لا يُعدّ الحديث عن الرفع في سن الإحالة على التقاعد من بين المُستجدّات في تونس. فقد اقترحت الدراسة التي أعدّها مكتب العمل الدولي لإصلاح أنظمة التقاعد في تونس التمديد في سن التقاعد على مرحلتين إلى 62 سنة في المرحلة الأولى التي ينطلق تطبيقها بداية من 2011 و65 سنة ينطلق تطبيقها في 2016 وذلك منذ الشهر الثاني عشر في 2010. كما اقترحت الدراسة، الصادرة أياما قبل الثورة، الزيادة في نسبة المساهمات المالية للأجراء والمؤجرين في القطاعين الخاص والعام وذلك على مرحلتين لتجاوز العجز المُتفاقم في الصناديق الإجتماعية التونسية. وقد سبب هذا الأمر آنذاك جدلا شبيها بالذي نعيشه اليوم. ويعتبر تفاقم العجز المالي الذي تمرّ به الصناديق الاجتماعية في تونس من الملفات الحارقة التي عجزت أمامها حكومات ما بعد  الشهر الأول  2011، ومن أبرز التحديات التي سوف تواجهها الحكومة الحالية.
 
لماذا الترفيع في سن التقاعد؟
إن التهرّم السكاني الذي تواجهه البلدان المتقدمة والذي يهدد على الدوام توازن نظام التقاعد لديها، صار أمرا واقعا بالنسبة  الى البلدان السائرة في طريق النمّو. ولكن، ولأن عمليات الإصلاح لا بد أن تأخذ في الاعتبار التطورات الديمغرافية والاقتصادية القادمة، فإن مراجعة نظام التقاعد أصبح من المسائل المهمة بالنسبة إلى هذه البلدان النامية. وفي هذا الإطار، يسجل ارتفاع نسبة الأمل في الحياة في تونس، في مقابل انخفاض في المؤشر العام للخصوبة. ولهذه العوامل الايجابية المرتبطة بالتقدم الطبي وتحسن ظروف الحياة ثمن باهظ. فمن أهم نتائجه اختلال التوازن بين عدد الأشخاص العاملين وعدد المتقاعدين، وما يستتبع ذلك من اضطراب مهول على نظام التقاعد وخاصة ذلك القائم على التوزيع كما هي الحال في تونس. فصندوق التقاعد وجراية الباقين على قيد الحياة يموّل بواسطة مساهمة يتحملها العون والمشغل على أن تصرف المبالغ المرصودة في دفع جرايات المتقاعدين.
فبحسب آخر الدراسات التي اهتمت بالملف، دخلت هذه الصناديق في مرحلة عجز هيكلي ناتج عن أسباب تنموية من أهمها تحسّن الأمل في الحياة عند الولادة الذي يصل في تونس إلى 75 سنة  وشيخوخة السكان وتهرّم الأنظمة وتأخر الاندماج في سوق الشغل إلى غير ذلك من الأسباب. وتشير الدراسات إلى أن عجز الصناديق كان متوقعا منذ سنة 1985، لكن الحكومات المتتالية لم تواجه الصعوبات بجدية مما أدى إلى انخرام وضعيتها. ورغم بعض الإجراءات التي انطلقت سنة 1995 من خلال رفع نسب المساهمات وإعادة النظر في شروط التقاعد المبكر وإتاحة الترفيع في سنّ التقاعد لأسباب شخصية من 50 الى 55 بعد قضاء 30 سنة عمل، ظلّت هذه الإجراءات محدودة واقتصرت فقط على تضخيم موارد الصناديق لمدة قصيرة دون التوصل إلى حلول جذرية تضمن ديمومة نظم الضمان الاجتماعي.
ووفق آخر الأرقام الرسمية، تعاني صناديق التقاعد مجتمعة من عجز كبير بلغ 1.1 مليار دينار خلال 2013 – 2014، والمُرشّح لبلوغ 2 مليار دينار خلال الخمس سنوات القادمة إذا لم يتم إيجاد حلول عاجلة وجذرية. كما تأمل الوزارة أن يتم التخفيف من هذا العجز المُتوقّع خلال الثلاث سنوات المُقبلة بنسبة 50 بالمائة، إذا تم تبني مقترحها في ترفيع سن التقاعد
 
