ينقسم الوافدون الجدد على المحاماة التونسية إلى فئتين:
فإما هم أصحاب خبرة مهنية قانونية يجيز لهم القانون طلب ترسيمهم بجدولي المحامين لدى الاستئناف والتعقيب من جهة. وتضم هذه الفئة القضاة الذين لهم أقدمية عشر سنوات في القضاء ولم يعزلوا من القضاء بسبب مخلّ بالشرف والأساتذة الجامعيين في الحقوق من الحائزين على درجة الدكتوراه.

وإما هم محامون شباب يرسمون وجوبا بجدول المحامين المتمرنين. وقبل هذا التاريخ، كان عدد الذين يرسّمون بجدول المحامين المتمرنين سنويا يتجاوز الخمسمائة محام[1]، حيث أن القانون يجيز للحائزين على شهادة الدراسات المعمقة في الحقوق الترسيم مباشرة في المحاماة دون حاجة لنيل شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة. وتجنبا لهذا التضخم الكبير في عدد المحامين، باتت فئة المحامين المتمرنين ابتداء من سنة 2010، تتكون حصريّا من الحائزين على شهادة الكفاءة للمحاماة من خريجي المعهد الأعلى للمحاماة. وتبعاً لذلك، تراجع ابتداء من سنة 2011 عدد من يرسمون سنويا بجدول المحامين المتمرنين ليستقر في حدود المائتي محام متمرن تقريبا[2]. وإذ يفترض أن يؤدي تراجع عدد المحامين المتمرنين إلى تحسن ظروف تأطيرهم علاوة على تطور وضعهم المادي والمهني، فإن الواقع المهني المعاش يظهر أن الأمر لم يتحقق. فبقي وضع هؤلاء على سوئه من دون أن تتضمن الإجراءات والتشاريع المستحدثة أي مسعى لتحسينه.
 


مكتب التربص،الجوهرة النادرة
يعدّ قبول محامٍ مرسم بجدولي المحامين لدى التعقيب أو لدى الاستئناف لتربص محام متمرن في مكتبه من أهم العقبات التي يواجهها خريجو المعهد الأعلى للمحاماة في رحلة إعدادهم لملف الترسيم بالهيئة الوطنية للمحامين. ويعرض العديد من المحامين عن قبول متربصين لاعتبارات متعددة من أهمها:
أولا: أن النظام الداخلي لمهنة المحاماة يفرض على المحامي المؤطِّر واجب توفير مكتب لائق بالمتربصين يضمن ممارسته للمحاماة في ظروف تحمي السر المهني للحرفاء، وهو أمر لايتوفر للعدد الاهم من المحامين بسبب غلاء معاليم كراء المكاتب.
ثانيا: الخوف من سرقة الحرفاء وإفشاء أسرار المكتب.
وتدفع هذه الصعوبة من يسعى لإتمام ترسيمه بالمحاماة للخضوع لاشتراطات من يتعهدون بتربصهم. وتصل بعض هذه الاشتراطات إلى حدّ تعهد المتربص بدفع ما تخلد بذمتهم من معاليم اشتراكات بالهيئة الوطنية للمحامين، أو إلى حدّ تعهده بالمشاركة في أعباء المكتب المالية. وتضطر ذات صعوبة تحصيل مكتب تربص جانباً من المحامين الجدد للاكتفاء بالبحث عن محام يقبل بمنحهم شهادة مجاملة تسهل ترسيمهم بالمحاماة مع علمهم مسبقا أنهم لن يحظوا بفترة تربص فعلي.
ويفقد المؤطِّر دوره في نقل أخلاقيات المهنة وآدابها للمحامي المتربص بمجرد ممارسته للابتزاز المالي، فيما يكون المحامون المتربصون دون مكاتب تربص مضطرين للعمل بالشارع. ويؤدي الأمر في كلتا الحالتين لتحول الفشل في إيجاد مكتب تربص إلى سبب أساسي من أسباب تراجع أخلاقيات المهنة لدى عدد من المحامين الشبان. وإذ ينجو المحامي المتمرّن الذي ينجح في الإستقرار بمكتب محامٍ مؤطر من مخاطر أن يكون في وضعية غير قانونية طيلة فترة تربصه، فإن هذا لا يحول بالضرورة دون تعرضه لمصاعب عنوانها غموض العلاقة مع مؤطره.
 
