في 2014، حصل ناشطو "الحملة الأهليّة للحفاظ على دالية الروشة" على نسخةٍ لمرسومٍ صدر خلال الحرب الأهليّة، في خضمّ الإزدواجية الحكوميّة سنة 1989. هذا المرسوم الذي مهّد لإستباحة أجزاءٍ واسعةٍ من الأملاك العامة في المنطقة العاشرة من بيروت (منطقة الروشة)، لم يُنشر في الجريدة الرسميّة ولا نُشر في أيّ وسيلةٍ أخرى. وقد سمح ذلك لناشطي الحملة بالتقدّم من خلال جمعيتي "الخط الأخضر" و"نحن"، بدعوى للمطالبة بإبطاله رغم انقضاء 25 سنة من صدوره، على أساس أن مهلة الطعن (شهرين) لا تسري إلا ابتداءً من تاريخ النشر. ترتدي هذه الدعوى أهميةً فائقة، ليس فقط لجهة هدفها المباشر (إستعادة آلاف الأمتار من الأملاك العامّة كما نبيّن أدناه)، وإنما أيضاً لجهة رمزيتها على أكثر من صعيد: فهي من جهة تشكّل خطوة أولى لإستعادة الأملاك العامة المنهوبة، ومن جهة أخرى، تعيد الإعتبار لحقّ المواطن بالتمتّع بالبيئة وتحديداً لحقّه بالولوج إلى الشاطئ. ورغم فداحة المخالفات التي اعترت المرسوم المطعون فيه[1]، بقيت السلطات المركزية والمحلية منسجمة مع السياسة السائدة منذ عقود والمتمثلة في غضّ الطرف عن الإعتداءات على الملك العامّ، أقله الإعتداءات الحاصلة في زمن الحرب. فممثّل رئاسة الوزراء، القاضي المتقاعد سهيل البوجي طالب برد الدعوى لإنتفاء الصفة والمصلحة[2] (!!). أما بلدية بيروت فقد لزمت الصمت في الدعوى رغم قرار المستشار المقرّر بإدخالها فيها وتكليفها بإبداء موقفها منها خلال شهر. وإذ ذاك، برز نشطاء الحملة وكأنهم وحدهم المعنيون بالدفاع عن الملك العامّ، كلّ ذلك وسط تباين مواقف القضاة حول صفتهم ومصلحتهم في القيام بذلك.

فهل يقرّ مجلس شورى الدولة بهذه الصفة على نحو يمكّن هؤلاء من الدفاع عن الملك العام وضمان حقّ المواطن بالبيئة، أم ينحاز للتأويلات والقواعد التقنية النافية لهذه الصفة، والتي تؤدي عملياً إلى تكريس حكم الأمر الواقع، بمنأى عن أيّ رقابةٍ قضائيّة؟ أسئلةٌ تزداد إلحاحاً بقدر ما تقترب الدعوى من خواتيمها وتتّسع دائرة المراسيم الآيلة إلى تخصيص إستعمال الملك العام، وآخرها ما يدور الحديث عنه في منطقة كفرعبيدا.
 
مرسوم سريّ لإستباحة المنطقة العاشرة: الإستثناء يتحول إلى قاعدة 
الغوص في أحكام المرسوم المطعون فيه، يظهر بشكلٍ جليّ ثلاثة تغييرات في هذه المنطقة.
أولاً، ألغى المرسوم الإستثناء الوارد في المرسوم 24-6-1966 والذي كان يحظر الترخيص لأيٍّ كان بإشغال الشاطئ حصراً في هذه المنطقة. وبذلك، فقدت شطآن هذه المنطقة خصوصيتها كمتنفسٍ لأهالي العاصمة، فتصبح مثلها مثل سائر شطآن لبنان معرّضةً للتحوّل إلى ملحقاتٍ لمنتجعاتٍ خاصّة، لا يلج إليها إلا زبائنها. وما يزيد هذا التغيير خطورةً هو أن الحكومة بالغت وتبالغ في منح حقّ الإشغال الحصريّ للشاطئ، وذلك على الرغم من تشديد المرسوم الناظم لإشغال الأملاك العامة البحرية (1966) على وجوب ممارسة هذه الصلاحية إستثنائياً. وعليه، وبدل أن تكون الشطآن في المبدأ مفتوحةً للعموم مع وجود بعض الإستثناءات القليلة، تحوّل الشاطئ اللبناني بفعل تعديّات الأمر الواقع ومراسيم الترخيص بالإشغال الحصريّ إلى ما يشبه ملحقاتٍ للأملاك الخاصة.

