بتاريخ 14-7-2016، أصدرت محكمة جنايات بيروت قرارها في إحدى أشهر قضايا قتل النساء في لبنان: قضية منال عاصي. وكانت منال قضت على يد زوجها بشكل وحشي، بحضور والدتها وعدد من أفراد أسرتها. وقد برر الزوج فعله بأنه كان في سورة غضب شديد في إثر اكتشاف خيانة زوجته له مع رجل آخر. وفي ختام تحليل للوقائع استغرق 45 صفحة، قبلت المحكمة هذا العذر المخفّف بعدما تثبتت من حصول الزنى ومن غضبه لتنتهي إلى تخفيض العقوبة إلى ثلاث سنوات وتسعة أشهر فعلية. وفور نشر القرار، عبرت جمعية كفى (وهي جمعية لبنانية كان لها دور رائد في اقرار قانون العنف ضد المرأة) عن دهشتها إزاءه، داعية إلى اعتصاملمطالبة النيابة العامة بالطعن فيه أمام محكمة التمييز.

وقد رأت "كفى" أن الحكم أعاد إحياء الشرف كعذر لقتل النساء، بعدما كان لبنان خطا خطوات هامة في مجال مكافحة هذا النوع من الجرائم[1]. وتمثلت هذه الخطوات تباعا في قانون 2011 بإلغاء المادة 562من قانون العقوبات[2] التي كانت تمنح العذر المخفف للزوج الذي يفاجئ زوجه وهي في حال جماع فيقتلها وأو يقتل شريكها، وفي قانون 2014 بشأن مكافحة العنف الأسري ضد المرأة وسائر أفراد الأسرة. وفي هذا المقال، سنقدم قراءة لهذا القرار، محاولين أن نحيط من خلالها بمختلف الاعتبارات المنتجة التي أولتها أو لم تولِها المحكمة الأهمية اللازمة فيه. فما الذي أقنع المحكمة بأن غضب الزوج مصدره حقيقة هي إقامة زوجته علاقة مع رجل آخر؟ وهل يشكل العلم بالخيانة الزوجية سببا مشروعا لتبرير سورة الغضب؟ ثم، هل جاءت ردة الفعل الغاضبة متناسبة مع الفعل الذي تسبب بها؟ وختاما، هل تتلائم العقوبة مع خطورة الجرم الحاصل؟

أي سبب لهذا الغضب؟
هنا، بدت المحكمة قانعة بأن سبب الغضب هو أخذ الزوج علماً بأن زوجته قد خانته. إلا أن التدقيق في وقائع الدعوى يظهر ضعف الأسس التي انبنت عليها هذه القناعة: فقد برز في الملف جوانب عدة من شخصية الرجل من شأنها نسف هذه الفرضية أو على الأقل فرض إخضاعها لمزيد من التدقيق.

غضب القبضاي الذي نهابه
فالمتهم ليس شخصا عاديا بل هو "رجل قوي البنية وشاب مندفع وقبضاي يفصل بين المتعاركين ويهابه سكان الحي" (القرار، ص. 36) وهو انفعالي يثور بسرعة ولا يتمالك أعصابه (القرار، ص. 43). وتظهر هيبة الرجل ضمنا في شهادات عدة: فجاره الذي أكد سماعه أصوات الصراخ والاستغاثة، أفاد أنه لم يستطع أحد التدخل في الموضوع لأن الجميع يخاف من المتهم (القرار الإتهامي الصادر عن الهيئة الإتهامية في بيروت في 9-4-2014). كما أن عناصر الدفاع المدني لم يصعدوا إلى منزل المتهم بعدما علموا من الأشخاص الذين كانوا أمام المنزل أن الزوج يضرب زوجته وأنه حسب التعليمات لا يمكن التدخل في هذه الحالات (القرار الإتهامي). كما يثبت قرار المحكمة أن رئيس فصيلة طريق الجديدة نفسه لم يجرؤ التدخل حين علم بضربه لزوجته، إنما اكتفى بالإتصال بصديق له طالبا منه التدخل لتهدئته (القرار، ص 27). وما ورد في قراري الإتهام والإدانة ليس إلا نذراً نذيراً من المعلومات التي أكدتها غير وسيلة إعلامية لجهة مكانة الرجل كقبضاي في الحي، مقرّب جداً من أحد التيارات السياسية[3].

