مع قرب إلغاء المادة 562 من قانون العقوبات اللبناني التي كانت تفيد من العذر المخفف الذي يفاجئ زوجته وهي في حال جماع،تساءلتالصحافية سعدى علوه  فيما إذا كان إلغاء هذه المادة كافيا لتجريد الرجال من إمكانية التذرع بالشرف لتبرير جرائم قتل النساء أو للتخفيف من عقوبتها. وقد دعمت سؤالها بتذكير قرائها بأن قانون العقوبات يتضمن مادة أخرى هي المادة 252 التي تجيز للذي يرتكب جريمة وهو في ثورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجنى عليه. في فلسطين، أنجز الرئيس الفلسطيني محمود عباس إصلاحا أكثر انسجاما مع الرغبة في الحد من جرائم الشرف: ففيما ألغى المادة 340 من قانون العقوبات الفلسطيني الموازية للمادة 562 في 2011، استثنى بعد ثلاث سنوات (2014) الجناة المدانين بجرائم  قتل النساء بداعي الشرف من الاستفادة من نصالمادة 98 الموازية تماما للمادة 252. في هذا المكان، ننشر تعليقا للقاضي أحمد أشقر على حكم فلسطيني انتهى إلى تخفيف عقوبة زوج قتل زوجته إلى سنتين حبس سندا للمادة 98 التي كانت ما تزال سارية المفعول عند ارتكاب الجرم.
ومن اللافت أن أشقر يعبّر في ختام تعليقه عن خشيته من تمسك القضاة عموماً بالمفاهيم الاجتماعيّة الحامية لمفهوم الشرف حتى ولو تم إلغاء النصوص المتصلة بجرائم الشرف، مما قد يجعل حق المرأة في الحياة، في مواجهة مفتوحة مع شرف العائلة في أروقة المحاكم الفلسطينية. في نفس اتجاه هذا الحكم، أصدرت مؤخرا محكمة جنايات بيروت حكما بتخفيف عقوبة قاتل زوجته بشكل وحشي إلى خمس سنوات بعدما ثبت لها أنه فعل فعلته تحت تأثير الغضب الشديد، بعدما علم بأن زوجته أقامت علاقة زنى مع شخص آخر طوال خمس سنوات (14-7-2016). من هذا المنطلق، هذا التعليق ليس هاما فقط للقارئ الفلسطيني ولكن لكثير من قرائنا العرب.

بتاريخ 11-5-2016، أصدرت محكمة جنايات نابلس في الدعوى الجزائية رقم 108/2014 حكما قضى بإدانة متهم قتل زوجته على خلفية شرف العائلة في إحدى القرى الفلسطينية. وقد عللت المحكمة تخفيف عقوبة الجاني بسنتي حبس، بتوافر سورة الغضب. وتنص المادة 98من قانون العقوبات على أنه "يستفيد من العذر المخفف فاعل الجريمة الذي أقدم عليها بسورة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه". ويعرف هذا العذر بعذر الاستفزاز، وتكمن علّته في الثورة النفسية الجامحة التي استبدّت بالجاني، فأضعفت من سيطرته وتحكمه في إرادته بأن فلت زمام الأمر من بين يديه. وقد تطلب المشرع لتوافر هذا العذر ثلاثة شروط: الشرط الأول يتمثل في ضرورة توافر عمل مادي غير محق وعلى جانب من الخطورة أتاه المجني عليه، والشرط الثاني مفاده ضرورة توافر سورة الغضب الشديد، في حين أنّ الشرط الثالث يتمثل بوقوع الجريمة أثناء الاستفزاز أو فوره[1].