ثانياً، ألغى المرسوم القاعدة التي كانت تفرض على مالكي العقارات في المنطقة العاشرة التخلّي عن ملكيّة 25% من مساحة عقاراتهم لتكون ملكا عامّا للبلدية، في حال أرادوا الحصول على ترخيص لإقامة إنشاءاتٍ معيّنة فيها (منتجع)[3]. وهو بذلك ألغى خصوصيةً أخرى للمنطقة، مفادها ربط أيّ تصريح باستثمارٍ خاصّ فيها بمنح الحاصل عليه للبلدية مساحاتٍ تسمح لها بتأمين أماكن مفتوحة للجميع ومجاناً، في مسعى يرمي إلى التوفيق بين تمكين المالك من إستثمار عقاراته وحقوق أهالي العاصمة.
ثالثاً، وتبعاً لإلغاء القاعدة المذكورة أعلاه، أعاد المرسوم إلى مالكي منتجع "المريلاند" المقام في هذه المنطقة، المساحات التي كانوا قد تخلوا عنها لصالح بلدية بيروت من أجل الحصول على الترخيص ببناء منتجعهم (25% من مساحة عقاراتهم المستثمرة) وفق القاعدة المشار إليها أعلاه. وبناءً على ذلك، شكّل المرسوم أحد أشكال السطو "المقونن" على الأملاك العامة خلال فترة الحرب، بحيث تمّ بواسطته تجريد بلدية بيروت من مساحات حرجيّة واسعة عنوةً ومن دون أي مقابل.

وفيما أمكن حملة الدالية الطعن بالتغييرين الأخيرين، عجزت بالمقابل عن الطعن بالتغيير الأول المتمثل برفع الحظر عن الترخيص بالإشغال الحصريّ للشاطئ في هذه المنطقة. ومردّ ذلك هو أن الحكومة عادت وأصدرت مرسوماً آخر بهذا الخصوص في 30-10-1995، ونشرته في السنة نفسها في الجريدة الرسمية، ليصبح بمنأى عن الطعن بحكم إنقضاء شهرين من تاريخ نشره. لكن، يبقى بإمكان ناشطي البيئة أن يتحركوا مستقبلاً في حال إصدار أيّ مرسومٍ يجيز الإشغال الحصريّ لمساحاتٍ بحريّةٍ معيّنة للمطالبة بإبطاله على خلفية تجاوز حدّ السلطة، على أساس أن التوسّع في تعميم هذه الإجازة بات يقوّض حقّ المواطن الجدير بالحماية بالولوج إلى الشاطئ. ومن هنا أهمية كسب مسألة صفة المواطن ومصلحته في الطعن بمراسيم مماثلة.

الدفاع عن الصالح العام: هل هو مصلحةٌ شخصيّة ومباشرة؟
ردّا على السؤال المطروح في خاتمة المقدّمة أعلاه، رأى المستشار المقرّر سميح مدّاح في 5-5-2016 أنه ليس لجمعيتي "الخط الأخضر" و"نحن" صفة أو مصلحة بالطعن في المرسوم. وأتى ذلك ليخالف مطالعة مفوّض الحكومة المعاون ناجي سرحال المؤرخة في 12-5-2016 والتي خلص فيها إلى نتيجة معاكسة تماماً. وقد أُحيل الملفّ بكامله إلى الغرفة المختصة في مجلس شورى الدولة لإصدار قرارها في هذا الشأن: فإما تردّ الدعوى وفق قراءة المستشار مداح وتبقى المخالفة رغم جسامتها أمراً واقعاً، أو تعتبر أن للجهة الطاعنة صفةٌ ومصلحة فتعيد الملف للمستشار المقرّر لإبداء رأيه في أساس الدعوى، وتفتح المجال أمام إلغاء المخالفة.

