أصدرت محكمة العدل العليا الفلسطينية بتاريخ 8/9/2016 قرار مؤقتا بوقف انتخابات الهيئات والمجالس المحليةلحين البت في الدعوى.وجاء ذلك في الدعوى الإدارية رقم 220/2016 التي أقامها مستدعون من (كتلة التحرر الوطني والبناء) للطعن بقرار مجلس الوزراء الفلسطيني الصادر بتاريخ 21/6/2016 والآيل إلى تكليف لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بالشروع في تنفيذ انتخابات للهيئات المحلية الفلسطينية يوم السبت 8/10/2016 وفقا لقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005 والمعدل بالقانون رقم 12 لسنة 2005. وقد عللت المحكمة قرارها المؤقت بأمرين:

أولا، حرمان مواطني مدينة القدس وضواحيها من حقهم في الانتخابات،
وثانيا، عدم قانونية القرارات القضائية التي قد تصدر عن أي من محاكم غزة بشأن الاعتراضات المقدمة من المرشحين المستدعين، مما يجعل قراراتها موضع جدل ونقاش ويؤثر في النتيجة الانتخابية. وقد عزت المحكمة ذلك إلى خضوع المحاكم في قطاع غزة لسيطرة حركة حماس ومجلس العدل الأعلى المنشأ منها في 2007.
وبنتيجة هذين الأمرين، تبينت المحكمة خللا في القرار الداعي لإجراء الإنتخابات على أساس أنه يفترض أن تتمّ في جميع أرجاء الوطن بما في ذلك القدس وضواحيها، وأن يكون لكل مواطن فلسطيني الحرية الكاملة في الاختيار والترشح والإنتخاب والإعتراض أمام محكمة نظامية.
وإلى ذلك، دعا القرار مجلس الوزراء لبيان الأسباب الموجبة لإصدار القرار المطعون فيه أو المانعة من إلغائه خلال خمسة عشرة يوما، وعمليا لبيان موقفه إزاء المفعول القانوني لمسألتين سياسيتين بامتياز: وضع القدس ووضع القضاء في غزة. وفيما ينتظر أن تؤول الإجابة الأولى إلى وصف مرير للواقع السياسي، ينتظر أن يقترن الجواب الثاني بتسريع إجراءات توحيد القضاء الفسلطيني في الضفة وغزة.

مدينة القدس، الحاضرة الغائبة
القدس الحاضرة في خطاب السياسة الفلسطينية بقوة، لا زالت بعد عشرات السنوات من المفاوضات تتعرض لعملية عزل وتهويد. فلا يملك فيها المواطن الفلسطيني أية قدرة على ممارسة حقوقه السياسية. وليس لأجهزة السلطة الفلسطينية الإدارية أو الأمنية فيها أي صلاحيات في ممارسة أي شكل من أشكال السيادة. ولا يغير من ذلك أن يدرج النظام السياسي القدس بشكل دائم على خريطة المدن الفلسطينية بوصفها عاصمة الدولة الفلسطينية، ولا أن ينشئ مؤسسات لرعاية المدينة يكون مقرها غالبا في ضواحي المدينة التي عزلها الاحتلال بجدار فصل عنصري عن محيطها الطبيعي وعن الضفة الغربية بشكل كامل. وقد بات هذا الجدار عازلا يمنع الفلسطيني من الدخول أو الخروج إلى المدينة المقدسة إلا بتصريح خاص من سلطات الاحتلال.
وفي حقيقة الأمر، يتولى إدارة مقاليد الحياة في المدينة المقدسة مؤسسات الاحتلال منها ما يعرف ببلدية القدس التي تعمل على تحقيق حلم (القدس الكبرى)، وهو مصطلح يحمل دلالة احتلالية تعمل على توحيد المدينة بشقيها الغربي الذي استوطنه اليهود المهاجرون، والشق الشرقي الذي يسكنه الفلسطينيون إلى جوار المقدسات الاسلامية والمسيحية، ويتعرضون فيه لكافة أشكال التمييز العنصريمن خلال هدم البيوت ومصادرة أراضي الفلسطينيين لصالح مشاريع استيطانية تهدف إلى تغيير الطابع العربي للمدينة. هذه الظروف الواقعية كلها تحول فعليا دون تمكين الحكومة الفلسطينية من ممارسة أية سلطة في مدينة القدس بما في ذلك تنظيم انتخابات الهيئات والمجالس المحلية.
وفي سابقة غير معهودة، استند قرار محكمة العدل العليا الفلسطينية في حيثياته إلى أنّ حرمان سكان مدينة القدس من المشاركة في العملية الانتخابية قد ينال من شرعية إجراء الانتخابات على أساس أنه يجدر أن تتم الانتخابات في كافة أرجاء الوطن. وهذه الحيثية تشكل مؤشرا واضحا على تداخل أسئلة السياسة في السياق القضائي. فكأنما المحكمة تبحث عن إجابات ذات طابع سياسي بنكهة حقوقية حول أثر الوقائع التي يفرضها الاحتلال بعزل مدينة القدس عن كامل الأراضي الفلسطينية، وما يعنيه ذلك من حرمان للمواطن المقدسي في المشاركة في اختيار ممثليه. ومن المنتظر أن تأتي إجابة الحكومة ذلك بمثابة مراجعة فعلية للواقع السياسي المرير، ولكن هذه المرة في سياق قضائي بعيدعن أروقة السياسة الفلسطينية.
 
