مرة جديدة تعود منطقة برجا الى الواجهة، من خلال اعتصام نفذه ممثلون عن المنطقة يتقدمهم رئيس بلدية برجا نشأت حمية ومجموعة من الفعاليات السياسية والحزبية والدينية نهار الثلاثاء 2 آب 2016 عند الساعة العاشرة صباحاً في ساحة سراي بعبدا. واستمر الاعتصام حتى منتصف الليل رفضاً للاستدعاءات التي طالت تسعة أشخاص من أبناء المنطقة. أتى الاستدعاء على خلفية اعتصام شارك فيه هؤلاء نهار الجمعة 29/7/2016 أمام معمل الجية الحراري رفضاً لنظام التقنين الكهربائي والتلوث القاتل الذي يؤدي الى ارتفاع في عدد الاصابات بالامراض السرطانية.

والاعتصام الذي حصل نهار الجمعة الفائت (29 تموز) وشاركت فيه أربع بلديات هي الجية، جدرا، بعاصير والجية، لم يكن الأول من نوعه، فأهالي اقليم الخرّوب لهم صولات وجولات في التحركات المطلبية دفاعاً عن حقوقهم. فقد سبق ان نزلوا الى الشارع رفضاً لقيام مطمرٍ في منطقتهم. وحاولوا خلال أزمة النفايات التي ضربت لبنان في صيف العام 2015 ايجاد مخرجٍ للحدّ من تفاقم النفايات من خلال سلسلة من الخطوات التوعوية حول اهمية الفرز وكيفية تقليص حجم النفايات. وهدف ذلك للوقاية قدر الامكان من تبعات انتشار النفايات، الأمر الذي عانت منه معظم المناطق اللبنانية.

والجمعة الفائت عادوا الى الشارع بعدما ضاقوا ذرعاً بتقنين يتخطى الثمانية عشرة ساعة في اليوم في ظل ارتفاع في درجات الحرارة. وفي المقابل، يتحملّ الأهالي منذ سنوات تبعات التلوث الذي يسببه معمل الجية والذي ينعكس ارتفاعا في حالات الاصابة بالسرطان، دون اي مبادرة مسؤولة لإيجاد حلّ لهذه الكارثة البيئية والصحية.
كان الاعتصام سلمياً الى حين وصول رجل بلباس مدني شهر مسدسين في وجه الجموع الذين لم يتجاوز عددهم الاربعين شخصاً وراح يطلق النيران مباشرة عليهم. فما كان أمام المعتصمين الا محاصرته، وأخذ أسلحته بعد ان اوسعوه ضرباً كردة فعلٍ اعتبروها "طبيعية" بعد نوبة الهلع الذي تسبب بها. عُرِف لاحقاً انه عنصر في الاستقصاء وأنّ المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص طالب شخصياً باسترداد سلاحه، بحسب مصدر من بلدية برجا.

بعد الاشكال الذي حصل "تداعت لجنة المتابعة في بلدية برجا الى اجتماع طارئ مع الاحزاب والفاعلين وقررنا فضّ الاعتصام بناء على وعود من قبل السياسيين ومنهم الوزير أكرم شهيب والدكتور محمد الحجار والنائب علاءالدين ترو والشيخ سعد الدين الحريري الذي طلب فض الاعتصام سلميا". هذا ما قاله رئيس بلدية برجا نشأت حمية وقال ان الوعد كان بتحسين وضع الكهرباء ابتداء من نهار الاثنين 1/8/2016 ولكن لم ينفذ شي حتى الان. "واليوم طلبوا منا متابعة الموضوع لأنّ كل جهة صارت ترميها على الأخرى. السياسي يرميها على موظف الدولة وموظف الدولة على السياسي. لكن اليوم أكثر ما يهمنا هي التوقيفات التي طالت أبناء منطقتنا، الذين تمّ استدعاءهم للتحقيق دون ذكر السبب وراء ذلك.  ونحن صراحة لا يمكننا ان نترك أهلنا خاصة ان ذنبهم الوحيد انهم كانوا يطالبون بحقهم".
ولفت الى أنّ "ما حصل مع العنصر هو حادث عرضي. فالشاب كان بلباس مدني وقام بإطلاق النار على الناس وبالتالي فكانت ردة الفعل ضده منطقية إزاء تصرفه الغير مسؤول". وأكد "التواصل مع جميع السياسيين فيما خص الاستدعاءات والكلّ أكد رفض التوقيفات والتوجه الى لملمة القضية. ورداً على سؤال ان كانوا جميعهم ضد التوقيفات فمن حرّك للقيام بها؟ أجاب: "إنّ السياسيين ليسوا هم من يقومون بالتوقيفات وانما يسعون كي لا يتمّ التوقيف. من طلب الناس الى التحقيق هي القوى الامنية ومفوض المحكمة العسكرية. نتمنى على القوى الامنية الا تحول سوء ادارة مؤسسات الدولة الى مواجهة بينهم وبين الناس".

