في موازاة محاكمته أمام محكمة الجنايات بجرم قتل زوجته منال العاصي، كان المدعو محمد النحيلي يتابع بواسطة وكلائه دعوى الزنى التي أقامها ضد رجلٍ آخر بحجة أنه أقام علاقةً جنسيّةً مع زوجته قبل وفاتها.

في بداية هذه الدعوى، أدلى المدّعى عليه بوجوب كفّ التعقبات بحقه، على أساس أن موت الزوجة يؤدي إلى إسقاط الدعوى عن شريكها المفترض أيضاً، فلا يُلاحق الشريك أو المتدخّل إلا والزوج معاً وفق المادة 489 من قانون العقوبات. إلا أن المحكمة الإبتدائية (26-2-2015) كما الإستئنافية (16-12-2015) رفضتا الأخذ بهذا الدفع، لتخلصا ليس فقط إلى الحكم عليه وحده بالزنى، وإنما أيضاً بعقوبةٍ جزائيّة تصلّ إلى ثلاثة أشهر حبس مع وقف تنفيذٍ مشروطٍ بتسديد مبلغ عشرة ملايين ليرة لبنانية كتعويض عطلٍ وضرر للزوج النحيلي الذي كان قد سبق له أن قتل زوجته.

قرار محكمة الإستئناف في هذا المجال يستوجب عدداً من الملاحظات:
  • أولاً، أنّ المحكمة اعتمدت تفسيراً هجيناً للمادة 489 عقوبات. فعلى الرغم من وضوح المادة لجهة إشتراط أن تحاكم الزوجة وشريكها معاً، أصرّت المحكمة على إمكانية محاكمة الشّريك وحده رغم وفاة الزوجة. إذ علّلت المحكمة حكمها بالشكل التالي: "القول بأنه لا يجوز ملاحقة الشريك دون الزوجة لا سيما وأنها توفيت ما يسقط دعوى الحق العام عنها، الأمر الذي ينسحب على الشريك، فيستفيد منه، هو قولٌ مردودٌ لأنه لا يدخل ضمن مفهوم المادة 489" (فقرة 2) وهو "متعلق بشخص المتوفي". بناءً على هذا التعليل، يظهر وفق محكمة إستئناف الجنح أنّ إشتراط أن تتم ملاحقة الزوجة والشريك معاً هو إشتراطٌ ينطبق فقط إذا كانت الزوجة حيّة. أما إذا توفيت الزوجة فيسقط الشرط، ويصبح من الممكن ملاحقة الشريك دون الزوجة. والبيّن أنّ المحكمة استندت في تحليلها إلى قراءة غير مفهومة للمادة القانونية، من دون السعي إلى فهمها أو إدراك مقتضيات المصلحة الإجتماعية في تفسيرها بهذا الشكل أو بشكلٍ آخر. فلماذا قرّرت المحكمة هذا الأمر وليس عكسه؟ لا نجد أيّ تعليلٍ لذلك، كما لا يرد ذكر أيّ سابقةٍ قضائيّةٍ أو مرجعٍ فقهيّ بهذا الشأن. فكأنما الأمور هي هكذا فقط لأن محكمة الإستئناف ترغب بذلك.
    وإنطلاقاً من ذلك، أمكن المحكمة أن تجري تحقيقات بشأن مدى تورّط الزوجة التي قضت قتلاً بالزنى، وأن تُنتج حُكماً سيعمد الزوج إلى إستغلاله في إطار مطالبته بالإستفادة من العذر المخفّف. وبذلك، تكون النتيجة العمليّة لهذا الحكم تعزيز مشروعيّة مطالب الزوج القاتل والإمعان في الإساءة لذكرى الضحية التي لم يتسنّ لها حتى الدفاع عن نفسها.
 
  • ثانياً، أن المحكمة ذهبت أبعد من ذلك، بحيث أقرّت للزوج بتعويضاتٍ بلغت قيمتها عشرة ملايين ليرة لبنانية، من دون أن تأخذ بعين الإعتبار تصرّفات الزوج نفسه ومدى أحقيته للمطالبة بتعويض. فعدا عن أنه استوفى الحق بنفسه من خلال قتل زوجته، فمن الثابت أنه دأب على تعنيفها خلال حياتهما المشتركة، وأنه تزوج عليها، ما يجعله مسؤولاً إلى حدّ كبير عن تعاستها العاطفية.
 
  • ثالثاً، أن توجُّه القضاء في هذه القضية بدا في تعارضٍ تامّ مع الفقه والإجتهاد الفرنسيّين السائدين حتى إلغاء جرم الزنى في فرنسا، سواءً لجهة المسؤولية الجزائية أو لجهة إقرار التعويض الشخصيّ. فوفاة الزوجة تحرم الزوج من حقّ تقديم شكوى جزائية بجرم الزنى، إنما هي تسقط أيّ دعوى يكون قد أقامها قبل وفاتها في حال لم يصدر حكمٌ مبرمٌ فيها. وقد علّلت محكمة التمييز الفرنسيّة ذلك بطبيعة هذا الجرم. "عند وفاة الزوجة، تنطفئ الدعوى العامة بحقها وتُحاط ذكراها بقرينة البراءة القانونية، فمن المهم من حيث الآداب العامة وشرف العائلة أن لا يسمح بنقض هذه القرينة من خلال النتائج التي قد تصل إليها مواصلة الدعوى العامة ضد شريكها المفترض. وبخلاف الجرائم الأخرى، فإن إدانة الشريك تكون في تناقض تام مع قرينة البراءة للزوجة التي هي الفاعل الأصلي"[1]. هذا ما أكّده العلّامة الفرنسي Garauxالذي جزم بأن ملاحقة الزوجة والشريك المفترض في جرم الزنى غير قابلين للتجزئة أو للفصل، وأن أيّ سبب لإسقاط الدعوى عن الزوجة يؤدي إلى إسقاطها عن الشريك أيضاً، سواءً لجهة المسؤولية الجزائية أو أيضاً المسؤولية المدنية[2].
 
نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانونية


[1] تمييز فرنسية 8-6-1872، دالوز، اجتهاد، ص 346، وموسوعة دالوز،  
[2][2][2]R. garraud, traite de droit penal, volume 5, 3e ed, 1953 p. 601.