اختزل شعار "ديقاج"(degage)الذي رفعه المتظاهرون أمام مقر وزارة الداخلية التونسية بتاريخ 14 جانفي 2011 إرادة الشعب التونسي في استرجاع الفضاء العام الذي كان أقصي منه طيلة حقبة الجمهورية الاولى وقبلها. كان الدفاع عن المواطنة محرك الثورة. وكان الحس المواطني صمام الأمان الذي ساعد على تجاوز صعوبات الانتقال الديموقراطي في منطقة فشلت فيها محاولات الانتقال الشبيهة. في المقابل، برزت سلوكيات مواطنية غير مدنية تراوحت بين السرقة والنهب والإعتداء على الأملاك والمؤسسات العمومية ومبالغة في التحركات الاحتجاجية والاعتصامات. تراوح بالتالي تعاطي التونسي مع مواطنته بين الانفعال الذي برز في ردود فعله والوعي الذي أكده تمسكه بصفته كمواطن.
ويمكن أن نجد تفسيرا للسلوك الانفعالي في ديمومة اتسام العلاقة بين الفرد والسلطة بالتوتر. بل أكثر من ذلك، السلطة مرادفة في الخيال الشعبي للخوف والقمع والجور، وهو ما يعبّر عنه المثل الشعبي التونسي:"إذا خصيمك الحاكم .... آشكون باش تخاصم؟". أما عن الوعي، فلا يمكن أن ننسى أنه نتاج موروث تاريخي نجد أثره في التراكمات التي أنتجتها أحداث تاريخية هامة نذكر منها ثورة علي بن غذاهم والحركة الإصلاحية والحركة الوطنية وثورة الحرية والكرامة.
يكفي الجرد التشريعي لكشف العمق الثقافي لفكرة المواطنة، هذا العمق الذي قد يساعد في فهم استبطان الوعي الجمعي لقيم المواطنة (1). لكن تبين أن تلك التشريعات لم تعرف يوما طريقها للتجسيد بما يؤسس للمواطنة الفعلية (2)

المواطنة قيمة تطوّرت في النصوص القانونية فكان لذلك أثر ثقافي
يكشف البحث النظري في النصوص المؤسسة لتنظيم السلطة في تونس لتبين ان فكرة المواطنة ليست جديدة اذ يعود بناء هذا المفهوم الحضاري محليا الى نصوص التشريع في القرن التاسع عشر. ونعتبر في هذا الاطار أن قرار أحمد باشا باي لسنة 1846 لإلغاء الرق اللبنة الأولى في إرساء المساواة بين الرعية. فالمساواة كما نعلم، من أبرز المبادئ التي تعترف بها الدولة لمواطنيها، سواء كان ذلك في تمتعهم بالحقوق أو التزامهم بأداء الواجبات تجاهها. بل أكثر من ذلك، تمثل المساواة قيمة أساسية للمواطنة، بحيث تنتفي صفة المواطن عن كل شخص يتعرّض للتمييز أو الإقصاء. ونلاحظ أن كلا من عهد الأمان لسنة 1857 ودستور سنة 1861 قد تماشيا مع هذا المنحى[1].
أما دستور 1861 فقد تضمن في بابه الثاني عشر تحت عنوان "في ما لأهل المملكة التونسية من حقوق وما عليهم"، 19 فصلا تؤكد التساوي في الحقوق والواجبات بين كل سكان المملكة التونسية. يستعمل في هذه الفصول كلمات "سكان" أو "أهل" أو "رعية". على أن الملفت للإنتباه هي عبارة "التونسي" لعمق دلالتها خاصة إذا ما قرنّاها بما جاء به الفصل الأوّل الذي عرّف أهل المملكة التونسية بأنهم كل من "ولد بالحاضرة أو غيرها من البلدان والقرى ونواجع العربان على اختلاف الأديان". وهذا التعريف لا يبتعد كثيرا عن فكرة المواطنة التي تقوم على أساس الدلالات في البلد والإنتماء إلى وطن؛ وهو ما تعبّر عنه رابطة الجنسية. وتأكيداً على هذه الرابطة، يميّـز الدستور بوضوح بين أهل البلد (الباب 14) والمقيمين فيه (الباب 15) والذي يطلق عليهم عبارة "رعايا الدول الأحباب".

