لم يعد أمرا غريبا أن تجد مجموعة من النسوة الليبيات المتزوجات من أجانب يشاركن بإيجابية في كل اللقاءات السياسية أو الأكاديمية[1] التي تطرح فيها مشكلتهن في بنغازي. خليط من النسيج النسوي الليبي من عدة مدن تتفاوت أعمارهن بين العقد الثاني والعقد السادس. بعضهن عاملات وبعضهن الآخر غير عاملات. ولكن القاسم المشترك بينهن هو الحمل الثقيل الذي تعانين منه تبعاً للتمييز ضدهن وضد أبنائهن. إحداهن تشتكي أن نجاح ابنتها بنسبة عالية في الثانوية العامة كان وبالاً عليها: فقد واجهت حقيقة قانونية مفادها أن ولوج الكليات الطبية مقصورة على الليبيين حصراً. وتبكي الأخرى بحرقة حينما تتذكر قولة إبنها الشهيد "سأموت دفاعاً عن الوطن يا أمي". وهي تتساءل: أي وطن ذاك الذي يرفض أن يمنح أسرة الشهيد، إبن الليبية، المزايا ذاتها التي تمنح للشهيد إبن الليبي؟ بل أنها تستطرد قائلة : حتى أنا الليبية لم أمنح ميزة العمرة أو الحج التي تمنح لأم الشهيد، لأن أبني الذي مات من أجل ليبيا يعد أجنبياً. وكانت ظاهرة زواج الليبيّة من أجنبي تكونت مع تطور العمالة الوافدة من الدول العربية سواء منها المصرية أو التونسية أو الفلسطينية أو السورية أو حتى التشادية والسودانية وغيرها. وقد نشأ عن هذه الزيجات ولادة أشخاص في ليبيا من أمهات ليبيات وعيشهم فيها من دون أن يعطوا حق حيازة جنسيتها. وهذا ما دفع العائلات المعنية إلى المطالبة بوجوب منحهم الجنسية الليبية باعتباره حقاً أصيلاًلهم نصت عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية الموقع عليها الدولة الليبية مما يلزمها بتطبيق ما فيها.

الخلفية القبلية كعائق أمام منح الجنسية الليبية لأبناء الليبيات؟
من أهم أسباب الإحجام عن منح الجنسية في ليبيا، الخلفية القبلية. فالقبيلة تبقى إطاراً إجتماعياً ذات حضور كبير في ليبيا. ووفق هذه الخلفية، تُعتبر المرأة التي تتزوج من خارج القبيلة أنها انسلخت عنها لتنتمي إلى القبيلة التي تزوجت من أحد أبنائها. وهم ينكرون تالياً على هذه المرأة حقها في الميراث خشية تملك زوجها الغريب لأراضي ومزارع العائلة أو القبيلة. ولعل نظرة سريعة على نتائج المسح الشامل للقيم لسنة 2013 في ليبيا يكشف بوضوح أن الأمر برمته ثقافي واجتماعي أكثر من كونه سياسياً أو قانونياً أو حتى دينياً. فالأغلبية الساحقة من الليبيين تثق في الأسرة. وأغلبية عالية منهم تثق في المعارف الشخصية. بالمقابل، لا تثق أغلبية عالية في من يعتنق ديناً آخر أو يتحدث لغة أخرى أو في من يقابلونه لأول مرة أو في من ينتمون إلى جنسيات أخرى[2].
وفيما أن بعض القبائل الليبيةـ الشرقية تعتز بالمرأة فتتكنى بعض عوائلها بها كما هي حال عوائل رقية وبوجميلة ومريم،لكنها عوائل تنتمي للقبيلة من جهة الأب الذي يكون تزوج من سيدتين أو أكثر، فتكنى أبناؤه باسم أمهاتهم تمييزاً لهم فيما بينهم. وفي هذا تدليل صريح على أن خلفية التمييز ضد المرأة ينبع بالدرجة الأولى من الحذر إزاء "الآخر" أو "الغريب" والذي جبل عليه المواطن الليبي. ومن أهم أسباب هذا الحذر الخوف على الثروة، فضلا عن خوف من إحداث خلل في التركيبة السكانية "الديموغرافية "في المناطق الجنوبية من البلاد خاصة.

