بتاريخ 29/3/2016، أصدرت تونس قانوناً يضمن الحق في النفاذ إلى المعلومة[1]. وقد أقرّ هذا القانون بهدف مكافحة الفساد وتحقيق الشفافية والمساءلة في ما يتعلق بالتصرّف في المرفق العام، وتحسين جودة أدائه، ودعم مشاركة العموم في وضع السياسات العمومية، ومتابعة تنفيذها وتقييمها.وقد اكتسب هذا الحقّ قيمةً دستورية بعدما كرّسه الدستور التونسيّ في إطار الفصل 32 منه الذي ينصّ على أن: "الدولة تضمن الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة"، ما رفع تونس إلى مقدمة الدول العربيّة في هذا المجالً.
وبإصدارها هذا القانون، أصبح عدد الدول التي أقرّت قانوناً مماثلاً 90 دولة. فماذا عن لبنان؟ هنا، نلحظ أن عدداً من النواب، وهم إسماعيل سكرية وياسين جابر وعبد الله حنا وغسان مخيبر وجواد بولس، قد قدّموا إقتراح قانون "الحق في الوصول إلى المعلومات" في نيسان 2009، أيّ قبل قرابة سنتين من الثورة التونسيّة. إلا أنه لم يوضع على جدول أعمال لجنة الإدارة والعدل إلا في 2012، أيّ بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام، ليتم إقراره في 17/4/2013 وإرساله إلى الهيئة العامّة لمجلس النواب للمصادقة عليه. الجدير تمّت عرقلة التصويت على هذا الإقتراح من قبل رئيس الحكومة الذي طلب في جلسة الهيئة العامة الحاصلة في 8/4/2014 إعطاء حكومته مهلة لدرسه. فمُنح شهراً من قبل رئيس مجلس النواب.

ضمن الأسباب الموجبة لهذا القانون، وردت ضرورة تجسيد الدولة اللبنانية إلتزاماتها وتعهداتها الدولية بشكلٍ عمليّ في التشريع اللبنانيّ، لا سيما لجهة إقرار حقّ كلّ شخص في الوصول إلى المعلومات الإدارية. ومن أهم الأحكام الدوليّة الملزمة للبنان، تحضر المادة 19 الشهيرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تكرس حرية الرأي والتعبير، لا سيما الحقّ في "استقاء الأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة". تضاف إليها أيضاً إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي أقرّها لبنان في 16/10/2008 والتي تدعو إلى إعتماد تدابير لتعزيز الشفافية في الإدارة، عبر الكشف عن المعلومات التي بحوزة الإدارات العامة.
هذا المقال يجري مقارنةً بين الإقتراح اللبناني في نسخته المحالة إلى الهيئة العامة والقانون التونسيّ.
 
مفهوم النفاذ الى المعلومات
 تعتمد الوثيقتان تعريفاً متقارباًلعبارة "المعلومات" التي تشتمل على المستندات الخطيّة والملفات الإلكترونيّة والتسجيلات السمعيّة البصريّة أو الصور التي تحفظها الإدارة العامة. وهي تتضمن على سبيل المثال التقارير الوزاريّة، ومحاضر الإجتماعات والإحصاءات، والأوامر والتوجيهات الوزارية، والعقود الحكومية، ومحاضر جلسات برلمانية أو إجتماعات لجان برلمانية، ومشاريع برامج إدارية، والتقارير السنوية لمجلس شورى الدولة ومجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، أو ديوان المحاسبة مثلاً، بالإضافة إلى مستندات في مؤسسة المحفوظات الوطنية. ويلتقي القانونان التونسيّ واللبنانيّ على أنّ مفهوم النفاذ الى المعلومة يعني أمرين: الأول، أن تلتزم الإدارات العامة بنشر بعض التقارير والمستندات الإدارية بشكل دوري على مواقعها الإلكترونية، بالاضافة إلى نشرها في الجريدة الرسمية. والثاني، أن تلتزم بحقّ كلّ شخصٍ طبيعي أو معنويفي طلب الإستحصال من الإدارة المعنية على المعلومات والمستندات الموجودة لديها. وحرصاً على تكريس هذا الحق الأساسي، يمارس الأشخاص حقّهم بالوصول إلى المعلومات بشكلٍ مجانيّ في مكان وجودها.
 