هل يعمل التونسيون أقل من غيرهم؟
لقد سار الاتجاه العالمي  في السنوات الأخيرة نحو التمديد في سنّ العمل كما وقع ذلك في فرنسا مثلا من خلال القانون المسمى قانون فييونوالذي سنّ في 21 – 08- 2003. وأتى هذا القانون منسجماً مع أنظمة التقاعد الأوروبيّة التي تضع سن 65 كسنّ قصوى للمباشرة كما هو الأمر في ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا بل إنّ هذا السنّ يصل في السويد مثلا إلى 70 سنّة.إلا أنّ هذا التحديد الأقصى لسنّ التقاعد لا يعني بالنسبة إلى هذه البلدان عدم وجود أنظمة خاصة تحترم خصوصية المهن.
إن أنظمة التقاعد في معظم بلدان العالم تتسم بالمرونة. فهي لا تقرر سنّا واحدًا للتقاعد سواء بالنسبة إلى موظفي القطاع العام أو القطاع الخاص.فإذا كانت السنّ الإجبارية للتقاعد في فرنسا قد حددت بـ65 سنة إلا أنّها في الواقع تتضمن استثناءات كثيرة. فإذا انطلقنا من هذا البلد، لاحظنا مثلا فيما يخص قطاع الوظيفة العمومية أن السنّ القصوى للمباشرة قد حدد بـ 70 سنة للجامعيين على أنه يمكنهم أيضا الحصول على التقاعد في سنّ 65 إذا طلبوا ذلك بالصيغ وفي الآجال التي حددها القانون.ويتمتع بهذا الاستثناء أيضا قضاة المجلس وقضاة النيابة وكتبة المحاكم إذ أنه يمكنهم العمل إلى حدود السبعين سنة على أنه بوسعهم أن يتحصلوا على التقاعد في سنّ 65 بتقديم طلب في ذلك قبل 6 أشهر من حلول الأجل إلى المجلس العام للسلطة القضائية.على أنّ لهذه الاستثناءات صيغ أخرى من قبيل التقاعد الإجباري الناتج عن العجز والتقاعد بطلب من الموظف والتقاعد المبكر.

وبالنظر إلى القانون التونسي، وبالرجوع إلى القانون عدد 12 لسنة 1985 والمتعلق بنظام الجرايات المدنية والعسكرية للتقاعد وللباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي، نلاحظ أنّه يحدّد في فصله 24 "سنّ الإحالة على التقاعد بستين سنة". لكنه وكغيره من الأنظمة يستثني من هذا السنّ أصناف الأعوان المنصوص عليهم بالفصول من 25 إلى 29. وبالنظر إلى هذه الفصول نلاحظ أن سنّ الإحالة القصوى على التقاعد هي سبعون سنة (70) بالنسبة للرئيس الأول لمحكمة التعقيب ولوكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب وبخمس وستين سنة بالنسبة للإطارات العليا الأخرى. وحددت سنّ الإحالة القصوى على التقاعد بـ 65 سنة بالنسبة إلى العمد على أنّ هذا الاستثناء بالترفيع يقابله استثناء آخر ولكن بالتخفيض من سنّ المباشرة. فقد حددت سنّ الإحالة على التقاعد بـ 55 سنة بالنسبة إلى العملة الذين يقومون بأعمال منهكة ومخلة بالصحة. وتقع إحالة الأعوان الذين يمارسون وظائف مرهقة بعد قضاء 35 عاما من المباشرة وبلوغ سن الخامسة والخمسين على الأقل كما يمكنهم عند توفر هذين الشرطين البقاء في حالة مباشرة إلى 60 سنة على أقصى تقدير.
هذا بالنسبة إلى المدنيين أما بالنسبة إلى العسكريين، فإن الاستثناء من مبدأ الـ 60 سنة يسير في الاتجاهين. في اتجاه التخفيض إذ يصل إلى 50 سنة فقط بالنسبة للجنود ورقباء البحرية والجنود البحارة أو في اتجاه الترفيع إذ حددت سنّ الاقصى للتقاعد بـ 62 سنة بالنسبة لإطار الضباط القادة.