التنظيم القانوني للمسألة
مشكلة منح الجنسية الليبية لأبناء المواطنة الليبية ليست مشكلة حديثة، كونها كانت قائمة قبل أحداث 2011. إلا أن عملية صياغة الدستور الجديد أظهرها للسطح.وتزامن ذلك مع إزالة القيود أمام إنشاء منظمات المجتمع المدني الحقوقية في ليبيا.
ويجدر التذكير هنا إلى أن المؤتمرالشعبي العام الليبي (أعلى سلطة تشريعية بالبلاد حينها) كان أصدر القانون رقم 24 لسنة 2010 بالسماح بمنح الجنسية الليبية لأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب.وشكّل هذا القانون تتويجا لسلسلة من النقاشات والندوات القانونية التي بادرت إليها جمعية "واعتصموا" عن طريق رئيستها عائشة القذافي[3]. وقد حددت اللائحة التنفيذية للقانون المذكور الضوابط اللازمة لتنفيذه. ويلحظ أن القانون لم يوجب منح الجنسية بل جعل الأمر جوازياً[4].وقد أفادت اللائحة رقم 594 لسنة 2010[5] في نصوص المادتين السادسة والسابعة بتلك الضوابط وهي تتعلق بسنّ الرشد ابتداءً. فلا يجوز منح الجنسية لهم ما لم يكونوا بالغي سن الرشد إلا إذا كان الوالد متوفياً أو مفقوداً بحكم القانون. أما الراشدون البالغون فتمنح لهم الجنسية الليبية بعد طلبها، وبعد موافقة الوالدين والجهة المختصة بقطاع الشؤون الاجتماعية على الزواج. وفي جميع الأحوال، جاء في اللائحة أنه يحظر منح الجنسية الليبية لأبناء المواطنات الليبيات المتزوجات من فلسطينيي الجنسية.

الوضع الدستوري للمسألة
نظم الدستور الليبي الأول الصادر في أكتوبر 1951 مسألة الجنسية في المواد 8 ,9 ,10 منه. وقد كان صريحاً في عدم جواز الجمع بين الجنسية الليبية وسواها من الجنسيات العربية أو الأجنبية. ويعدّ ليبياً بموجبه كل من ولد في ليبيا أو كان أحد أبويه مولوداً في ليبيا أو أقام في ليبيا لمدة لا تقل عن عشر سنوات.
وقد قامت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور بإصدار ثلاث مسودات تناولت المسألة على النحو الآتي:
المسودتان الأولى 2014 والثانية 2015 للدستور الليبي المزمع إصداره حالياً[6]،وقد أشارتا بوضوح وحزم إلى عدم منح الجنسية الليبية لإبن الليبية. فقد نصت المادة 11/2 "الليبي من ولد لأب ليبي". كما نصت المادة 13 /3 "تعطى أفضلية لمنح الجنسية لأولاد الليبيات". أما المادة 119/ 6 والتي تتصل بالحق في الحياة الكريمة فقد منحت أولاد الليبيات حقا بالتمتع بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن الليبي ما عدا الحقوق السياسية.