عنف زوجي متكرر وغير مبرر
ورهبة القبضاي لا تقتصر على الشارع. بل أن المحكمة تثبتت من أن الرهبة نفسها تحكم علاقته مع زوجته داخل البيت. فوفق شهادة بناته، كان يضرب زوجته على وجهها ويركلها. وقد سرّت إحداهما أن الضرب كان يحصل لأسباب تافهة، فيما قالت الأخرى أن الضرب كان يحصل مرات عديدة أمامها وكانت تبقى آثاره على جسم والدتها التي تعنّفت كثيراً. كما نقلت المحكمة عن إحداهما أن ضرب أمهما كان يخيفهما ويبكيهما كثيراً. والرهبة هذه تنسحب على أهل الضحية جميعا وفق ما نطالع في شهاداتهم لجهة تعرضه لهم بالضرب والإعتداء وبأنه من أصحاب السوابق ويقوم دائما بتهديدهم بالقتل (شهادة شقيقة الضحية وشقيقها، القرار الاتهامي). وبالطبع، هذا العنف المتكرر والذي لم يكن له أي صلة بالخيانة أو بزنى الزوجة، إنما يعكس النظرة الدونية التي كانت تنبني عليها علاقة المتهم بزوجته. وما أكد هذه النظرة الدونية هو زواجه عليها من امرأة أخرى، وهو أمر سبب لها حكما الكثير من الألم حسبما ورد في شهادة إحدى ابنتيها أمام المحكمة (القرار، ص. 25).

وهذه الوقائع مجتمعة إنما تسمح بتكوين صورة مغايرة عن أسباب غضب المتهم. فغضبه لا يرتبط بالضرورة بدوره الاجتماعي كأب للعائلة، إنما ربما بصورته كقبضاي الحي الذي يرهبه الناس ولا يجرؤ أحد على معاكسته. فالمحافظة على هذا الدور تجعله شديد الحساسية والإنفعال لا يتمالك أعصابه إزاء أي خروج عن طاعته تماما كما نقل عنه مرات عدة. ومن هذه الزاوية، الجرح الذي أصابه ليس بالضرورة جرح أب الأسرة إنما وقبل كل شيء جرح القبضاي الذي شعر عند اكتشاف تمرد زوجته عليه، بأنه في صدد فقدان هيبته في محيطه واحتمال تحوّله على العكس من ذلك إلى موضوع سخرية وشماتة. فجاءت ردة فعله الغاضبة لتعيد إليه اعتباره ومكانته كقبضاي لا يتورع عن إسالة الدم وتحدّي القوانين تأكيدا على مكانته. وما يعزز ذلك هو المشهدية الاحتفالية التي نظمها بنفسه لاستعادة اعتباره، حيث أصرّ في حمأة غضبه المدعّى به على دعوة أفراد عائلة زوجته ليشهدوا على تجليات سلطته التي وصلت إلى حدّ امتصاص الدم من شفتي زوجته ليبصقها في وجه أمها.

