شهد لبنان خلال تاريخه الحديث مجموعةً من النظم القانونيّة التي ترعى العملية الإنتخابية فيه. عند استحضارها، غالباً ما يتمّ التركيز على القانون الذي صدر في عهد الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964) ويعرف باسم "قانون الستين"، نظراً لأهميّته ضمن الحياة السياسيّة في لبنان، وفي توزيع القوى داخل مجلس النوّاب.
لكن هذا القانون لم يخرج من العدم، بل جاء بعد مجموعةٍ كبيرة من النصوص التي حكمت الإنتخابات، وأرست قواعد ما برحت خطوطها الرئيسيّة قائمةً حتى يومنا هذا.
لذلك، ومع طرح قانون الإنتخاب للنقاش، يبدو من المفيد تتبّع مسار لبنان الإنتخابيّ على إمتداد المراحل التاريخيّة، منذ التجربة الإنتخابيّة الأولى في زمن متصرفيّة جبل لبنان حتى مرحلة الإستقلال.


 
حقبة المتصرفيّة:
الإنتخاب للمرة الأولى
 
نصّت المادة العاشرة من نظام المتصرفيّة الأساسيّ المعدّل سنة 1864 على التالي: "إن الحكّام ينصّبهم المتصرفون بخلاف أعضاء مجلس الادارة[1] فإنهم ينتخبون بمعرفة مشايخ القرى، كما أن إنتخاب الشيخ يكون بمعرفة أهل القرية. ثم أن أعضاء مجلس الإدارة يجدّد إنتخاب ثلثهم كلّ سنتين، ويجوز تكرير إنتخاب مَن انقطعت مدة عضويتهم".
هذا النص أدخل مبدأ الإنتخاب للمرة الأولى إلى لبنان، ولكنه جعل عملية الإقتراع تجري على درجتين: ينتخب ذكور كلّ قرية الذين أتموا 15 سنة وأقاموا في القرية لخمس سنواتٍ متتالية "شيخ صلح". ثم يجتمع مشايخ الصلح في يومٍ يحدّده المتصرّف، إما في مركز القضاء أو في مركز المتصرفيّة، لإنتخاب عضو مجلس الإدارة.
في الواقع، افتقرت هذه الإنتخابات لكلّ مقوّمات النزاهة والحريّة بسبب ضغوط المتصرّف وتدخّل القناصل، علماً أن الإقتراع لم يكن حتى سريّاً بل كان يتوجب على المقترع أن يوقّع ورقة إنتخابه، وعلى شيخ الصلح أن يختمها أيضاً بختمه الرسميّ.
في سنة 1907، تمّ إدخال مبدأ سريّة التصويت من خلال تعديل النظام الأساسيّ، صارت تجري عملية الإنتخاب "بلا تدخّل الحكومة"، على أن يضع المشايخ "أصواتهم بأيديهم في علبة مختومة بختم مجلس الإدارة ويجب أن لا يكون على تلك الأصوات أقل علامة تميزها...".
 
 
حقبة الإنتداب
 
أولاً: الإنتخابات في لبنان الكبير
 
مع إعلان دولة لبنان الكبير، أصدر الجنرال غورو في الأول من أيلول سنة 1920 قراراً يحمل الرقم 336 نظّم عمل المؤسّسات في لبنان الكبير. أوجد هيكليةً إداريّةً على رأسها موظفٌ فرنسيّ كبير يحمل لقب "الحاكم" تناط به السلطة التنفيذيّة، بحسب المادة السادسة من هذا القرار. إلى جانب الحاكم، أنشأ القرار ما عرف باللجنة الإداريّة، وهي هيئةٌ إستشارية لا تتمتع بأية سلطةٍ فعليّةٍ، تتألف من خمسة عشر عضواً معيّنين يمثّلون الطوائف. تنحصر صلاحياتها بإبداء الرأي ليس أكثر. لاحقاً، تمّ الغاء هذه اللجنة، واستعيض عنها بمجلسٍ تمثيليّ منتخبٍ وفقا لأحكام القرار 1307 الصادر في 10 آذار سنة 1922 عن المفوض الساميّ بالوكالة روبير دي كي، والذي يمكن اعتباره أول قانون متكامل للإنتخاب في لبنان.
 