المسودة الثالثة (مشروع الدستور)، وقد تضمنت تعديلاً مفاجئاً في اتجاه منح الجنسية لهؤلاء في الاجتماعات الأخيرة والتي عقدت بصلالة-عمان، مماأدى إلى تضمين مسودة المشروع تكريساً لحقهم بالجنسية الليبية.
ثم تناول مشروع الدستور الجديد في ليبيا الصادر في 19 أبريل 2016 هذه المسألة في مادته 12 بشكل مغاير. فيكون ليبياً وفق هذا المشروع من ولد لأم ليبية وفقاً لما ينظمه القانون وأجاز له القانون الاحتفاظ بجنسية. والتدقيق في هذه المسودة يسمح بالقول بأن المشرّع الدستوري ميز بين الذين يحوزون الجنسية بحكم القانون (مادة 12 فقرة أولى) والذين يكتسبونها بعد ولادتهم (مادة 12 فقرة ثانية) كالذين يولدون من ليبيات متزوجات من أجانب، والذين يكون منحهم الجنسية جوازيا ومقيدا بالضوابط التقديرية التي يقررها المشرع. ومن أهم هذه الضوابط حسبما جاء في المادة 13 من المسودة: اعتبارات المصلحة الوطنية والمحافظة على التركيبة السكانية وسهولة الاندماج في المجتمع الليبي. كما تجدر الإشارة إلى أن المشروع ينص على إمكانية سحب الجنسية المكتسبة خلال العشرسنوات التالية لاكتسابها. ويلحظ أن المشروع الدستوري أبقى في صورته النهائية على حرمان أولاد الليبيبات من الحقوق السياسية في المادة 58 الفقرة السادسة منها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه المواد جاءت في سياقمواد توجيهية تؤكد على مساواة الليبية بالليبي وحظر التمييز ضدها. ففي الباب الأول "شكل الدولة ومقوماتها الأساسية"، أكدت المادة التاسعة وعنوانها: المواطنة على الآتي: "المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه.ويحظرالتمييزالقائم بينهم على أساس الجنس أوغيره ..". وفي الباب الثاني "الحقوق والحريات"، نصت المادة 57 وعنوانها دعم حقوق المرأة على أن "النساء شقائق الرجال. وتلتزم الدولة بدعم ورعاية المرأة وسن القوانين التي تكفل حمايتها ورفع مكانتها في المجتمع والقضاء على الثقافة السلبية والعادات الاجتماعية التي تنتقص من كرامتها وحظر التمييز ضدها وضمان حقها في التمثيل في الانتخابات العامة وإتاحة الفرص أمامها في المجالات كافة وتتخذ التدابير اللازمة لدعم حقوقها المكتسبة."
وعلى سبيل المقارنة القريبة بمصر، تجدر الإشارة إلى أن دستور 2014 كرس حق أبناء المصرية المتزوجة من أجنبي بالجنسية المصرية. فقد نصت المادة السادسة منه على أن "الجنسية حق لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به ومنحه أوراقاً رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله القانون وينظمه".
ويتضح من هذا النص أن الحق في الجنسية لأبناء المصريين والمصريات هو حق دستوري، لا يجوزللقانون الانتقاص منه، أو أن يضع له شروطاً تقيده بالنسبة لأبناء طائفة معينة من المصريات. فالتنظيم المقصود لايمكن أن ينتقص من أصل الحق، لكنه تنظيم لكيفية منح الأوراق الرسمية المثبتة له بما لايمس وجوده[7].

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.


[1]ورش عمل , مناظرات سياسية بين مرشحات التأسيسية، مقابلات لأعضاء الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور،, مقابلة لمسؤولين من الحكومة.
[2]المسح العالمي للقيم،المسح الشامل لآراء الليبيين في القيم، فبراير 2014، مركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي،ص: 11.
[3]http://www.panapress.com, مع ملاحظة أن الخلطبينمركز أبناءالليبي وأبناءالليبيةخاطئ والقياس فيه مع الفارق ,لأن أبنالليبيةلديهجنسيةوالده ابتدأ ,بينما أبنالليبيلا توجدلديةجنسيةأخرى .
[4]أد. سعد العسبلي"قانون الجنسية الجديد"http://www.libyaforum.org
[5]اللائحة  التنفيذية للقانون رقم 24 لسنة 1378و.ر بشأن أحكام الجنسية الليبية المرفقة بقرار اللجنة الشعبية رقم منشورة في الجريدة الرسمية العدد الثاني الصفحة رقم 77
[6]صدرت الاولى عن اللجان النوعية المنبثقة عن الهياة التأسيسية في ديسمبر 2014م , والثانية في أكتوبر 2015م عن لجنة العمل المنبثقة عن الهياة التأسيسية المنتخبة لإصدار الدستور الليبي بعد 2011م .
[7]د. فتوح الشاذلي ,قراءات في دستور مصر 2014 (3) ,أضواء على حقوق المرأة المصرية في الدستور الجديد ,فبراير 2014م , المفكرة القانونية http://www.legal-agenda.com