لم تشأ المحكمة مناقشة الاحتمال المذكور أعلاه، بل اكتفت بالفرضية التي قدمها المتهم من دون أي تدقيق، لجهة غيرته على شرف عائلته. وما يعزز هذا الأمر قابلية للنقد، هو أن المحكمة أبدت في هذا المجال تساهلا كبيرا في الإقتناع بالوقائع التي ترجّح رواية المتهم. فقد أكدت المحكمة أنه متديّن، بمعنى أنه حريص على شرف زوجته. وهنا، نلحظ باستغراب أنها استخلصت هذا الوصف من واقعة أنه "يفتح بيته" لتمكين زوجته من إقامة حلقات "الذكر" وإعطاء الدروس الدينية. وهذا الاستنتاج إنما يكشف المفاهيم الحاضرة التي تبطنها المحكمة، لجهة أن الرجل هو صاحب البيت وأن أي نشاط تقوم به زوجته هو نشاط يسمح هو به ويعبر ليس عن قناعاتها، بل بالدرجة الأولى عن قناعاته. 
ومن جهة أخرى، تساهتْ المحكمة عن كل أسبقيات المتهم وتعامله العنيف مع زوجته ومع محيطه برمته لسبب أو من دون سبب، وقد شكّلت بالنسبة إليها عيوبه كقبضاي (انفعالي يثور بسرعة ولا يتمالك أعصابه) دليلا يبرر استفادته من عذر الغضب من دون أن تعتبره بحال من الأحوال مؤشرا على خطورته الاجتماعية.

هل يشكل "التعرض للشرف" سببا مشروعا للغضب؟
السؤال الثاني الذي لا بدّ منه هو فيما إذا كان زنى زوجة المتهم يشكل نظريا سببا مشروعا لردود الفعل الغاضبة سندا للمادة 252 من قانون العقوبات اللبناني. فالمادة المذكورة تشترط للأخذ بالعذر المخفف أن تجتاح المتهم ثورة غضب شديد نتيجة عمل غير محق على شيء من الخطورة أقدم عليه المجنى عليه، وبكلام آخر أن يكون غضبه مشروعاً. فمصدر العذر ليس الغضب بحد ذاته، إنما الغضب المشروع. وبالطبع، مشروعية الغضب هنا تُقاس على ضوء مواقف المشرع والمصالح الإجتماعية الجديرة بالحماية، وليس من زاوية الآراء الشخصية للمتهم. والسؤال الأساسي الذي يجدر طرحه هنا هو حول مغزى إلغاء المشرع للمادة 562 من قانون العقوبات التي كانت تمنح العذر المخفّف للزوج الذي يفاجئ زوجه وهي في حال جماع فيقتلها وأو يقتل شريكها. فألا يعكس إلغاء هذه المادة إلتزاما تشريعيا في تأمين حماية للنساء موازية لحماية الرجال ضد القتل، عملا بمبدأ المساواة، وفي مواجهة ما يسمى جرائم الشرف ومجمل العادات والمعتقدات المرتبطة بها؟ وألا يؤول هذا الأمر إلى تكريس مبدأ مفاده أنه لا يجوز منح أي عذر لقتل النساء أو للإعتداء عليهن بداعي صون الشرف؟ فكيف يعقل أن يحجب العذر المخفف عن الزوج الذي يرى زوجته في حال جماع مع آخر فيقتلها، فيما يستفيد من هذا العذر الزوج الذي يسمع أو يقرأ عن جماع زوجته مع شخص آخر فيقوم بالفعل نفسه؟ وألا يؤدّي تفسير المادة على هذا الوجه إلى نتيجة عبثية مفادها حجب العذر عمن كان يفترض أن يكون في وضعية تستثير غضباً أكبر؟

بذلك، تصبح الرسالة التشريعية الموجهة إلى المجتمع مع إلغاء المادة 562 خالية من أي لبْس، ومفادها أن التزام القانون بتأمين المساواة بين الجنسين على صعيد الحماية القانونية يفرض عليه مكافحة مجمل التقاليد والمعتقدات المهددة لها وتاليا إهمال مجمل الأعذار المرتبطة بها. وما يعزز هذه القراءة هو قانون حماية المرأة وأفراد الأسرة من العنف الأسري والذي يؤكد الأمر نفسه، بحيث يُجيز اتخاذ تدابير حماية إزاء العنف الزوجي ويشدد عقوبة الجرائم المشمولة فيه بمعزل عن دوافعه وأسبابه. وإذ يعكس هذا التوجه تطورا اجتماعيا، فهو لا يعني بالمقابل أن تكون تقاليد الشرف والأدوار الاجتماعية التي يقوم عليها ويفرضها قد تلاشت تماما، ولكن يعني أن المشرع قرّر أن لا يحميها أو يأخذها بعين الاعتبار، وذلك بهدف مكافحتها وردعها. فالتشريعات تقوم على مبدأ المساواة أو على الأقل تتجه إلى تكريس هذا المبدأ وعليها أن تهدم في مسارها هذا مجمل القيم المبنية على اللامساواة ومن أبرزها جعل الرجل قواما وحارسا على التزام المرأة بموجبات الحشمة.

وهنا، نسجل توجهين قضائيين قابلين للنقد:
التوجه الأول بقبول ملاحقة الشريك المفترض للزوجة في جريمة الزنى رغم وفاة الزوجة، على نحو يعزز مشروعية مطالبة الزوج بالاستفاة من العذر المخفف. وهذا ما نقرؤه في الحكم الصادر بتاريخ 16-12-2015 عن محكمة استئناف الجنح بالمصادقة على حكم آخر بالمعنى نفسه صدر عن القاضي المنفرد الجزائي. ونلحظ هنا أن هذا الحكم يتعارض مع الفقه والاجتهاد الفرنسيّين السائدين إلى حين إلغاء جرم الزنى في فرنسا. "فعند وفاة الزوجة، تنطفئ الدعوى العامة بحقها وتُحاط ذكراها بقرينة البراءة القانونية، فمن المهم من حيث الآداب العامة وشرف العائلة أن لا يسمح بنقض هذه القرينة من خلال النتائج التي قد تصل إليها مواصلة الدعوى العامة ضد شريكها المفترض. فبخلاف الجرائم الأخرى، فإن إدانة الشريك تكون في تناقض تام مع قرينة البراءة للزوجة التي هي الفاعل الأصلي"[4]. وفيما كان يكفي محكمة الجنايات بيروت الإستناد إلى الحكم المبرم المبرز أمامها لإثبات واقعة الزنى، إلا أنها ذهبت أبعد من ذلك في اتجاه إجراء تحقيقات إضافية إثباتا له، فاستدعت عددا من الشهود في هذا المجال، بما فيهم ابنتي المتهم وضحيته. وقد بدت هذه التحقيقات بمثابة تحوير ضمني لموضوع الدعوى من دعوى لمحاكمة الزوج القاتل، إلى دعوى لمحاكمة الزوجة الضحية. والمفجع هنا هو أن القرار تعمد سرد عدد من محادثات الواتساب التي تتضمن عبارات حميمية من شأنها التسبب بمزيد من الإساءة لذكرى الضحية.

التوجه الثاني، تسليم محكمة الجنايات بأن الزنى الحاصل يشكل عملا غير محق من قبل الضحية تجاه المتهم، من دون تكبد عناء التحرّي عن مدى جواز التذرع بعذر الغضب على ضوء التطورات التشريعية وفق ما ذكرناه أعلاه. وما يزيد هذا الحكم قابلية للانتقاد هو أن هذه القضية كشفت بوقائعها حجم المأساة التي يعانين منها النساء بفعل منظومة الشرف. فماذا يعني أن تناشد الوالدة المتهم وهو في خضم قتل ابنتها، أن يحتفظ بها كخادمة لأولاده؟ وما معنى أن تتستر الوالدة على أسباب إصابة ابنتها أو أن تعود شقيقتها لتسقط حقها في هذه القضية؟ والأخطر من ذلك كله، ما معنى ما خلصت إليه المحكمة لجهة أن همّ أهلها تمثل في "لملمة القضية ومع نشر فضيحة علاقة ابنتهم (بشريكها المفترض) أكثر من همهم نجدتها ونقلها إلى المستشفى" (القرار، ص. 39)؟

كان الأجدى بالمحكمة عند انكشاف كل هذه الوقائع الخطيرة، أن تعتمد توجها من شأنه تخفيف حدة منظومة الشرف استلهاما بتوجهات المشرع لا أن تعيد تكريسه تحت غطاء "الغضب". لكن المحكمة اختارت أن تتجنب الخوض في هذه المسألة برمتها، فخلا القرار من أي مناقشة لعذر الشرف أو حتى من أي ملاحظة بشأن مدى خطورته أو تأثيراته على أوضاع النساء.

هل جاءت ردود الأفعال متناسبة مع خطورة الفعل؟
السؤال الثالث الذي تطرحه هذه القضية هو إلى أي درجة جاءت ردود الأفعال بما تميزت به من شراسة غير معهودة بحق الزوجة (دوْس رأسها، تمزيق شفتيها لمص دمائها وبصقها في وجه أمها، التسبب في رمي طنجرة ضغط غالية على جسدها، تركها لساعتين غارقة في دمائها وفي حال إغماء، تنظيم مشهدية احتفالية لانتقامه من زوجته، الاعتداء المتكرر على أفراد عائلتها الحاضرين لمسرحية القتل...) متناسبة مع التعرض لشرفه وكرامته. وهذه المسألة هامة وهي تمنح محكمة الجنايات هامشا آخر لتقييم مدى أحقيته للاستفادة من العذر المخفف. وهذا ما تؤكده قرارات قضائية عدة استبعدت العذر حين بدت ردة الفعل مبالغا بها بالنسبة إلى الفعل الذي تسبب بغاضب الفاعل. فلا يجوز مثلا تطبيق العذر على من قتل شخصا لأنه شمت به أو وجه إليه صفعة لعدم التناسب بين الفعل وردة الفعل. إلا أن المحكمة هنا أيضا أبدت تساهلاً بينا إزاء المتهم، تساهلاً يستشف منه أن المحكمة لا تجد حرجا، ليس فقط في عذر القتل دفاعا عن الشرف، إنما في عذر القتل البربري لهذه الغاية. وفي هذا السياق، لم تأخذ المحكمة بعين الاعتبار أعمال التعذيب الوحشي عند النظر في مدى استفادة المتهم من عذر الغضب. ولم تولِ أي اهتمام لكرامة والدة الضحية ومشاعرها حين بصق دم ابنتها بوجهها وتعمد تنفيذ حكم الإعدام أمام ناظريها ولا لشهادة شقيق الضحية بأنه ضربه وضرب شقيقتيه، ولا لشهادة شقيقتها بأنه ضربها وحاول خنقها حين حاولت وقف تعديه على زوجته. فكل هذه الوقائع بدت بالنسبة إلى المحكمة غير منتجة أمام هول اكتشاف الحقيقة الجارحة المتمثلة بالخيانة الزوجية.

والأهم من ذلك هو أن المحكمة لم تأخذ أبداً بعين الاعتبار المدة التي استغرقتها ردود أفعال المتهم وقد بلغت ساعات عدة، تخللها ساعتان خرج فيها المتهم لزيارة والدته واحتساء القهوة مع صديق له، بعدما أوصد باب المنزل لتنفق زوجته أمام أنظار والدتها. فهل نحن أمام نوبة هستيريا، أمام غضب لم يقوَ المتهم على السيطرة عليه في لحظة تخلّ أم أمام انتقام مبني على إرادة المتهم في استعادة كبريائه المجروحة وإن كان فوريا؟ ومن المؤشرات المؤثرة هنا هو أن القرار خلا من أي إشارة إلى اعتذار المتهم أو تعبيره عن ندمه لارتكاب فعلته. فكل ما طلبه في كلمته الأخيرة، الرحمة والعودة لتربية ابنتيه (ص. 29).

العقوبة التي يستحقّ
بقي أن نناقش العقوبة التي انتهت إليها محكمة الجنايات. ففي البداية، أثبتت المحكمة أن الفعل يقع تحت الفقرة الرابعة من المادة 549 عقوبات الموجبة للإعدام بالنظر إلى ارتكاب أفعال التعذيب. لكنها عادت وأنزلت هذه العقوبة إلى سبع سنوات بعدما أقرت للمتهم حق الاستفادة من العذر المخفف وفق ما بيناه أعلاه، لتعود مجددا وتخفضها إلى خمس سنوات بعدما منحته أسباباً تخفيفية.

