما نسعى إليه هو الحفاظ على الثروة البحرية وعلى حق الناس بالوصول إلى الشاطئ".

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية