أصدر مجلس الوزراء الفلسطيني بتاريخ 21/6/2016 قرارا بتكليف لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بالشروع في تنفيذ انتخابات للهيئات المحلية الفلسطينية يوم السبت 8/10/2016 وفقا لقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005 والمعد ل بالقانون رقم 12 لسنة 2005.

وفي سياق تنفيذ ذلك، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتاريخ 28/7/2016 مرسوما رئاسيا قضى بتخصيص مقاعد للمسيحيين في بعض الدوائر الانتخابية التي يتواجد فيها مسيحيون في المدن والقرى الفلسطينية، وذلك إعمالا لنص المادة (5) من قانون رقم (12) لسنة 2005 بتعديل بعض أحكام قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005  والتي تنص على أنّ " للرئيس إصدار مرسوم بتخصيص عدد من المقاعد للمسيحيين في بعض دوائر الهيئات المحلية وعلى لجنة الانتخابات وضع النظام الذي يضمن تحقيق ذلك".
المرسوم الرئاسي المذكورفي المادة الأولى منه خصص في تسع هيئات محلية مقاعد محددة للمسحيين والمسلمين، بما يضمن الأغلبية للمسيحيين في هذه الهيئات، وهذه الهيئات المحلية هي بلديات رام الله وبيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا وبيرزيت والزبابدة، وكذلك مجالس قروية عابود وجفنا وعين عريك. كما حدد المرسوم في المادة الثانية منه صراحة أنّ رئيس كل هيئة من هذه الهيئات يجب أن يكون مسيحيا.
ويلاحظ أنّ هذا المرسوم يتوافق مع المرسوم الرئاسي السابق رقم (4) لسنة 2010 الصادر بتاريخ 2010/4/10بتخصيص عدد من المقاعد للمسيحيين في بعض الهيئات المحلية (ذات الهيئات المحلية التسع) بالاستناد إلى ذات النص القانوني وقد جرى العمل بموجبه في انتخابات مجالس الهيئات المحلية التي جرت عام 2012 مع تعديلات طفيفة على عدد المقاعد المخصصة للمسيحيين في بعض الدوائر الانتخابية بزيادة أعداد المقاعد المخصصة للمسيحيين.

وعلى الرغم من أنّ النظام الانتخابي الفلسطيني يعترف في الانتخابات المحلية والتشريعية بنظام الكوتا للمرأة والأقليات الطائفية، إلا أنّ المرسوم الأخير أثار جدلا لدى طيف واسع من الحقوقيين في فلسطين، حيث انطوى النقاش على جدل فيما إذا كان هذا المرسوم يتوافق مع معايير التمييز الايجابي، وتحديدا فيما إذا كانت الصيغة التي صدر بها تهدف إلى ضمان مشاركة الفئات الضعيفة أو المهمشة، أم أنها تصل إلى حد ضمان أغلبية أو مركز ما، الأمر الذي يجعله أكثر إتصالا بفكرة التوزيع الطائفي.

التمييز الايجابي لا يخلّ بمبدأ المساواة
رأى الكثير من الحقوقيين الفلسطينيين أنّ المرسوم ينسجم تماما مع التمييز الإيجابي المقبول دستوريا. وفي هذا السياق، أكّد د. عمار دويك مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (المركز الوطني لحقوق الإنسان) أنّ عدد الهيئات التي تم تخصيص مقاعد للمسيحيين فيها قليل جداً (9 من 416)، وأنه يتفق مع ما ذهبت إليه لجان الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الانسان لجهة أنّ التمييز الإيجابي لفئات معينة (مثل النساء أو أية مجموعات أخرى) لا يخل بمبدأ المساواة، بل يضمن في جوهره هذا المبدأ. وهذا ما يتحقق كلما آل إلى تصحيح اختلالات بنيوية أو تاريخية في المجتمع.

من جهته رأى د. عصام عابدين رئيس وحدة المناصرة المحلية والإقليمية في مؤسسة الحق أنّ  المرسوم لا يختلف عن المرسوم السابق رقم (4) لسنة 2010، مذكرا أن قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية لعام 2005 وتعديلاته يتضمن تخصيص مقاعد للمرأة (الكوتا النسوية) على القوائم الانتخابية. كما أشار عابدين إلى أنه لا يوجد أيّ مبرر للذهاب بعيداً في الآراء والاجتهادات، وبخاصة إن كانت غير مبنية على معرفة واطلاع، وتتعلق بعملية انتخابية وتعزيز للمشاركة في الحياة السياسية، في ظل مشهد عام ينقصه الكثير من الحكمة والشعور بالمسؤولية والإحساس بالمواطنة.