وبالعودة إلى القرار، يظهر أن منح الأسباب التخفيفية مبرر بأمرين اثنين هما:

  • إسقاط عائلة الضحية لحقوقها الشخصية. وفيما يؤخذ عموما بسبب كهذا لتخفيف العقوبة، فإن الذهاب في هذا الاتجاه في هذه القضية حيث تختلط قيم الفتوة بقيم الشرف، إنما يؤدي إلى تعميم ممارسة الضغط على ذوي الضحايا للتنازل عن حقوقهم، وتعزيز توجه العائلات إلى التستر على قتل بناتها على توجهها إلى العدالة، مما يضاعف من المخاطر المحدقة بالنساء،
  • واستعطاف ابنتيه للمحكمة في جلسة المحاكمة الأخيرة "لأنهما بأمس الحاجة إليه لرعايتهما وإكمال تعليمهما". وربما شكل هذا الاستعطاف سببا مؤثرا ليس فقط في تحديد العقوبة، إنما في تحديد مسؤولية المتهم الذي بات المعيل الوحيد لابنتيه، ولا سيما في ظل سوء مؤسسات الرعاية وانتفاء قانون للرعاية البديلة وبشكل أعمّ ضعف رقابة الدولة على أوضاع الأولاد الذين يربون خارج بيئتهم العائلية. ففي حالات معينة، قد تفضل بعض المحاكم إبقاء الأطفال مع آباء متعسفين على اعتبار أن هذا التعسف يبقى أقلّ خطورة من المخاطر التي قد تحدق بهم بعيدا عن هؤلاء. إلا أنّه يصعب في ظروف قضية كهذه بما بلغته من قسوة ووحشية رمزيتين، تغليب مصلحة الطفلتين الإحتمالية على الحق العام وما يفترضه من حماية للمجتمع إزاء أفراده الخطرين.

وبالنتيجة، بدت المحكمة هنا أيضا وكأنها تبني قرارها على معطيات القضية من دون إيلاء أي اعتبار لما يترتب عليه من تأثيرات اجتماعية. وما يزيد هذا الأمر قابلية للإنتقاد هو أن المحكمة لم تقرن العقوبة بأي عقوبات فرعية كتجريده من حقوقه المدنية أو احترازية كإخضاعه لدورات أو جلسات تأهيل ضد العنف الأسري أو إخضاعه بعد خروجه لرقابة قضائية بالنظر إلى خطورته.
 
خلاصة
بختام هذه الملاحظات، أمكن القول بأن هذا القرار يشكل مقدمة ليس فقط لإعادة إحياء قيم الشرف الذكوري تحت غطاء "الغضب" وعلى نحو يناقض مجمل التوجهات التشريعية الأخيرة، بل أيضا لإنعاش روح الفتوة والقبضايات بما فيها من عنفوان وانفعالات بدائية وردود أفعال وحشية وسريالية. فللشرف والتعصب الاجتماعي والتدين مكانتهم في تبرير قتل النساء، وكذلك للشخصية الانفعالية التي تثور بسرعة ولا تتمالك أعصابها وتمنحنا أرهب ما تفتقت عنه المخيلة من مشاهد قهر وتعذيب. ومؤدى ذلك طبعا هو تكريس القوى والقيم المهيمنة، وبثّ الرعب في قلوب النساء عموما والنساء المعنفات خصوصا ومجمل الفئات الهشة والمستضعفة. أبعدوا عنا آلة القتل هذه.

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانونية

 


[1] إلهام برجس، كفى احتجاجاً على قرار منال عاصي: على النيابة العامة أن تطعن في هذا الشرف، نشر على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 22-7-2016.  
 
[2] عزة شرارة بيضون، 562وإلغاؤها في خطاب نوّاب الأمّة، نشر على الموقع الإلكتروني للمفكرة القانونية بتاريخ 18-10-2011. 
[3] سعدى علوه، قاتل منال العاصي حرا بعد 18 شهرا، السفير، 16-7-2016.
[4] تمييز فرنسية 8-6-1872، دالوز، اجتهاد، ص 346، وموسوعة دالوز،