أوضاع المتمرنين الهشةً
يفترض نظريا أن تكون فترة التربص فترة هامة في تكوين شخصية المحامي المتمرن. ويفترض أن تنحت هذه الفترة شخصية المحامي بما توفره له من مكتسبات تتعلق بقواعد أخلاقيات المهنة. ويكون احتكاك المحامي المتمرن بمؤطره المجال لاكتساب تلك المعرفة. ويحرص شيوخ المحاماة كما يحلو لزملائهم الشبان تسميتهم على الإعتناء بالمتمرنين من المحامين عناية المعلم بالتلميذ في إطار علاقة عمودية صارمة في بدايتها تنتهي بصداقة مستمرة. بالمقابل، يصطدم عدد كبير من المحامين المتمرنين بهشاشة تامة لعلاقتهم بالمحامي المؤطر.
 
فيعمد العديد من المحامين إلى معاملة المحامي المتمرن كما لو كان "عامل سخرة" يتكفل بإعداد تقارير مؤطره ويتابع جلساته بالمحكمة دون أي مقابل مالي ولو كان رمزيا. وفي بعض الحالات، يصل الأمر إلى أن يمنع المؤطر المتربص العامل معه من إستقبال حرفائه بالمكتب أو العمل بملفاته الخاصة بدعوى أن ذلك يلهيه عن مصلحة المكتب.وتدفع هذه المعاملة المحامي الشاب أحيانا الى إستقبال حرفائه خارج مكتب المحامي المشرف وهو ما يحرمه من القيام بعمله في ظروف ملائمة ويعقد من وضعيته المادية. فيجد المحامي الشاب نفسه غير قادر حتى على دفع معلوم اشتراكه السنوي بالهيئة الوطنية للمحامين. وهو أمر يؤدي إلى حرمانه من الانتفاع بخدمات صندوق التأمين على المرض نظرا لترابط هاته المعاليم ببعضها. ورغم تكاثر حالات الإستغلال والتعسف، يسجل غياب تام لأي مساع للحدّ منها. ومن أهم الحلول التي قد تكون ناجعة في هذا الخصوص وضع عقد تعاون نموذجي يؤسس لحقوق مالية للمحامي المتمرن ويحمله في المقابل التزامات مهنية واضحة ومحددة.
 
تسخير المحامين المتمرنين: أو حين تستغل المحاكم هشاشة أوضاعهم
تستغلّ المحاكم بدورها هشاشة وضعية المحامين المتمرنين وحاجتهم لأتعاب التساخير القضائية. فتتولى بعض الدوائر الجنائية تسخيرهم في ملفات عدة مانعة إياهم في حالات كثيرة من الإطلاع الكامل عليها. ومن اللافت أن المحاكم لا تجد حرجا في هذا الخصوص في مخالفة القوانين التي تسند صلاحية التسخير للهيئة الوطنية للمحامين ممثلة في فروعها الجهوية، هذه الفروع التي قلما تلتفت إلى المحامين المتمرنين.
 
قضية المحامي "الشاب" ... كطعم انتخابي
تتفق جميع الأطراف المترشحة سواء للعمادة، لعضوية مجلس الهيئة، لرئاسة أو عضوية الفرع و كذلك لعضوية أو رئاسة الجمعية التونسية للمحامين الشبان على رفع شعار تحسين أوضاع المحامي المتمرن. ويشكل رفع هذا الشعار أداة لاستجلاب أصوات هؤلاء. لكن يلحظ أن الفائزين غالبا ما يتراجعون عند نجاحهم الانتخابي عن أي مسعى لتحقيق هذه الشعارات.
 
