"أهلاً وسهلاً بكم في مطار رفيق الحريريّ الدوليّ"، سائحين أو مغتربين أو مسافرين عائدين من رحلةٍ قصيرة، على أن تأخذوا بعين الاعتبار، بمجرد هبوطكم على الأراضي اللبنانيّة، أن كلفة الدخول إلى هذا البلد مستيعنين  بإحدى سيارات الأجرة عند باب المطار قد توازي ما  ستنفقونه لقضاء ليلةٍ فيه، أو ربما أكثر.
في 25 حزيران الماضي، صدر قرارٌ عن وزارة الأشغال العامة والنقل يقضي بـ"تحديد آلية عمل السيارات العموميّة في مطار بيروت الدوليّ". هدف هذا القرار، بحسب الجهة التي أصدرته، إلى "تنظيم دخول وخروج كلّ السيارات العموميّة من وإلى المطار". عملياً، القرار يفرض منع جميع السيارات العموميّة من المرور بباب الوصول في المطار، باستثناء "السيارات المدرجة أو التي قد يتم إدراجها مستقبلاً على لوائح رئاسة المطار".
 
القرار: تاكسي بعدّاد
سيارات "تاكسي المطار" مزوّدة بعدّادٍ يحدّد كلفة الرحلة، ويبدأ من تسعيرةٍ ثابتةٍ قيمتها ستة آلاف ل.ل في الأيام العادية وثمانية آلآفٍ ومئة ل.ل في عطلة نهاية الأسبوع (سبت وأحد). يبدأ العدّاد بتسجيل الوقت فور جلوس المرء في السيارة، ويزيد بقيمة ألفين وخمسمئة ليرة مع كلّ كيلومترٍ تعبره السيارة.
وبحسابٍ بسيط للتسعيرة المعتمدة بالمقارنة مع ما كان يدفعه المرء سابقاً، فإن شخصاً كان يتكلّف مبلغاً قدره 50 دولاراً أو 75 ألف ل.ل لرحلةٍ من المطار إلى طرابلس، سيتوجّب عليه احتساب التسعيرة المعتمدة في الأيام العادية (6000) مضروبة بمئة كيلومتر، وهي المسافة التي تفصل ما بين المطار والمدينة، ليتضح أن سيارة الأجرة ستكلفه نحو 260 ألف ليرة لتقلّه إلى منزله.
في المقابل، تواجه سيارات الأجرة غير المنضوية تحت لواء تاكسي المطار مصيرين: السيارات العمومية غير التابعة لمكاتب صارت ممنوعة تماماً من دخول حرم المطار، والسيارات التابعة لمكتب تدخله شرط الإنتظار في موقف المطار. وللموقف تسعيرة سيدفعها مستقلو التاكسي، وهي تبدأ من ستة آلاف ليرة مع الدقيقة الأولى لدخول المرآب، وتزيد بحسب مدة إنتظاره.
للوقوف على معلومات العاملين في شركات التاكسي وآرائهم في التغييرات، أجرت "المفكرة القانونية" اتصالاتٍ بعدد من المكاتب التي تؤمن سيارات الأجرة من وإلى المطار، وهي على التوالي: "جريس تاكسي"، "ألو تاكسي"، "بدارو تاكسي"، و"تشارلي تاكسي". لقياس تبدّل الكلفة في النقل، اعتمدنا نقطةً ثابتةً هي منطقة الأشرفية، فتراوحت تكلفة النقل في هذه الشركات 15 ألف ل.ل و25 ألف ل.ل. عند مقارنة التكلفة الأعلى مع رحلة في "تاكسي المطار" في أيام الأسبوع، اتضح أن هذا المبلغ لا يصل بنا سوى إلى مستديرة الطيونة. ومع دوران العدّاد، اتضح أن الوصول إلى الأشرفية لا تقل كلفته عن الخمسين ألف ل.ل، ما يعني ضعف الكلفة التي كان يدفعها العائدون سابقاً.
لا يعرف العاملون في مكاتب التأجير الخاصة السبب وراء صدور التعميم الذي وصلهم منذ قرابة الشهرين، لكنهم مجبرون على الإلتزام به، وإلا يكونون عرضة لدفع ضبطٍ تصل كلفته إلى نحو سبعمئة ألف ليرة (حسب أقوالهم، ما لم تأكده جهة رسمية). يتكهّنون بأن التعميم صدر "لحماية مصالح تاكسي المطار".
ولكن، لماذا تريد الدولة (ممثلة بوزارة الأشغال) حماية مصالح "تاكسي المطار"؟
 