تخصيص المقاعد انتهاك لمبدأ المساواة
من جانب آخر، ظهرت بعض الآراء المعارضة للمرسوم المذكور باعتباره ينتهك الحق في المساواة بين المواطنين كمبدأ دستوري. وفي هذا السياق، رأى د. إبراهيم شعبان، أستاذ القانون بجامعة القدس، أنّ المرسوم غير دستوري ومخالف للمادة التاسعة من القانون الأساس الفلسطيني لعام 2003، وأنه سيتهاوى أمام فحص القضاء الدستوري. ف"الفلسطينيون أمام القانون والقضاء سواء، لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة " (م. 9 من القانون الأساس). وبالتالي، جميع الفلسطينيين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم سواسية. وقد أشار شعبان أنّ حجج اللجوء إلى التمييز الإيجابي لا تقوى على الوقوف أمام المنطق القانوني الصحيح بل تتهاوى كلّها. وقد غدا عدم التمييز حسب رأيه قاعدة قانونية دولية ملزمة، لا يجوز لأية اتفاقية دولية مخالفته. وتمييز الدولة والقانون على أساس المعتقد الديني يشكل تحقيرا للكرامة الإنسانية وهو خرق لحقوق الإنسان وعقبة في سبيل العلاقات الودية، لاسيما أنّ الأديان تعتبر مصدرا هاما للمساواة وعدم التمييز.
ومع أهمية ما ساقه الدكتور شعبان في هذا الاتجاه، إلا أنه لا يمكن حمل هذا الرأي على إطلاقه لأنه قد يؤدي إلى إنكار التمييز للمرأة كفئة ضعيفة على سبيل المثال، بداعي مخالفته لمبدأ عدم التمييز كقاعدة دولية ملزمة على حد وصفه.

التمييز الايجابي في مواجهة التوزيع الطائفي
فلسطينيا، تبدو الطوائف التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي الفلسطيني منسجمة إلى حد كبير، ولعل معاناة الكل الفلسطيني من الاحتلال الذي لا يميز بين طائفة وأخرى قد تكون سببا رئيسا في أنّ الهم الجمعي الفلسطيني أكبر من أي عوامل تفرقة قائمة على أساس الدين، لذلك قد لا يأخذ الجدل حول المرسوم في الحقيقة بعده الطائفي بقدر ما يتصل بالبعد الحقوقي ومكامن الالتباس مع مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الفلسطينيين كمبدأ دستوري.

وحريّ بنا أن نشير إلى أن التمييز الايجابي (المعاملة التفضيلية) هو تمييز مقبول بمقتضى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وهذا ما أكدت عليه اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية في الدورة السابعة والثلاثون (1989) في التعليق العام رقم 18، حين أشارت في الفقرة العاشرة منه إلى أن "مبدأ المساواة يتطلب أحيانا من الدول الأطراف أن تتخذ إجراءات إيجابية للتقليل من الظروف التي تتسبب أو تساعد في إدامة التمييز الذي يحظره العهد أو للقضاء على تلك الظروف. وعلى سبيل المثال، فإذا حدث في دولة ما أن كانت الظروف العامة لجزء معين من السكان تمنع أو تعوق تمتعهم بحقوق الإنسان فإنه ينبغي للدولة أن تتخذ إجراءات محددة لتصحيح هذه الظروف. ويجوز أن تنطوي هذه الإجراءات على منح الجزء المعني من السكان نوعا من المعاملة التفضيلية في مسائل محددة لفترة ما بالمقارنة مع بقية السكان. ومع ذلك، فطالما دعت الحاجة إلى هذه الإجراءات لتصحيح التمييز في الواقع، فإن التفريق هنا مشروع بمقتضى العهد."

وانسجاماً مع ذلك، فإنّ من الثابت تشريعا وممارسة بأنّ التمييز الايجابي معترف به فلسطينيا ولا مشكلة فيه لضمان تمثيل عادل في بعض الأحيان، مع الإشارة إلى أنّ التشريعات الفلسطينية ذهبت بشكل واضح إلى توسيعه للمرأة والأقليات في الكثير من المؤسسات وليس فقط في الهيئات المحلية. ولعل الجدل الدائر لم يكن يتصل في جوهره مع إنكار حق المسحيين في المشاركة على قاعدة التمييز الايجابي، على العكس من ذلك، يبدو جليا أنّ النظام السياسي والوجدان الاجتماعي الفلسطيني  يذهب دائما إلى تعزيز مشاركة المسيحيين الفلسطينيين في الكثير من مراكز القرار، وهذا نابع من منطق وطني وسياسي سليم بغية توسيع حدود المواجهة الوطنية لجبروت الاحتلال، الذي يعتدي على المقدسات الاسلامية والمسيحية على حد سواء، ويواجه الحضور الفلسطيني في الأراضي المقدسة أيا كان شكله. إلا أنه ورغم ذلك، فإن المرسوم الرئاسي على الصيغة التي ورد بها من تحديد أغلبية المقاعد ومركز الرئيس لطائفة دون غيرها قد يكون ابتعد عن الهدف المقصود من التمييز الايجابي على ضوء المعايير الدولية، وبدا أكثر قرباً من فكرة التوزيع الطائفي الذي لم يعترف به النظام الدستوري الفلسطيني.