لبّى قضاة المحاكم النظامية في الضفة الغربية نداء نادي القضاة الفلسطينيين بالوقوف أمام أبواب المحاكم للمطالبة بتقديم اللواء توفيق الطيرواي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح للمحاكمة. وقد جاء هذا التحرك في إثر ما تداولته وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من تصريحات منسوبة إلى الطيراوي تضمنت إدعاءات وافتراءات وقذفا وقدحا ومسا بكرامات قضاة المحكمة العليا ورئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى على حدّ وصف البيان.وجاءت تصريحات الطيروايعلى خلفية قضية تعيين القاضي عماد سليم نائباً أول لرئيس المحكمة العليا، وذلك بعدما أصدرت المحكمة العليا المختصة بنظر طعون القضاة في 18-9-2016 حكماً متناقضاً مع حكم تفسيري صدر في اليوم نفسه عن المحكمة الدستورية المشكلة حديثا.

أيّ الحكمين أولى بالتطبيق ..؟
حكم المحكمة العليا الذي يحمل الرقم 4 لسنة 2006 انتهى إلى قبول الطلب المقدم من القاضي عبدالله غزلان عضو المحكمة العليا بإلغاء مرسومين صادرين عن رئيس دولة فلسطين بتعيين القاضي عماد سليم نائبا أول لرئيس المحكمة العليا، لكونهما قد صدرا دون وجود تنسيب من مجلس القضاء الأعلى. بالمقابل، رأت المحكمة الدستورية في حكمها التفسيريّ أن مراسيم التعيين صحيحة.
وأمام هذه السابقة الفريدة، والتي تأتي في ظلّ أول قرار تصدره المحكمة الدستورية بالتزامن مع قرار المحكمة العليا، طفت على السطح بوادر أزمة تنازع قضائي، وخاصة لجهة تحديد الحكم الأولى بالتطبيق. فالمحكمة العليا هي المختصة بموجب المادة 46 فقرة 1 من قانون السلطة القضائية دون غيرها بنظر طعون القضاة حين نصت على أن "تختص المحكمة العليا دون غيرها بالفصل في طلبات الإلغاء والتعويض ووقف التنفيذ التي يرفعها القضاة على القرارات الإدارية المتعلقة بأي شأن من شؤونهم، وكذلك الفصل في المنازعات الخاصة بالرواتب والمعاشات والمكافآت المستحقة لهم أو لورثتهم"، في حين أنّ المادة 41 فقرة 1 من قانون المحكمة الدستورية أكدت على علويّة أحكام وقرارات المحكمة الدستورية حين نصت على أنّ "أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة".

الانتقال من الإشكال القانوني إلى تراشق إعلامي
على الرغم من حالة الجدل القانونية التي أثارها تعارض الحكمين، إلا أن القانونيين لم يظفروا بمزيد من الوقت لجدال قانوني مهم حول هذه السابقة الفريدة. فقد برز على ساحة النقاش طارئ سرعان ما احتلّ الحيز الأوسع على الساحقة الحقوقية وربما السياسية في فلسطين، تمثل في تصريح الطيرواي، والذي شنّ فيه هجوما شديداً على رئيس المحكمة العليا القاضي سامي صرصور، ومنتقدا الظروف التي أحاطت بصدور حكم هذه المحكمة. كما أصدر مجلس القضاء الأعلى على موقعه الالكتروني الرسمي بيانا صحفياأدان فيه تصريحات الطيرواي وقرر تقديم شكوى للنائب العام ضده. القاضي عبد الله غزلان الطاعن في مرسومي التعيين ذهب في إلى إصدار بيان صحفي رد فيه على ما ورد في بيان الطيرواي بما يصب في الاتجاه ذاته الذي نحاه مجلس القضاء الأعلى.   