من التاكسي إلى المرآب: قطاع خاص أم عام؟ 
تدخل إلى موقع المطار على الإنترنت في محاولة لإدراك أسباب الخطوة الحمائية التي لا تخدم بالضرورة مصالح الناس، فلا يظهر دليل شافٍ على السبب.
لا ذكر لسيارات الأجرة على الموقع، سوى بصفتها "متوفرة في المطار، وهذه السيارات مرخّصة من إدارة المطار"، وأنها "منظّمة ومضمونة من قبل سلطات المطار للقيام بمهمتها على أكمل وجه". كما هناك إعتراف بوجود سيارة أجرة أخرى، إلا أنها "غير مضمونة من قبل سلطات المطار، وهي على مسؤولية من يستعملها الخاصة".
وفي مكان أخر على الموقع، يأتي ذكر مواقف السيارات التي تشغّلها منذ العام 2001 "شركة المرافق اللبنانية" – عضو "مجموعة ناصر الخرافي".
في مكانٍ آخر على موقع "مطار رفيق الحريري الدولي"، يظهر عرضٌ لسبع شركاتٍ تقوم بتأجير سياراتٍ خاصة، مرفقة بمواقعها على الإنترنت وأرقام هواتفها، هي: ديلرز، هيرتز، آفيس، بدجت، سيتي كار، ناشنل كار، ويوروكار. في محاولة للإستعانة بخدماتها، اتضح أن مواقع ثلاث منها خارج الخدمة. عند الإتصال بهذه الشركات، اتضح أن شركةً منها صارت خارج الخدمة، بينما شركة أخرى قد أقفلت، ووعدت ثالثة لا تزال عاملة بنقل راكب من باب الخروج (وليس المرآب)، مقابل 50 دولاراً.

إذاً، في ظل التبدلات التي أصابت مشهد المطار فجأة، لماذا بادرت الدولة، العاجزة راهناً عن أيّ مبادرة، إلى اتخاذ قرارات "تنظيمية" في مسألة تاكسي المطار؟ مصدرٌ داخل المطار أفاد بأن السبب يعود إلى "شجار حصل مرةً بين سيارتيّ أجرة على زبون، وتطور إلى إطلاق نارٍ في منطقة برج أبي حيدر بين السائقين. فجاء القرار ليمنع تكرار مثل هذه الحوادث".
حاولنا البحث لدى الجهات المعنية عن حقيقة الموضوع. فكان الإتصال الأول بـ"مفرزة سير المطار"، فاتضح إنها غير مخوّلة بالإجابة عن أسئلة حول "تاكسي المطار". تم تحويلنا إلى جهاز أمن المطار. بعد سلسلة اتصالات في حلقة مفرغة داخل الجهاز انتهت عند العميد عبدالله ضاهر، فهمنا أن "الجواب ليس عندي"، علماً أن الوزير زعيتر صرّح بتاريخ 7/7/2016 بأن "قرار منع وصول سيارات الأجرة إلى المطار يعود إلى جهاز أمن المطار".لكن ضاهر لفت إلى أن "الجهاز كجهة أمنية غير مخول بالتصريح، ونصحنا بسؤال رئيس المطار المهندس فادي حسن أو الإستفسار من الوكالة الوطنية للإعلام". الوصول إلى حسن بدا عصيّاً. السكريتيرة وعدت بمعاودة الإتصال، بعدما حفظت الرقم والموضوع، ولم تفعل. أعدنا الإتصال، فرنّ الهاتف مراراً ولكن أحداً لم يرد.
 