الإصلاحات الغائبة عمداً
اعتمدت السلطة الاستبدادية قبل الثورة التجويع كأسلوب للتصدي لتمرد المحامين على سلطتها ومساندتهم لقضايا حرية الرأي والتعبير. ولهذه الغاية، تمّ سنّ تشريعات تضيّق من مجال تدخّل المحامي وتشجّع على ولوج الأفراد للمحاكم من دون حاجة للإستعانة بخدمات محامٍ على مستوى أول وبتشجيع المجازين في الحقوق على الانتصاب للحساب الخاص بمكاتب خدمات قانونية واستشارات بما يخلق منافسة غير شرعية مع المحامين ثانيا. ونجح المحامون بعد الثورة في إصلاح ذلك نسبيا بما سمح بتطوير مجال تدخل المحامين عموما وبتحسين شروط تعاقد المؤسسات العمومية مع المحامين. ولكن لا ينتظر أن تنعكس هذه الاجراءات على أهميتها إيجاباً على مجال تدخّل المحامي المتمرن الذي يبقى مجالاً جدّ ضيّق.
 
مجال ضيق والتزامات ثقيلة
يجيز الفصل 12 من مرسوم المحاماة للمحامي المتمرن "نيابة المتقاضين والترافع باسمه الخاص لدى جميع المحاكم الجزائية". ويمكنه بموزاة ذلك "من النيابة والترافع لدى المحاكم الأخرى والهيئات التي لا تكون فيها إنابة المحامي وجوبية". ويحجر عليه فيما عدا ذلك النيابة والترافع إلا باسم المحامي الذي هو بصدد قضاء التمرين بمكتبه وتحت إشرافه ويحجر عليه مطلقا النيابة أمام محكمة التعقيب. ويؤدي تفشي ظاهرة السمسرة أي التحيّل في استجلاب الحرفاء الى تضييق مجال تدخل المحامي المتمرن في القضايا الجزائية فعليا، فيما يؤدي إشتراط القانون تنصيص المحامي المتمرن على صفته تلك بكل تقاريره ومعاملاته على ثقة الحريف به.
يلزم النظام الداخلي للمحاماة المحامي المتمرن بأداء معاليم الانخراط في الهيئة الوطنية للمحامين بتونس وصندوق التعويض عن المرض. ويواجه المحامي المتمرن الذي يتخلف عن أدائها بالعقوبات التأديبية علاوة على سحب التمتع بالأعباء الصحية. و يؤدي انخرام التوازن المالي بين التزامات جانب منها أسري والآخر مهني في مقابل محدودية المداخيل لفقدان المحامي المتمرن قدرته الموضوعية على الصمود أمام إغراءات السمسرة ... هذه السمسرة والتي إن كانت تصدر عن حيتان كبيرة، إلا أنها تستهدف عمل المحامين الشبان أساساً.
 
فخ السمسرة
يعمد عدد من المحامين الى الاستعانة بموظفين في مصالح الامن وفي المحاكم والمستشفيات علاوة على أشخاص يجوبون المحاكم ليحولوا وجهة من يحتاجون محاميا إلى مكاتبهم. وتؤثر هذه الظاهرة أساساً في عمل المحامين الشبان من خلال إفقادهم فرص الحصول على حرفاء. كما يؤدي التحاق عدد هام سنويا من القضاة المتقاعدين بالمحاماة إلى إبتداع أسلوب آخر للسمسرة عنوانه القاضي الذي كان رئيسا للقضاة الذين يحكمون ويعرفهم شخصيا.
ويكون المحامي المتمرن عموماً ضحية لصراع حيتان تجمع الحرفاء دون اعتبار لأخلاقيات المهنة. وقد تدفع هذه المنافسة الشرسة جانباً من المحامين المتمرنين للسقوط في فخ السمسرة لكونهم يفتقدون الموارد المالية ويتحملون أعباء مالية هامة.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.


[1]في سنة 2008، تم ترسيم 574 محام متمرن. وفي سنة 2009، تم ترسيم 551 محام متمرن. وفي سنة 2010، وكحدث استثنائي باعتبارها آخر سنة ترسيم للحائزين على شهادة الدراسات المعمقة، تم ترسيم 1157 محام متمرن.
[2]في سنة 2011، رسم 202 محام متمرن بجدول المحامين المتمرنين. وفي سنة 2012  رسم 129 فيما رسم في سنة 2013 52 فقط بسبب غلق معهد المحاماة ليكون في سنة 2014  عدد من رسم 189 وبلغ في سنة 2015 عددهم 220 فيما وصل عددهم سنة 2016 الى 172.