عدم الاعتراف القضائي بمحاكم قطاع غزة
بتاريخ 11/9/2007، وفي عقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، أصدر رئيس الحكومة المقال آنذاك قرارا بتشكيل مجلس العدل الأعلى كبديل لمجلس القضاء الأعلى المشكل دستوريا وفقا لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003، والذي كان يدير محاكم قطاع غزة منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد رأت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية أنّ هذا القرار والقرارات السابقة المتعلقة بالقضاء تعدّ انتهاكا جسيما لمبدأ المشروعية وسيادة القانون جراء مخالفتها القانونية الصريحة لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني وقانون السلطة القضائيةالفلسطيني النافذ.
وعلى الرغم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني في 29 أيار 2014 والتي تدير المؤسسات الحكومية في الضفة وقطاع غزة على حد سواء، إلا أن محاكم قطاع غزة التي يعمل بها قضاة عينتهم حركة حماس لا زالت تمارس أعمالها بعيدا عن إدارة مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني الكائن في رام الله، الأمر الذي جعل المؤسسات القضائية الفلسطينية تخضع لإدارتين منفصلتين في رام الله من جهة، وقطاع غزة من جهة أخرى.
اللافت في حكم محكمة العدل العليا، أن الطاعنين هم من سكان قطاع غزة، وأنهم تقدموا بالطعن في قرار إجراء الانتخابات بواسطة محام لدى محكمة العدل العليا المنعقدة في رام الله. وقد أشارت المحكمة وللمرة الأولى إلى عدم الاعتراف القضائي بمحاكم قطاع غزة وعدم قانونية القرارات التي ستصدر عن هذه المحاكم حول الاعتراضات المقدمة من المرشحين المستدعين.
وهذا السؤال سيلزم حكومة التوافق بتقديم إجابات كبرى عن واقع سياسي فرضته أجندة الانقسام على حالة حقوق المواطن الفلسطيني، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة. فما معنى أن يستمر الإنقسام القضائي رغم زوال الإنقسام الحكومي؟ ويؤمل أن يؤدي طرح السؤال إلى تسريع عملية توحيد الهيئات القضائية في الضفة وغزة.

مؤسسات حقوق الإنسان، خيبة أمل
من جهتها، أبدت مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية شعورها بخيبة الأمل جراء وقف العملية الانتخابية وتأثيره السلبي على الحق في المشاركة في صناعة القرار عبر الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، حيث أصدر مجلس المنظمات بياناً طالب فيه الجهات الرسمية، وحركتي فتح وحماس بتوفير الأجواء المناسبة لإجراء الانتخابات المحلية في أقرب فرصة ممكنة، وعدم تفويت الفرصة المتاحة لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني.
وأشارت مؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية في بيانها إلى أنها تنظر بقلق شديد لاستمرار حالة التدهور في بنية النظام السياسي الفلسطيني والتآكل في أداء السلطات والمؤسسات العامة، وانعكاساتها على منظومة الحقوق والحريات، وإمكانية التحول الديمقراطي في فلسطين، وطالبت بسرعة العمل على استعادة وحدة المؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مقدمتها السلطة القضائية ومنظومة العدالة وعلى أسس مهنية وموضوعية وشفافة دعماً لعملية الإصلاح القضائي. كما طالبت باستعادة دور المجلس التشريعي الفلسطيني وتوليه مهامه الأصيلة في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية والعمل على ترميم النظام السياسي؛ لحين إجراء الانتخابات المحلية والرئاسية والتشريعية في أسرع وقت ممكن ضماناً لسيادة القانون والفصل بين السلطات والتداول السلمي على السلطة.