عملاً بأحكام هذا القرار، يتألف المجلس التمثيلي من ثلاثين[2] عضواً (المادة الأولى)، منتخبين على درجتين وفقاً للشكل التالي: ينتخب الناخبون الأولون، المؤلفون من الذكور الذين أتموا الواحد والعشرين من عمرهم، المندوبين الذين يقومون بدورهم بانتخاب أعضاء المجلس التمثيلي. فيكون هناك مندوبٌ واحد عن كلّ 250 ناخباً أولياً، وعضوٌ في المجلس التمثيلي عن كلّ 20 ألف مواطن (المادة 11 من القرار).
في 21 آذار 1922، أصدر حاكم لبنان الكبير ترابو القرار رقم 1240، ووزّع بموجبه المقاعد على الطوائف وفقاً للنسبة التمثيلية التي حدّدها قرار المفوض الساميّ، وقسّمها على الدوائر الإنتخابية التي كانت تتألف من: مدينة بيروت (خمسة نواب)، ومدينة طرابلس (نائب)، وألوية (اليوم، اسمها محافظات) جبل لبنان (ثمانية نواب)، والشمال (أربعة نواب)، والجنوب (ستة نواب)، والبقاع (ستة نواب).
 
عمد المفوّض الساميّ الجديد موريس ساراي، العلمانيّ النزعة والمعادي للمؤسسة الدينيّة، إلى حلّ المجلس التمثيليّ الذي انتخب في أيار 1922، وقام بإعداد مشروع قانون جديد للإنتخابات نصّت مادّته الأولى على إلغاء التوزيع الطائفيّ للمقاعد النيابيّة، وتبنّي النظام الأكثريّ على دورتين في إنتخاباتٍ مباشرةٍ، وعلى درجةٍ واحدة.
كان هدف ساراي، وفقاً لما أورده في تقريرٍ أرسله إلى فرنسا، هو الحدّ من الطائفيّة، ومن نفوذ أصحاب رأس المال في المدن وملاك الأراضي في الريف. لكن وزارة الخارجيّة الفرنسيّة لم تكن بحماسة مفوّضها الساميّ، إذ رأت في المشروع تهديداًلمصالحها في لبنان والمنطقة. فأبرقت إلى ساراي تأمره بالمحافظة على التوزيع الطائفيّ، واعتماد التقسيم الإداريّ نفسه في الإنتخابات التالية. وهكذا، أجريت الإنتخابات في 28 حزيران و12 تموز 1925 وفقا لأحكام القرار 1307.
 
 
ثانياً: الإنتخابات في الجمهوريّة اللبنانيّة
 

 
مع إقرار الدستور في 23 أيار 1926 تحوّل موضوع قانون الإنتخاب إلى مادة دستوريّة، إذ نصّت المادة 24 القديمة منه على التالي: "ينتخب أعضاء مجلس النواب وفقاً للقرار 1307 المؤرّخ في 8 آذار سنة 1922، الذي يبقى نافذاً إلى أن تضع السلطة المشترعة قانوناً جديداً للإنتخابات"·ولمّا كانت السلطة التشريعيّة تتألف من مجلسٍ للنواب منتخبٍ ومجلسٍ للشيوخ معيّنٍ، شكل إلغاء هذا الأخير ودمج أعضائه في مجلس النواب سنة 1927 السبب في إنقسام النوّاب طيلة فترة الإنتداب، بين نوّاب منتخبين ونوّاب معيّنين من قبل رئيس الجمهورية. فقد نصت المادة 24 المعدّلة على التالي: "يتألف مجلس النواب: 1- من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفاقاً لأحكام القرار 1307 (...)2- من نواب معينين بمرسوم من رئيس الجمهورية يتخذه بمجلس الوزراء (...).أما عدد النواب المعينين فيوازي نصف عدد النواب المنتخبين"·
 
