في الأيام الأربعة الأخيرة من شهر حزيران 2016، التي تلت تفجيرات القاع، تجاوز عدد المواطنين السوريين الذين تم توقيفهم من قبلالجيشاللبناني1170شخصاًفي مناطق مختلفة من لبنان، علماً أن الجيش كان يداهم تجمعات اللاجئين ويوقف عشرات السوريين يومياً قبل هذه التفجيرات.[1] وعلى الرغم من إطلاق سراح معظم الموقوفين سريعاً، تترافق هذه المداهمات والتوقيفات الجماعية مع سوء معاملة للموقوفين أدّت إلى وفاةرجل ستينيّ، في ظلّ تصاعد الخطاب العام العنصريّ وقرارات منع التجوّل المخالفة للقانون والمطالبات بعودة السوريين إلى "مناطق آمنة" في سوريا. تطرح هذه التوقيفات الجماعيّة عدداً من الملاحظات القانونية، نورد هنا إثنين من أبرزها.
 
عقاب جماعيّ للجوءٍ إضطراريّ
في جميع بياناته، يبرّر الجيش التوقيفات بـ"وجود" أو "تجوّل" السوريّين بطريقةٍ "غير شرعيّة" داخل الأراضي اللبنانيّة. وعلى الرغم من عدم قانونية هذه المصطلحات، إذ لا يمكن أن يكون "الوجود" "غير شرعيّ" طالما أن الحقّ بالوجود هو من الحقوق الطبيعيّة الملازمة لكلّ إنسان، يظهر أن هذه الممارسات تأتي لتعاقب السوريين على فعلٍ أرغمتهم الدولة اللبنانيّة على ارتكابه، أيّ عدم تجديد الإقامة. فتكرس بذلك إستمرار دائرة العقاب والإستغلال.
فقد بدأ تجريد السوريين من سندات الإقامة الرسمية بشكل ممنهج منذ نهاية العام 2014، حين فرض الأمن العام شروطاً تعجيزيّة وكلفةً باهظة لتمديد إقامتهم. وإذ جاءت هذه الإجراءات تنفيذاً لسياسة مجلس الوزراء بخفض أعداد السوريّين في لبنان، تراها تجاهلت حالة اللجوء الإضطراريّ، ووضعت العديد من السوريين أمام خيارين: إما مغادرة لبنان (وهو خيارٌ غير متوفرٍ للعديد منهم) أو البقاء في لبنان من دون سند إقامةٍ، وتالياً البقاء عرضة للتوقيف والإستغلال. وبالفعل، يقدّر أن نسبة تتراوح ما بين 60 و70 في المئة من اللاجئين السوريين فقدوا وضعهم القانونيّ بعد العام 2015، في حين أن الأعراف الدوليّة تفرض منح إقامات رسميّة لمن لا خيار لهم سوى البقاء في بلد اللجوء، وهو ما قامت به الأردن حين أعفت جميع السوريين المقيمين على أراضيها والذين بلغ عددهم مليون و٢٠٠ الف مواطن من شرط الحصول على سند إقامة.
وانطلاقاً من ذلك، صنعت الدولة اللبنانية وضعاً قانونياً هشّاً للسوريين يسمح بتوقيفهم بأيّ لحظةٍ وبأيّ مكان، كما يشكّل وسيلة ضغطٍ على المجتمع الدوليّ المتلكئ ليتحمّل مسؤولياته تجاه النزاع في سوريا والهاربين منه. وتأتي هذه التوقيفات الجماعيّة في سياق إستغلال هذه الهشاشة القانونيّة، وتعريض الموقوفين لمعاملةٍ مهينة للكرامة الإنسانيّة. فحرمان مجموعة من الأشخاص من الإعتراف الرسميّ بوجودهم ينتج حتماً تجريداً لكرامتهم الشخصيّة والجماعيّة. وتتكرس دائرة العقاب هذه عبر إطلاق سراح معظم الموقوفين، من دون منحهم أيّ سندٍ رسميّ أو تسوية أوضاعهم، ما يسمح بتوقيفهم مجدداً عند الحاجة.
 
توسيع الهوّة بين السوريّين والقضاء
تحصل هذه المداهمات والتوقيفات الجماعية الناتجة عنها خارج أيّ إطارٍ قضائيّ، كما يتمّ إطلاق سراح معظم الموقوفين من دون أن يمثلوا أمام أو يحالوا إلى القضاء، على الرغم من أن التبرير الرسميّ للتوقيف (عدم تجديد الإقامة) قد يستدعي الملاحقة القضائية. ولا شك أن تجريد العديد من السوريّين من سندٍ رسميّ للإقامة أدّى الى إقصائهم من حماية القضاء وحرمانهم من إمكانية اللجوء إليه للمطالبة بحقوقهم عند إنتهاكها. لكن هذه التوقيفات تساهم أيضاً في إبعاد القضاء عنهم، فتتوسّع وتتعمّق الهوّة بين السوريّين والمؤسسة القضائيّة. ما يشير إلى أن هذه التوقيفات لا تهدف إلى إخضاع السوريين للقانون الذين أرغموا على مخالفته أصلاً، بل على العكس، إلى إبقائهم خارجين عن القانون، وعن حماية القانون والقضاء.
هكذا، تكتمل دائرة العقاب والإستغلال: فالأمن العام يجرّد السوريّين من سندات الإقامة الرسميّة، والجيش يداهم ويوقف المجرّدين من الإقامة، والبلديات تطردهم من نطاقها، وأصحاب العمل يستغلونهم ضمن شروطٍ وظروف عملٍ غير إنسانيّة، ويتم ذلك كلّه من دون أن يتمكنوا من المطالبة بحماية القضاء أو المثول أمامه للدفاع عن أنفسهم وإيقاف هذه الدائرة.
أمام هذا الواقع، لا تزال السلطات اللبنانيّة مستمرة بصناعة الهشاشة، وتكريس الاستغلال، على الرغم من خطورتهما وعدم خدمتهما للمصلحة والأمن العامّين.

نشر هذا المقال في العدد 41 من مجلة المفكرة القانونية


[1] راجع البيانات العشرة الصادرة عن قيادة الجيش اللبناني - مديرية التوجيه بين 27 و30 حزيران 2016 والمنشورة على موقع الجيش: http://www.lebarmy.gov.lb