كان من الممكن ان تنتهي القضية عند حدود فضّ الاعتصام وتلقي الوعود التي لم تنفذ الى الآن. الى أنّ استدعى مفوض الحكومة المعاون لدى المحكمة العسكرية سامي صادر تسعة ناشطين في المنطقة من بينهم عضو في "الجماعة الإسلامية" وآخر من "الحزب الشيوعي" فضلاً عن عدد من الاسماء العشوائية من بينها (وبحسب المعتصمين امام سراي بعبدا) شخصين لم يشاركا اصلا في اعتصام نهار الجمعة.
ويرى البعض ان سلسلة الاستدعاءات هذه، وقبلها الاشكال المفتعل دون مبرر خلال استحقاق مطلبي هو "لكسر شوكة أهالي برجا" وهي "قرصة اذن" مبنية على عدة معطيات منها رفض قيام "مطمر سبيلين" والذي نتج عنه تكدس النفايات في المنطقة وعدم رفعها حتى بعد حل ازمة النفايات نسبياً. وهو ايضاً اجراء انتقامي منهم إزاء نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة التي أدت الى خسارة أبرز الاحزاب المهيمنة في المنطقة والمقصود هنا تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي.  
"جاء اتصال من وزير الزراعة أكرم شهيب وطمأننا ان مشكلة الكهرباء ستحلّ ابتداءً من الاثنين. وفي نفس الوقت ستشكل لجنة متابعة من قبل البلدية وممثلين عن المعمل والاحزاب لمعالجة التلوث"، بحسب عضو مجلس بلدية برجا المحامية خديجة المعوش. وتابعت: "في اليوم التالي اصدرت مؤسسة كهرباء لبنان بيان استغربت فيه تحركات الناس، وأكدت أنّ معامل الانتاج في الزهراني ستصلح ابتداء من الاثنين. ما هذه الصدفة! وبالنسبة لمسألة التلوث ادعوا أنهم طلبوا منا ان نحدد خبيراً وهذا الكلام غير صحيح". ولفتت الى ان "هناك دعوى مرفوعة على شركة الكهرباء وهي لا تزال حتى اللحظة عالقة بالتبادل عند القاضي جاد معلوف". وان "شركة الكهرباء تطلب رد الدعوى لأسباب منها عدم الاختصاص وتجاهلت الجانب الإنساني من الموضوع".
وفي بيان صادر بتاريخ 30/7/2016 عن "مؤسسة كهرباء لبنان" ابدت الأخيرة "استغرابها" من تحرك أهالي برجا والبلديات المجاورة الذي "يأتي في وقت اتخذ فيه القرار باستبدال هذا المعمل بآخر جديد بموجب التوصية الصادرة عن اللجنة الفرعية المنبثقة من لجنة الاشغال العامة والنقل والطاقة والمياه وقرار مجلس الوزراء رقم 19 تاريخ 18/4/2016. وذلك بالتوازي مع الإجراءات التي باشرت المؤسسة باتخاذها للحدّ من التلوّث الناجم عن المعمل، خصوصاً" مشيرة الى أنها على تواصل دائم في هذا الشأن مع فاعليات المنطقة وتحديدا مع بلدية برجا، الأمر الذي انكرته المعوش جملةً وتفصيلاً.
كما عرض البيان لسلسلة من الاجراءات التي اتخذتها "مؤسسة كهرباء لبنان". وأشار في الختام إلى انه "من المتوقع انتهاء أعمال التصليح على المجموعة الغازية الأولي في معمل الزهراني ووضعها في الخدمة صباح الاثنين 1/8/2016، الأمر الذي سيساهم بتحسن ملحوظ في التغذية بالتيار الكهربائي في جميع المناطق اللبنانية، ومن بينها المنطقة المحيطة بمعمل الجية الحراري".
 
لكن بيان المؤسسة تترجم على الارض زيادة في التقنين واجراءات اخرى لا علاقة لها بالتلوث. وعن ذلك قالت المعوش: "فوجئنا البارحة ان التقنين زاد عن الأيام السابقة. وقاموا بوضع الاسلاك الشائكة حول شركة الكهرباء منذ الصباح تفادياً لأية ردة فعل لأننا أطلقنا وعداً بانه انّ لم يتمّ الالتزام بالوعود فنحن سنعود سلميا الى الشارع".
كما أكدت المعوش الى انه "تمّ التواصل مع الجهات السياسية فيما خص استدعاء الشباب. ولكننا نعلم ان هذا التحرك هو سياسي بامتياز علماً انّ كل جهة كانت ترفع المسؤولية عن نفسها وتلقيها على غيرها". واعتبرت انّ في الأمر رسالة واضحة لأهالي برجا انطلاقاً من معطيات عدة منها الوجود الكثيف لعناصر الجيش خلال الاعتصام. وأضافت: "كان هناك خمس ملالات تطوّق نحو 30 شخصاً يجلسون على الكراسي أمام معمل الجية. وكانوا بين الدقيقة والأخرى يقومون بترهيبنا من خلال الايحاء برشنا بالمياه. هذا العدد غير المسبوق لم نشهده حتى ايام التحركات رفضاً للمطمر حيث كانت تحضر ملالة واحدة. نحن نقرأ ما حصل معنا انها رسالة مفادها ان "يا اهالي برجا بدنا نكسركن هون ونجيبكن لهون لتترجونا انطلعكن واسترجوا انزلوا لتحت". ولكن نحن لم نتعود على الرضوخ. الآن الشعب يغلي ونحن نحاول التهدئة قدر الإمكان ولكن في الوقت نفسه نحن عاجزين عن ضبط ردة فعل الناس الذين بانتظارنا".

وعند الساعة السادسة مساءً، انتهى التحقيق مع ثلاثة من الشبان التسعة. وقد أخلي سبيلهم بسند إقامة، وقد أكدوا أنهم جرت معاملتهم باحترام وأنّ احداً لم يتعرض لهم. فيما أخليَ سبيل الستة الآخرين عند الساعة الثانية عشرة ليلاً.
يكاد يكون لبنان البلد الوحيد في العالم الذي لا يزال المواطن فيها يعتصم للمطالبة بحقه في الكهرباء. ففي بلد يتغنى بالديمقراطية وحيث حرية التعبير مكفولة في الدستور والقانون، تضع السلطة القوى الأمنية في مواجهة الشعب بغية اخضاعه وترهيبه لمنعه من المطالبة في حقه. فيما يبدو بأنّ بعض القضاة يستخدمون كأداة لمعاقبة الناس على خياراتهم وقراراتهم.