إستثناءات في حق النفاذ إلى المعلومات
 ينصّ القانونان اللبناني والتونسي على قائمة محدودة من الإستثناءات للحقّ في الوصول إلى المعلومات.وفي هذا الصدد، يتفق القانون التونسي وإقتراح القانون اللبناني على إعتبار أسرار الدفاع الوطني والأمن القومي والأمن العام، وإدارة العلاقات الخارجية للدولة ذات الطابع السرّي، والمعلومات المتعلقة بحياة الأفراد الخاصة ومعطياتهم الشخصية، ضمن المعطيات التي يجب التكتم عليها. وقد اعتبرت الوثيقتان ضمناً أن المصالح المتصلة بكتم هذه المعلومات تعلو على الحق في النفاذ إلى المعلومة، على نحوٍ يعكس تراتبية بين حقّين دستوريين.
في المقابل، وفي ما يتصل بالمسائل الأخرى، بدا القانون التونسيّ أكثر تحرّراً من الإقتراح اللبنانيّ. فبخلاف القانون التونسيّ الذي أدرج المعلومات المتعلقة بالمالية العمومية بما في ذلك المعطيات التفصيلية المتعلقة بالميزانية والمديونية العمومية والحسابات الوطنية وكيفية توزيع النفقات العمومية وأهم مؤشرات المالية العمومية، ضمن المعلومات التي يتوجب على الإدارة وضعها في ذمة العموم، خلا الإقتراح اللبنانيّ من أي إشارةٍ إلى هذه المعلومات. لا بل أن الإقتراح استثنى من الحق في الوصول إلى المعلومات تلك "التي قد تنال "من المصالح المالية والإقتصادية للدولة وسلامة العملة الوطنية". وقد وسّع الإقتراح اللبنانيّ لائحة الإستثناءات لتشمل أيضاً الأسرار التي تحميها المهن ومحاضر مجلس النواب السرية ومداولات مجلس الوزراء ومقرراته ذات الطابع السري، بالاضافة إلى المستندات التحضيرية والإعدادية والمستندات الإدارية غير المنجزة. كلّ هذه الاستثناءات إنما تعبّر عن تمسّك المشرّع اللبناني في التكتم على معلومات حيوية للمشاركة في الحياة السياسية العامة.

الإختلاف الأهم بين الوثيقتين يكمن في أن الاقتراح اللبنانيّ قد فرض تطبيق الإستثناءات بشكلٍ مطلق، فيما اعتبر القانون التونسي أنها غير مطلقة ويمكن تجاوزها كلما تبيّن أن المصلحة في الكشف عنها تعلو على المصلحة في كتمها. فهذه الإستثناءات تخضع وفق القانون لتقدير الضرر من النفاذ مع مراعاة التناسب بين المصالح المراد حمايتها والغاية من مطلب النفاذ. كما استثنى القانون التونسي من تطبيق هذه الاستثناءات، المعلومات الضرورية للكشف عن الإنتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان، أو جرائم الحرب، أو البحث فيها، أو تتبع مرتكبيها (المادة 26). من هنا، يتضح أن المشرّع التونسي كان أكثر حرصاً على تحقيق توازن بين مختلف المصالح المعنية.
 
الأشخاص المعنيّون بحق النفاذ للمعلومات
 منحت الوثيقتان حقّ النفاذ إلى المعلومات لكلّ شخصٍ طبيعيّ أو معنويّ من دون تقديم المزيد من الإيضاحات. هذا التعميم يطرح  إشكالية مدى شمول الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين من جنسيات أجنبية في الحق في الوصول إلى المعلومات أو بإقصائهم عنها.ولا يكون طالب النفاذ ملزماً بتبرير طلبه للإدارة أو بشرح كيف ينوي إستخدام المعلومات التي يطلبها منها، إنما يترتب عليه موجب تقديم تفاصيل كافية تمكن الموظف المكلف من استخراج المعلومة بجهد بسيط.
 