وعليه، وبالرغم من عدم استعمال كلمة "مواطن" لا في نص عهد الأمان ولا في نص "قانون الدولة" لـ 1861، فإن ما قدمناه من مؤشرات -على سبيل الذكر- يبرز جليا تطورا في الإقتراب من مفهوم المواطنة هذا المفهوم الذي تأسس نظريا مع إعلان الجمهورية.
أصدر المجلس القومي التأسيسي[2] في 25 جويلية 1957 جويلية إعلان الجمهورية وهو يفيد بانقلاب نواب الشعب على الملكية. ويجوز وصف هذا الانقلاب بانقلاب المواطنة لكونه انقلابا اعاد السلطة للشعب أي لعموم المواطنين. فبإلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، صارت الرعية مواطنين. وكان لهذا الإعلان تأثيرٌ واضحٌ في صياغة دستور غرّة جوان 1959، بل كان عماده، لما تتميّز به الجمهورية من قيم الحرية والمساواة وسلطان القانون.
ولا بد من الإشارة هنا إلى ما جاء في توطئة دستور الجمهورية الأولى. فنحن نقرأ فيها أن: "النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات (...) وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحق المواطنين في العمل والصحة والتعليم". وتقدم هنا "الجمهورية" على أنها الضامن لمتطلبات المواطنة. وهي فكرة يؤكدها الفصل 5 من دستور 1959 – كما وقع تنقيحه في 1 جوان 2002-  والذي ينص على ما يلي: "تضمن الجمهورية التونسية الحريات والأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها". لم يعكس الواقع السياسي التونسي طموح دستور 1 جوان 1959. فنظام الحزب الواحد أولا والتنقيحات التي عرفها النص في نسخته الأصلية ساهمت في إرساء نظام ديكتاتوري يفقد المواطن عمق صفته المواطنية.
أدى الانفصام بين قيمة المواطنة المكرسة في النصوص القانونية وفي الممارسات الشكلية لحق الانتخاب عن واقع استمرار منظومة الرعية إلى صدام بين المواطن ومواطنته برز في الممارسة.