في سنة 1929، انتهت ولاية مجلس النواب. جرت إنتخابات جديدة في 2 حزيران 1929، انبثق عنها مجلسٌ للنواب مؤلفٌ من ثلاثين عضواً منتخباً وفقاً للنظام السابق، أيّ على درجتين، وخمسة عشر عضواً معيناً.
 
شكّل الخلاف على الإنتخابات الرئاسية سنة 1932 ذريعةً للمفوض السامي بونسو كيّ يعلّق الدستور ويحلّ مجلس النواب. وبعد إنقضاء سنتين على هذا التدبير، قرّر المفوض السامي الجديد داميان دي مرتيل إعادة الحياة التمثيليّة إلى لبنان، لكن مع الإبقاء على الدستور معلّقاً. وهكذا، أعاد القرار رقم 1 تاريخ 2 كانون الثاني 1934مجلس النواب إلى الوجود، وأناط به السلطة التشريعيّة، من دون الحقّ في مراقبة أعمال الحكومة. وتم تنظيم طريقة إنتخاب أعضائه وعددهم، بالقرار رقم 2 الذي أدخل للمرة الأولى في تاريخ لبنان الإقتراع العام المباشر(المادة 6 من القرار رقم 2)،وليس على درجتين كما حصل في الماضي. بموجب هذا القرار، صار مجلس النواب يتألف من خمسة وعشرين عضواً: سبعة يعينهم رئيس الجمهورية، وثمانية عشر منتخبين"على أساس نائب عن كلّ خمسين ألف ساكن" (المادة 4 من القرار رقم 1)، موزّعين على الطوائف مع الإبقاء على المحافظة كدائرة إنتخابيّة.
 
أعاد المفوض الساميّ العمل بالدستور سنة 1937، وكان قد سمح لمجلس النواب سنة 1936 بإنتخاب رئيسٍ للجمهورية. وفي 24 تموز 1937، أصدر الرئيس اميل إدّه المرسوم 891/ECالقاضي بحلّ مجلس النواب، ودعوة الهيئات الإنتخابيّة لإنتخاب المجلس الجديد في 24 تشرين الأول 1937.
في السابع من تشرين الأول 1937، أصدر المفوض السامي القرار رقم 135 الذي جعل عدد النواب المنتخبين 42 عضواً والمعيّنين 21 عضواً. وبالتالي، أصبح مجلس النواب يتألف من ثلاثة وستين نائباً، فجرت الإنتخابات وفقاً للقرار رقم 2.
 