رغم التدخلات التشريعية، الظاهرة مستمرة
يجيء إصدار هذا الحكم في الوقت الذي أضحت فيه جرائم قتل النساء بداعي شرف العائلة ظاهرة مقلقة. وقد دعا الرئيس الفلسطيني إلى إجراء تدخلات تشريعية متعاقبة للحد من هذه الظاهرة، عبر استئصال المبررات التشريعية التي تستخدم في تخفيف العقوبات ضد الجناة في هذه الجرائم. ولهذه الغاية، قام الرئيس الفلسطيني بإجراء تدخل تشريعي بموجب القرار بقانون رقم (7) لسنة 2011 لتعديل قانون العقوبات النافذ في المحافظات الشمالية وقانون العقوبات النافذ في المحافظات الجنوبية. وقد انتهى هذا التدخل إلى إلغاء نص المادة 340 من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وإلغاء العذر المحل الذي يعفي القاتل من العقوبة حال ضبط زوجته أو إحدى محارمه على فراش غير مشروع، وكذلك تعديل نص المادة رقم (18) من قانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936 النافذ في المحافظات الجنوبية وذلك بإضافة عبارة (ولا يشمل ذلك جرائم قتل النساء على خلفية “شرف العائلة”) في آخر المادة.[2]
وعلى الرغم من أهمية هذا التدخل التشريعي، إلا أن العديد من الباحثين رأوا أن هذا التعديل، وإن حاول امتصاص غضب الشارع بعد مقتل الطالبة (آ. ب)، والتي شكلت قضية رأي عام، إلا أنه لن يكون فعالاً ومؤثراً لكون المادة 340 لم تستخدم في الأحكام القضائية لصعوبة تحقق شروطها في الواقع العملي[3]. ونتيجة لتزايد هذه الظاهرة وضغط مؤسسات المجتمع المدني، قام الرئيس الفلسطيني بإجراء تدخل تشريعي آخر تمثل باستثناء الجناة المدانين بجرائم  قتل النساء بداعي الشرف من الاستفادة من نص المادة 98 من قانون العقوبات النافذوالتي تعطي القضاء الحق في تخفيف العقوبة عند توافر سورة الغضب. إلا أن المحكمة طبقت هذه المادة التي كانت مرعية الإجراء عند حصول الجرم لصالح المتهم.

ظاهرة مستمدة من الموروث الثقافي والاجتماعي
في زيارتها إلى الأرض الفلسطينية المحتلة ذكرت المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة في تقريرها "أن القتل على خلفية ما يسمى بالشرف هو مظهر من مظاهر الموروث الثقافي الذي يفرض على المرأة سلوكيات متوقعة اجتماعياً مستمدة من القواعد والمعايير الأبوية السائدة". وهذا يشير إلى أنّ مخالفة النساء لهذه المعايير يعتبر من وجهة نظر اجتماعية انتهاكاً لشرف الرجل والأسرة وفقاً لمفاهيم الموروث الثقافي والاجتماعي. وهذا ما يشرّع العنف ضد النساء ضمن السياق الاجتماعي كإجراء تأديبي للحفاظ على شرف العائلة أو استعادته. وفي هذا الصدد، قررت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن السلوك التقليدي الذي يعتبر المرأة خاضعة للرجل أو أن لها أدواراً نمطية يكرس الممارسات الشائعة التي تنطوي على العنف أو الاكراه، مثل ما يسمى "جرائم الشرف". وبعبارة أخرى، فإن القتل على خلفية ما يسمى شرف العائلة لا يعدّ انتهاكاً لحق المرأة في الحياة فقط، وإنما أيضاً يمتد لحقها في عدم التمييز.[4]

الحماية القضائية، بين المعايير الدولية، والتشريع الوطني
إذا كان الحق في الحياة لصيقاً بالبشر رجالا ونساء، فإنّ التشريعات والأنظمة القضائية الوطنية ملزمة بتوفير الحماية لحق المرأة في الحياة على قدر المساواة بينها وبين الرجل ودون تمييز، ذلك أنّ المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد نصت على أنّ "لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس". كما أن ميثاق الأمم المتحدة قد ساوى بين الرجل والمرأة في ديباجته والتي جاء فيها أن شعوب الأمم المتحدة قد آلت على نفسها "أن تؤكد من جديد إيمانها بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية"، كما وأكدت المادة (1) من ذات الميثاق على عدم وجود تفريق بين الرجال والنساء في مساعي الأمم المتحدة المتعلقة بتعزيز احترام حقوق الإنسان، وهذا النهج سارت عليه نصوص الميثاق الأخرى كالمواد (8) و (13) و (55) و (76) ، وكذلك فإنّ العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان لعام 1966 قد أكدا على مبدأ عدم التمييز بين الرجل والمرأة، حيث نصت المادة 26 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن" الناس جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون أي تمييز بحق متساوٍ في التمتع بحمايته. وفي هذا الصدد يجب أن يحظر القانون أي تمييز وأن يكفل لجميع الأشخاص على السواء حماية فعالة من التمييز لأي سبب كالعرق واللون أو الجنس ..." إضافة الى المادة الثانية من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي أوجبت على الدول فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل وضمان الحماية الفعالة للمرأة من أي عمل تمييزي. وقد ورد هذا المبدأ في صكوك دولية أخرى تناولت الحقوق الخاصة بالمرأة.