الانفصام المواطني: كيف أكون مواطنا؟
أعادت ثورة جانفي 2011 إنتاج قيم إعلان الجمهورية، فأعلنت انتصارها لقيم المواطنة في مواجهة منظومة الاستبداد والفساد. وجسد دستور الجمهورية الثانية هذا التوجه فرسمت أحكامه تصور "دولة المواطنة"، هذه الدولة التي تؤسس لعلاقة جديدة بين الفرد والدولة محورها "المواطن"[3] في إطار ما يمكن أن يصطلح عليه "بالمواطنة الفاعلة" أي تلك المواطنة التي تجعل المواطن يشارك في الحكم في كل مفاصله.
ثمّن دستور الجمهورية الثانية مفهوم المواطنة التي باتت ركيزة للنظام السياسي وحجر على التشريع الحدّ من الحقوق التي تشكّل كنه المواطنة[4].
وقد اتجه المؤسسون ممن صاغوا الدستور في مسارهم هذا لحسم حرب المواطنة كما يبرز ذلك من أحكام الفصل 65 من الدستور. فقد اشترطوا أن تكون النصوص التشريعية التي تتعلق بالحقوق والحريات من القوانين الأساسية. ولم يكتفوا بذلك بل اشترطوا أن تكون النصوص التشريعية التي تتعلق بواجبات المواطن بدورها من القوانين الأساسية، وهو أمر يؤمل أن ينتهي لصياغة تشريعية لميثاق مواطنة
لكن تجربة مرحلة الانتقال الديموقراطي ومن قبلها تجربة مخاض صياغة المفهوم التشريعي التونسي للمواطنة في امتدادها التاريخي أكدت أن المواطنة كقيمة ومفهوم لا يرتبط إرساؤها كممارسة بالنص القانوني بقدر إرتباطها بالثقافة. وهذا الأمر يفرض طرح السؤال حول "الأداء المواطني" في ظل النص الدستوري.
لا تخفي سلمية الثورة التونسية منسوب العنف الذي كان يميز علاقة المواطن التونسي بالدولة التونسية قبل الثورة. هذا العنف الذي كانت تمارسه السلطة بتشريعات تقمع قيم المواطنة وبخرق للتشريعات في اطار انحراف سياسي عنوانه القمع للحقوق الأساسية. وهو ذات العنف الذي يمارسه المواطن في علاقته بالسلطة في انتفاضاته ضدها أو في تعامله السلبي مع قوانينها ومؤسساتها في اطار التمرد الفوضوي.
يتبين للمتتبّع بيسر أن المواطن -في ظل الجمهورية الثانية- سعى لاكتساح مساحة العنف اللاقانوني التي كانت تستغلها الدولة. فاستعمل الاعتصام كسبيل لتعطيل المؤسسات ليفرض انتدابه في المؤسسات ونشط في التهريب واتجه لفرض الحق في التهريب الجمركي على الدولة بالتظاهر. كما استعمل ذات المواطن "المجموعات المهنية" و"النقابات" و"الانتماء الجهوي والمحلي" كمجموعات ضغط على الدولة بغاية فرض ما يرغب في التوصل إليه خدمة لمصالحه على حساب قوانينها أو امكانياتها المالية.
كما يتبين لذات الملاحظ أن الدولة لم تكن بريئة من العنف السياسي الذي يقمع المواطنة من خلال ما برز من فساد في النخب السياسية بشكل يفقد المواطن من ثقته في مواطنته أو من خلال ما سجل من سعي لاستعادة أساليب النظام الاستبدادي في التعاطي مع التحديات الأمنية متمثلة أساسا في التعذيب.
قد يجد انفصام النص عن الممارسة تبريره في حداثة الفعل المواطني والحاجة للدربة على المواطنة والحكم الديموقراطي. لكن هذا التفسير لا يجب أن يخفي خطورة انزلاق تمرد المواطن على قيم المواطنة من جهة وتسرب الفساد للممارسة السياسية إلى التأسيس للدولة الفاشلة، تلك الدولة التي تختزل المواطنة في انتخابات تباع و تشترى فيها الأصوات وتصنع الزعامات.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.


[1]جاء في الفصل الأول من عهد الأمان الذي يعلن على لسان الباي "تأكيد الأمان لسائر رعيتنا وسكان إيالتنا على اختلاف الأديان والألسنة والألوان في أبدانهم المكرمة وأموالهم المحرّمة وأعراضهم المحترمة (...)".
 
[2]انتخب اعضاء المجلس القومي التأسيسي  في 25 مارس 1956- و كُلّف بمقتضى الأمر العلي المؤرخ في 29 ديسمبر 1955 بسن دستور للمملكة التونسية
[3]وهو ما يؤكده الفصل 15 من الدستور الذي يجعل الإدارة العمومية في خدمة المواطن والصالح العام. كما يضمن الفصل 139 على الصعيد المحلي، "اسهام أوسع للمواطنين والمجتمع المدني في إعداد برامج التنمية والتهيئة الترابية ومتابعة تنفيذها طبقا لما يضبطه القانون"
[4]لابد من التذكير بأن دستور 1959 وإن أعلن ضمان الحقوق والحريات فإنه قيّد ممارستها بالإحالة إلى القوانين التي تضبط الكيفية التي يجب أن تمارس بها بشكل ضيّق منها وهمشها. وهو ما تجنبه دستور 2014 بتضييق الفصل 49 من مجال تدخل المشرع فيما يتعلق بتحديد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات بشكل لا ينال من جوهرها. وينص على أنه: "لا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. وتتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك. لا يجوز لأي تعديل أن ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في هذا الدستور".