هيئة النفاذ إلى المعلومات
 من أجل تفعيل حق الوصول إلى المعلومات وضمان حسن تطبيقه وإحترامه من الإدارات المعنية بالأمر، تضمّنت كلا الوثيقتان إنشاء هيئة تراقب الإجراءات والآليات التي تضمن الوصول الى المعلومة. وتنص الوثيقتان على أن هذه الهيئة هي هيئة إدارية مستقلة بمعنى أنه لا يحق للحكومة أو لأي طرف آخر إصدار توجيهات أو تعليمات لها. وقد أولى الإقتراح اللبنانيّ هذه المهمة للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد المقترح إنشاؤها في إقتراح قانونٍ آخر لا يزال قيد الدرس لدى لجنة الإدارة والعدل. ويحدّد الإقتراح دور الهيئة في تلقي الشكاوى إزاء تقاعس الإدارة عن تنفيذ القانون. وتصدر الهيئة في هذا الخصوص قرارات ذات قيمة إجرائية يمكن إستئنافها أمام مجلس شورى الدولة بما يضمن حق التقاضي على درجتين.

أما القانون التونسي فقد سمح لطالب النفاذ عند رفضه القرار المتخذ بخصوص طلبه أن يتظلم لدى رئيس الإدارة المعنية ضمن مهلة 20 يوماً، مع الإبقاء على إمكانية الطعن مباشرةً في قرار الإدارة لدى هيئة النفاذ إلى المعلومة. وفي حالجُوبه برفض مطلبه في الهيئة، يمكن الطعن بالإستئناف أمام المحكمة الإدارية ضمن مهلة 30 يوماً من تاريخ إعلامه بقرارها (المادة 30).قرارات الهيئة ملزمة للادارة، فإذا تأخرت عن التنفيذ من دون سبب، يمكن بناءً على طلب المتضرر اتخاذ القرار بالزامها بدفع غرامة إكراهية تقدرها الهيئة.
كما يدخل في إطار مهام الهيئة في الوثيقتين العمل على نشر ثقافة الوصول إلى المعلومات بين المواطنين وتدريب الموظفين والمسؤولين في الإدارة. كما يتعين على الهيئة اللبنانية وضع تقرير سنوي يتضمن الصعوبات الهامة التي تعترض وصول الأشخاص إلى المعلومات، بما يتماشى مع مبدأ الشفافية والكشف عن العقبات من أجل مكافحتها. فضلاً عن ذلك، يتعيّن على الهيئة في تونس إعداد الأدلة اللازمة حول حق النفاذ إلى المعلومة التي يجب وضعها على ذمة العموم، ونشرها في ركن خاص بالنفاذ إلى المعلومة على الموقع الإلكتروني. وقد نصّت المادة 36 على إمكانية الإدارات الخاضعة لهذا القانون إحداث لجان استشارية تعنى بالنفاذ إلى المعلومة.
وبالمقارنة مع القانون اللبناني، أولى القانون التونسي مساحة أكبر لما يتصل بالهيئة، لجهة كيفية سير عملها ومواردها. وفي معرض التطرق الى تركيبة اللجنة، نصت المادة 43 على أنه يتم اختيار أفضل ثلاثة مرشحين في كلّ خطة من قبل اللجنة المختصة في مجلس النواب. وعند التساوي في الأصوات بين رجل وامرأة/ يقع الاختيار على المرأة، ما يشكّل تمييزاً إيجابياً لصالح النساء. ومن ثم يحيل رئيس مجلس النواب التونسيّ قائمةً بالأعضاء الذين تمّ انتخابهم بالأغلبية المطلقة من قبل الهيئة العامة إلى رئيس الحكومة الذي يتولى تعيينهم بمقتضى أمر حكومي.
العقوبات

خلا الإقتراح اللبناني من أيّ إجراءات عقابية أو تأديبية بحق الأفراد أو الإدارات التي تعرقل عن قصد الوصول إلى المعلومات. على خلاف ذلك، أدخل القانون التونسيّ مواداً تعاقب كلّ من يتعمد تعطيل النفاذ إلى المعلومة في الإدارات المعنية بغرامة تتراوح بين 500 دينار و5000 دينار. كما أنزلت عقوبة جزائية بكلّ من يتعمد إتلاف معلومة بصفة غير قانونية أو حمل شخص على ارتكاب ذلك (المادة 57). وعلاوةً على العقوبات المذكورة، فإن كلّ موظف عمومي لا يحترم أحكام القانون يعرّض نفسه إلى تتبعات تأديبية (المادة 58).

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانونية


[1]سلمى خالد، حق النفاذ الى المعلومة، خطوة هامة الى الامام، المفكرة القانونية في تونس، عدد 4، تاريخ 5/7/2016.