فلسطينياً، وعلى الرغم من أنّ القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 لم ينص صراحة على الحق في الحياة، إلا أن مضمون هذا الحق يعدّ الركيزة الأساسية لكل مضامين الحقوق التي أشير إليها في الباب الثاني من القانون الأساسي الفلسطيني، ولا يمكن أن تمارس هذه الحقوق دون وجود الحق في الحياة، الذي يعتبر أساس الحقوق الإنسانية بوجه عام. فإذا كان القانون الأساسي مثلا قد حظر التعذيب، فإنه ومن باب أولى أن يحظر الاعتداء على حياة الإنسان. وتعاقب التشريعات الجزائية بوحه عام القتل، وذلك من خلال تجريم إزهاق روح إنسان وحرمانه من هذا الحق بفعل ثابت مفضٍ إلى النتيجة الجرمية ويرتبط معها بعلاقة سببية ثابتة. وعطفاً على ذلك، فإنّ ظاهرة قتل النساء بداعي شرف العائلة تقوم في جوهرها على حرمان المجني عليها من هذا الحق بدواع ذات بعد اجتماعي تجد تأصيلها في التشريعات الجزائية. ولا يغير من الأمر شيئا القول بأن المشرع اكتفى بالمعاقبة على القتل بصوره المختلفة كونه يشكل فعلاً مجرماً عاقبت عليه التشريعات الجزائية في فلسطين، دون استثناء أو تنظيم تشريعي خاص لقتل لنساء بداعي الشرف، إلا أنّه لم يعد خافيا أنّ لجرائم قتل النساء بداعي الشرف خصوصية، تظهر في توجهات قضائية ملموسة ومرتبطة بنصوص تشريعية محددة، وذلك لاقترانها بالمفاهيم الاجتماعية الحامية لمفهوم الشرف. ومن شأن هذا الأمر أن يؤثر بالضرورة على طبيعة الأحكام القضائية الصادرة بمعاقبة الجناة المرتكبين جرائم قتل النساء بداعي الشرف، ومدى قدرة هذه الأحكام على توفير حماية قضائية فاعلة لحق المرأة في الحياة، بما يجعل من حق المرأة في الحياة، في مواجهة مفتوحة مع شرف العائلة في أروقة المحاكم الفلسطينية.
 



[1] أنظر، كامل السعيد، كامل السعيد، شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، ص 696- 703.
[2] تمّ نشر هذا القرار بقانون في الجريدة الرسمية في العدد 91 بتاريخ 10/10/2011، وقد نص على: "مادة (1): بموجب أحكام هذا القرار بقانون يلغى نص المادة (340) من الفصل الأول من الباب الثامن من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960م النافذ في المحافظات الشمالية، مادة (2): يعدّل نص المادة رقم (18) من قانون العقوبات رقم (74) لسنة 1936م النافذ في المحافظات الجنوبية وذلك بإضافة عبارة (ولا يشمل ذلك جرائم قتل النساء على خلفية “شرف العائلة”) في آخر المادة،  مادة (3): يلغى كل ما يخالف أحكام هذا القرار بقانون، مادة (4): يعرض هذا القرار بقانون على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها لإقراره.
[3] أنظر، عصام عابدين، ورقة قانونية تحليلية حول: القرار بقانون بشأن جرائم قتل النساء على خلفية شرف العائلة، منشورات مؤسسة الحق، 2011، ص 5.
[4]أنظر، أحمد الأشقر، جرائم قتل النساء بداعي الشرف في فلسطين، "بين التشريع والاجتهاد القضائي"، منشورات المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، 2014، ص 5.