القضاة النظاميون يعتصمون أمام أبواب المحاكم                            
في عقب انتشار تصريحات الطيراوي على المواقع الالكترونية الفلسطينية، أصدر نادي القضاة الفلسطينيين بياناُشديد اللهجة، طالب فيه بمحاكمته. وقد رأى النادي أن مكانة السلطة القضائية واستقلالها وسلطتها في تطبيق حكم القانون على الكافة مكون أساس من مكونات دولة القانون، وأي مساس بها ... يمثل انتهاكا فظا وخروجا فاضحا عن أحكام ومبادئ القانون الأساسي ودولة القانون، ودعوة للتملص من التزامات تعهدت دولة فلسطين بالوفاء بها عبر توقيعها على جملة من المواثيق والمعاهدات الدولية وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللذين يعترفان بدور السلطة القضائية وأهميتها باعتبارها ركنا أساسيا من أركان الحكم الرشيد. وطالب النادي النيابة العامة وكافة الجهات ذات الاختصاص بالقيام بموجبات وظائفها كل حسب اختصاصه واتخاذ المقتضى القانوني الملائم وبما يضمن إحالة الطيرواي إلى القضاء لمحاكمته حسب الأصول. وانتهى البيان إلى دعوة القضاة للمشاركة في الوقفة الاحتجاجية المشار إليها أعلاه، وذلك أمام مباني المحاكم في كافة المحافظات الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم 20/9/2016 دعما للموقف الصادر عن مجلس القضاء الأعلى والإجراءات المتخذة منه والمنوي اتخاذها.

وفيما خرج عشرات القضاة الفلسطينيونأمام مباني المحاكم في كافة محافظات الضفة الغربية بمشاركة رئيس مجلس القضاء الأعلى، ردّ الطيراوي بتنظيم مؤتمر صحفيقال فيه أن القضاء الفلسطيني محل احترام وتقدير كبير، وهيبته موجودة ومتوفرة، والقضاء في مرحلة التحرر الوطني، هو السيد الحاكم، وكلنا أمامه سواء، وأبدى جاهزيته للوقوف أمام القضاء، بشريطة أن يحاكم جنبا إلى جنب مع رئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار سامي صرصور، وعرض على الملأ مجموعة من الوثائق لإثبات إدعاءاته ضد هذا الأخير، الذي ردّ عليه بمؤتمر صحفي بهدف تفنيد ادعاءاته.

مؤسسات حقوق الانسان تستنكر تصريحات الطيراوي
لم تقف مؤسسات حقوق الإنسان في فلسطيني موقف المتفرج على الأحداث الجارية، حيث وجهت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (المركز الوطني لحقوق الإنسان) كتابا إلى رئيس دولة فلسطينتضمن الاشارة إلى أن تصريحات الطيراوي تنال من سمعة رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يمثل الهرم الأعلى في الجسم القضائي، وبينت الهيئة في مخاطبتها أن أي تعليق على قرارات المحاكم أو توجيه اتهامات للقضاة له أصوله وقنواته المعروفة، واعتبرت أن صدور أي تصريحات خارج هذه القنوات من شأنه أن ينال من هيبة القضاء واستقلاله ويؤثر في قراراته.
كما أصدر مجلس منظمات حقوق الإنسان بيانااستنكرت فيه تصريحات الطيرواي.

نقابة المحامين تدعو لوقف التراشق
من جانبها، أصدرت نقابة المحامين الفلسطينيين بياناًرأت فيه ضرورة الوقف الفوري لكل الحملات الاعلامية والتصعيدية من كافة الجهات حفاظا على هيبة واستقلال القضاء الفلسطيني وسيادة القانون. وقد أشار البيان إلى أنّ مجلس النقابة بصدد أخذ مبادرة فورية لوضع حد لكل هذه التداعيات والاتصال بكافة الجهات وعلى رأسهم سيادة الرئيس، من أجل وضع الحلول الجذرية التي تحافظ على المصلحة الوطنية العليا، واحترام هيبة القضاء الفلسطيني واستقلاله.
ويشار إلى أن المكتب الحركي للمحامين التابع لحركة فتح اتخذ موقفا داعما للطيرواي، حيث أصدر الكتب الحركي بياناأكد فيه على أنّ موقف هذا الأخير نابع من حرصه على الارتقاء بالقضاء مشيرا إلى وجود خلل في أداء الجهاز القضائي.
وأمام هذه الأحداث، التي تتفاقم بسرعة كبيرة، يبدو جليا أن ثقة الناس بالجهاز القضائي باتت معرضة للمخاطر في ظل عدم وجود آليات لحسم النزاعات القائمة والتي بدأت تطفو على السطح، في وقت بدا فيه القضاة الفلسطينيون في صدد استخدام وسائل احتجاجية جديدة دفاعا عن استقلالهم. وقد يؤدي الأمر إلى تفاقم الأحداث على نحو تصعب السيطرة عليه، وإلى تسويغ التدخل في بنية السلطة القضائية، وربما إيجاد مسوغات أكثر مقبولية لدى الجمهور الفلسطيني لفتح قانون السلطة القضائية للتعديل، الأمر الذي طالما عارضه القضاة الفلسطينيون.