الإنتخاب في حقبة الإستقلال
 
إندلعت الحرب العالميّة الثانيّة، فحلّ المفوض السامي غبريال بيو مجلس النواب وعلّق العمل بالدستور من جديد. وعقب هزيمة فرنسا "الفيشية" ودخول قوات "فرنسا الحرّة" والجيش الإنكليزي سنة 1941 إلى لبنان، أصدر الجنرال كاترو القرار رقم 129 تاريخ 18 أذار 1943، وعدّل في المادة الثالثة منه الدستور بحيث ألغى فئة النوّاب المعيّنين، وبات المجلس يتألف فقط من نوّاب منتخبين.
حدّد الرئيس المعيّن أيوب ثابت نسبة المعدّل الإنتخابي بنائبٍ عن كلّ 23 ألف مواطن، ووزّع المقاعد مانحاً المسيحيين 32 مقعداً والمسلمين 22 فقط. ما شكّل سبباً للخلاف الطائفيّ، استدعى تدخّلات لإيجاد صيغة توافقيّة. فأقدم المندوب الفرنسيّ الجديد جان هيللو (القرار رقم 312 تاريخ 31 تموز 1943) على إعادة توزيع المقاعد، بحيث بات يتألف مجلس النواب من خمسة وخمسين عضواً: 25 مسلماً و30 مسيحياً، أيّ أنّ كلّ خمسة نواب مسلمين يقابلهم ستة مسيحيين. ظلّ العمل بهذه القاعدة سارياً حتى إتفاق الطائف لتحل محلها "المناصفة"، علماً أن الإنتخابات جرت عملاً بالقرار رقم 2، إذ تمّ فقط تعديل عدد المقاعد والتوزيع الطائفيّ من دون المسّ بهيكلية القرار الأساسيّة.
شكّلت القوانين التي صدرت في فترة الإنتداب الإطار الذي تحكّم بكلّ النظم الإنتخابية التي عرفها لبنان منذ الإستقلال وحتى اليوم. فجميع الإنتخابات التي شهدها لبنان اعتمدت النظام الأكثريّ والتوزيع الطائفيّ، لكنها اختلفت لجهة تقسيم الدوائر. إذ يختلف التوزيع خدمةً لمصالح الممسكين بالسلطة.
انتخابات مجلس 1947 جرت وفقاً لأحكام القرار رقم 2 مع تعديلاته، بينما تم إقرار قانون جديد سنة 1950 جرت على أساسه انتخابات سنة 1951. فيه، رفع عدد النواب إلى 77 مع الابقاء على المحافظة كدائرة انتخابية في بيروت والبقاع والجنوب، في حين اعتمد القضاء كدائرة في محافظتي جبل لبنان والشمال. وقد سار الرئيس كميل شمعون على النهج ذاته، فأدخل تعديلات[3] على قانون 1950 بحيث تقلص عدد النواب إلى 44، وقسّم لبنان إلى 33 دائرة إنتخابية صغيرة، لا تضمّ أكثر من مقعدين بهدف ضرب خصومه وتشتيت قواهم. الأمر عينه انسحب على انتخابات 1957، إذا أعاد الرئيس شمعون تقسيم الدوائر التي أصبحت 27 دائرة مع رفع عدد النواب إلى 66.
لقد تكرّس قانون الانتخابات القائم على النظام الأكثريّ والدوائر الكبرى كوسيلة تستخدمها السلطة السياسيّة للحفاظ على مصالحها وتأبيد الخطاب الطائفي ومنطق المحاصصة والزبائنية. والغريب أن فترة الإنتداب كانت تعتمد لإحتساب عدد أعضاء المجالس النيابيّة على المعدل الإنتخابيّ وفقاً لإحصاء دوريّ للسكان. لا بل أن القرار رقم 312 سنة 1943 المذكور سابقاً، نصّ في مادته الثانية على ضرورة إجراء "إحصاء عام لأهالي لبنان" في مدةٍ لا تتجاوز السنتين من تاريخ القرار. غير أن هذا الاحصاء الموعود لم يحصل إطلاقاً، إذ منعت المقاربة الطائفيّة كلّ تعدادٍ علميّ لسكّان لبنان، وانفصل قانون الإنتخابات منذ 1943 عن الواقع الإجتماعيّ للبلاد، وبات يرتبط كليّاً بتوازن المصالح بين مختلف القوى الطائفيّة المهيمنة على السلطة.

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانون


[1]  عملاً بالمادة الثانية من النظام الأساسيّ، كان مجلس الإدارة يتألف من 12 عضواً موزعين على الطوائف (4 موارنة، 3 دروز، 2 روم أرثوذكس، كاثوليكيّ واحد، سنيّ واحد، وشيعيّ واحد).
[2] استند القرار على نتائج إحصاء سنة 1922 لتحديد النسب التمثيلية في المجلس.
[3] من التعديلات المهمة أيضا إعطاء المرأة الحاصلة على الشهادة الابتدائية حق الاقتراع (المادة 21) وكذلك جعل الاقتراع اجباريا (المادة 23).