من وجهة نظر السائقين: محظيون ومطرودون 
في المطار، تبدو باحة الوصول خاليةً إلاّ من سيارات "تاكسي المطار" التي لا تتبع إلى شركة بعينها، بل تشرف عليها إدارة المطار. لكلّ سيارةٍ رقمٌ وملف مسجّلان لدى جهاز أمن المطار.
القرار الصادر عن وزارة الأشغال العامة حدّد المواصفات الواجب توافرها في سيارات "تاكسي المطار"، من مظهر السيارة الخارجيّ والداخليّ، الترخيص والرقم، تركيب العداد، إلى مواصفات السائق وخلافها من المتطلبات. لكن، على الرغم من أن هذه المواصفات - على كثرتها - توحي بأن المسألة واضحة، إلا أن واقع الحال يفرض وجود شروطٍ أخرى في السائق لا يلحظها القرار، وهي تقوم على "الوساطة" التي تتحكّم بمفاصل الحياة في لبنان.
من تجربته، يقول سائقٌ في شركةٍ خاصة ينتظر راكباً في مرآب المطار: "حتى تكون من سائقي سيارات تاكسي المطار، يجب أن تكون من المحظيين. والمعنيون بهذا القول هم جماعة (رئيس مجلس النواب نبيه) برّي". ويتابع: "القرار الجديد لا يضرّنا، لكنه بات يغضب الزبون الذي يتكلف تعرفة ستة آلاف ليرة للباركينغ. السائق العمومي ربما تضرر أكثر منا".
على المقلب الآخر، حيث "المحظيون"، يوضح أحد سائقي تاكسي المطار خلال دردشةٍ أن "الوساطة" التي يُحكى عنها متفاوتة الدرجات. قبل القرار، كان سائقو المطار لا يعانون فحسب من سيارات الأجرة التي تسرق الزبون بأسعارٍ تنافسية، وإنما من سائقي تاكسي المطار أنفسهم أيضاً: فمن يملك الوساطة الأكبر، لم يكن يلتزم بالدور، بل يأخذ دوره ودور غيره.

يشرح السائق: "نحن ننال الموافقة من إدارة المطار. ويبلغ عدد سيارات تاكسي المطار 196 سيارة فقط، تضاف إليها سيارات الأجرة التابعة للمطار وعددها 44، والتي قريباً ستنضم لتاكسيات المطار. لا يزيد عدد هذه السيارات لنفاذ نمر السيارات المخصصة لهذه الخدمة. أما أصحاب السيارات الحالية فقد توارثوها عن آبائهم منذ أكثر من أربعين عاماً. في المقابل، سيارات الأجرة التابعة للمطار كانت في السابق تأخذ الزبون العاجز عن دفع المبلغ الذي يطلبه سائق تاكسي المطار، فإن طلب السائق 50 دولاراً للتوصيلة مثلاً ولم يكن بمقدور الزبون أن يدفع سوى 30 أو 20 دولاراً، يتم تحويله إلى سيارة الأجرة. ولو كانت المسافة قريبة، نحوّله ايضاً لأننا نفضل المشوار المكلف".
يتابع: "في السابق، كان "الدور" مسألة شكلية. فمن لديه "وساطة" يأخذ دوره ودور غيره، وكنا ننطر أياماً قبل نقل أحدهم. أما اليوم فبات هناك رقم لكلّ سيارة. نقف بالدور، ويركب الزبون بعدما يسجّل إسمه مراقب الأدوار، وننطلق به ثم نعود ونقف في الخلف بانتظار دور جديد. على كلّ سيارة تاكسي بعد العودة أن تدفع مبلغ خمسة آلاف ليرة ثمناً للموقف لمراقب الأدوار الذي هو بدوره توارث منصبه عن آبائه". ويلفت السائق إلى أن ما يجنيه مراقب الأدوار (المسؤول عن تنظيم الموقف) في الأسبوع يضاهي أضعاف ما يحصّله السائق. وهو لا يعرف كيف يمكن للمرء أن يتقدّم لشغل هذا المنصب.

ويبقى سائقو السيارات العمومية غير التابعة لشركات خاصة هم الأشدّ خسارة من قرار وزارة الأشغال. وفي هذا الإطار، نفذت "النقابة العامة لسائقي السيارات العمومية في لبنان" اعتصامات مختلفة رفضاً لعدة إجراءات مضرّة في مصالحهم، أكّد رئيس النقابة مروان فياض أن "إغلاق المطار في وجه سائقي سيارات العموم" هو أحدها. واعتبر أن قرار وزير الاشغال "يأتي من منطلقٍ طائفيّ، مذهبيّ، وحزبيّ". وطالب فياض بالسماح لسائقي السيارات العمومية بانتظار زبائنهم في الموقف، أسوة بالسيارات العمومية العاملة في مكاتب (شركات). ويشير هذا الاعتصام إلى الاحتجاج ضد منافستين غير مشروعتين: منافسة تكاسي المطار بالواسطة والتي تحتكر مخارج المطار ومنافسة السيارات العمومية التابعة للمكاتب والشركات والتي لها وحدها حق الدخول إلى المرآب.


نشر هذا المقال في العدد 42 من مجلة المفكرة القانونية.