وكان المستشار المقرّر قد أسند رأيه إلى أنّ مصلحة الجمعية في طلب إبطال قرار إداريّ تتوفر فقط إذا كان من شأنه "أن يحول دون إمكانية سعيها لتحقيق أهدافها، أو أن يعيق هذا السعي على نحو يجعل منه محكوماً بالقصور عن بلوغ الغاية وتحقيق المراد". وقد انتهى إلى القول بوجوب ردّ الدعوى لإنتفاء المصلحة المباشرة، طالما أن المرسوم يقتصر على وضع ضوابط لإشغال أملاكٍ عامّةٍ بحريّةٍ ليس من شأنها أن ترتب أيّ أثرٍ يحول دون تحقيق الجهة الطاعنة لأهدافها. وبذلك، لا يكفي وفق المستشار مدّاح، أن يكون المرسوم مخالفاً للقانون أو متعارضاً مع أهداف الجهة الطاعنة وتطلّعاتها وضمناً مع الصالح العام الذي تختصّ في الدفاع عنه، بل لقبول صفتها يجب أن تكون "الطاعنة" قد تكبّدت من جرّاء المرسوم ضرراً ماديّاً خاصّاً يتمثّل بمنعها عن ممارسة عملها أو إعاقته. وتبدو وظيفة القاضي الإداريّ في هذا التعريف وكأنها تنحصر في حماية المتقاضين إزاء الأضرار التي قد تمسّهم مباشرةً، فيما يرفع يده عن مسائل الإضرار بالصالح العام، والتي تبقى بالنتيجة حكراً للسلطات الحاكمة.
أما مفوّض الحكومة المعاون فقد اعتمد تعريفاً مغايراً تماماً لمفهوم المصلحة الشخصيّة والمباشرة. فالمصلحة التي يقتضي أن يأخذها القضاء الإداريّ بالإعتبار "عند النظر في صفة ومصلحة الطاعن في دعوى إلغاء أو إبطال قرارٍ إداريّ هي أوسع وأشمل من معنى المصلحة التي تجيز رفع الدعاوى الأخرى"، وذلك "رغبةً منه في الوصول إلى إبطال قرارٍ يكون مغايراً للقانون من أجل الحفاظ على مبدأ الشرعية وصيانة المصلحة العامة". وعليه، يكفي للقول بتوفّر صفة الجمعية ومصلحتها أن يكون الضرر الذي تكبدته من جرّاء القرار الإداري المطعون فيه معنوياً، أو بعبارةٍ أكثر وضوحاً، أن يؤدي القرار المذكور إلى مفاعيل مخالفة لأهدافها وللصالح العام الذي تتولى الدفاع عنه، حتى ولو لم يكن له أيّ مفاعيل أو تأثيرات ماديّة عليها أو على عملها. إنطلاقاً من هذه الحيثيات، استخلص مفوض الحكومة المعاون وجود مصلحةٍ مباشرةٍ وشخصيَةٍ لدى الجهة المدعية، طالما أن المرسوم المطعون فيه "يحرم الشعب من إرتياد البحر الذي هو من الأملاك العامة المحددة قانوناً"، وأن نظامها ينصّ على "أنها تعنى بكلّ ما يؤدّي إلى خدمة المجتمع اللبنانيّ عبر النشاطات المتعلقة بالمحافظة على البيئة وحمايتها". ونستشفّ هنا رؤيةً مختلفةً تماماً لوظيفة القضاء الإداريّ كما تصوّرها مدّاح في تقريره: فتدخّل المجلس لا يهدف فقط إلى حماية المصالح الشخصية، إنما أيضاً إلى حماية مبدأ الشرعية والصالح العام. وهو تدخّلٌ إيجابيّ لا يأتي فقط كاستجابة للطعن المقدّم أمامه، إنما ينبع أيضاً من رغبات المجلس وقناعاته بأداء دوره الرقابيّ على القرارات الإدارية، والتي من المتوقّع أن تزيد بقدر ما تزيد الأضرار الإجتماعيّة المتأتية عنها أو تفضح الظروف المحيطة بإصدارها إنتهاكاً جسيماً لمبدأ الشرعية، وفق ما ألمح إليه مفوض الحكومة المعاون في متن مطالعته.

ومن البيّن على ضوء ما تقدّم أن المسألة المطروحة أمام مجلس شورى الدولة لا تتصل بتطبيق قاعدة تقنية حاسمة، ولا برؤيته لدور الجمعيات وبشكل أعمّ المواطنين في الدفاع عن الصالح العام، إنما بالدرجة الأولى برؤيته لماهية وظيفته وحدودها. ففيما يؤدي تضييق مفهوم الصفة والمصلحة إلى تحصين قراراتٍ إداريّةٍ كثيرةٍ إزاء رقابته لغياب أصحاب المصلحة في الطعن فيها، يؤدي التوسّع فيه إلى تعزيز هامش التدخّل لديه صوناً لمبدأ الشرعية. ومن هنا، يذهب التساؤل الأكثر إنتاجيةً في هذا المضمار باتجاه إستشراف المؤثرات والعوامل الإجتماعية التي من شأنها الإسهام في تكوين رؤية المجلس لدوره أو في تعديلها. ونكتفي هنا بالإشارة إلى عاملين من شأنهما حثّه على إعتماد الرؤية الآيلة إلى توسيع رقابته القضائيّة: الأول، إستشعاره بضرورة التدخّل لدرء خللٍ إجتماعيٍّ جسيم، والثاني، حجم الحراك الإجتماعي الذي قد ينجح المواطنون في إطلاقه حول القضايا المطروحة أمامه، ما يعزّز لديه الشعور بمشروعيّة الخروج عن تحفّظه. فلنسهم ما قدرنا، كتابةً وحراكاً، في تكوين هذه الرؤية.

نشر هذا المقال في العدد 43 من مجلة المفكرة القانونية

 
[1] صدوره عن حكومة تصريف أعمال، التخلّي عن ملك عام بلدي من دون الحصول على موافقة بلدية بيروت ورضائياً من دون مقابل، وعدم إجراء الإستشارات الوجوبية ومنها استشارة المجلس الأعلى للتنظيم المدني ومجلس شورى الدولة.
[2] ممثلو الدولة يدافعون عن فساد الحكومة في فترة الحرب، ويطلبون ابقاء الاعتداء على الملك العام، المفكرة القانونية، عدد 26، آذار 2015.
 
[3] هذه القاعدة تم تكريسها في المرسوم الصادر في 2-3-1982.