إن النتيجة الأولية التي تستخلص من هذا القانون هو الاتجاه العام نحو المحافظة على الخبرات العالية وذلك باستبقائها في حالة مباشرة بعد الستين وهو أمر واضح جدّا فيما يخص القضاة السامين وإطارات الدولة العليا من المدنيين وإطار الضباط القادة من العسكريين. كما أنّ الاتجاه واضح نحو مراعاة طبيعة العمل والتخفيض في سنّ التقاعد بالنسبة الى الأعمال المرهقة أو بالنسبة إلى من يحتاج عملهم إلى قدر أدنى من الصحة أو القوة البدنية مثلما هو الحال بالنسبة إلى الجنود مثلا.
 
البقاء الإجباري في الخدمة حتى سن الخامسة والستين حقيقة قائمة
صادق مجلس النواب في 2009 على تعديل جزئي لقانون التقاعد. وبعدما أكّد التعديل على عدم المساس بالمبدأ العام لسن الإحالة الوارد في الفصل 24 ومفاده أن سن التقاعد المرجعيبالنسبة لأعوان الدولة هو ستون سنة، استثنى منه بعض الفئات بموجب الفصل 29 مكرر. وعليه، حدد سن الإحالة على التقاعد بخمس وستين سنة بالنسبة إلى أساتذة التعليم العالي والأساتذة المحاضرين للتعليم العالي بالمؤسسات الجامعية ومؤسسات البحث العلمي المدنية والعسكرية والأساتذة الإستشفائيين الجامعيين والأساتذة المحاضرين المبرزين الإستشفائيين الجامعيين. كما أجاز التعديل إبقاءهم بحالة مباشرة بمقتضى أمر إلى أن يبلغوا سنا أقصاها سبعون (70) سنة.وهكذا نتبين أن الاتجاه نحو الترفيع الاجباري في سن التقاعد حقيقة قائمة في تونس منذ سنة 2009 حتى وان كانت لم تشمل إلا بعض القطاعات. ويلحظ أن هذا الترفيع في التعليم العالي كان بطلب من النقابة نفسها وذلك للتصدي الى خضوع عمليات التمديد أو رفض التمديد في النظام السابقالى الفرز السياسي والاعتبارات غير الجامعية.
 
هل سنعيش صداما مُرتقبا بين الحكومة و الإتحاد العام التونسي للشغل؟
المشروع الذي أحيل على مجلس نواب الشعب منذ الصيف الماضي والذي كان من المزمع أن يدخل حيز النفاذ في الشهر الأول من 2016 خضع إلى مفاوضات بين الأطراف الاجتماعية وخاصة بين الاتحاد والحكومة عقب وصوله إلى المجلس وذلك في جلسات متتالية. ونصّ محضر الجلسة المؤرخ في 01 – 09- 2015 بين الاتحاد والحكومة على أنه تم إدخال تعديلات على مشروع القانون الأصلي الذي قدمته الوزارة. وتم الاتفاق فيما يخص الترفيع في سن الإحالة على التقاعد على إعطاء العون إمكانية اختيار الترفيع بسنتين أو خمس سنوات فيما كان المشروع الأصلي ينص على إمكانية الترفيع لخمس سنوات فقط. ويفتتح الحق في ممارسة الاختيار سنتين قبل بلوغ سن التقاعد القانونية عوضا عن خمس سنوات. وقد أكدت جلسة 06-11- 2015، الاتفاق الحاصل بين الأطراف الاجتماعية.
ولئن وافق الإتحاد على الإجراء موافقة رسمية، إلا أنه اعتبر أنه لا يعبّر تماما عن موقفه بل هي صيغة توافقية لا أكثر توصلت إليها الأطراف المفاوضة من منطلق حرصها على إيجاد حلول ولو منقوصة لوضعية الصناديق الاجتماعية. ويرى الاتحاد أن الحكومة قادرة على دعم الصلابة المالية للصناديق الاجتماعية دون اللجوء إلى رفع سن التقاعد وذلك بالبحث عن مصادر جديدة للتمويل بالإضافة إلى مساهمات الأجراء، معرباً عن رفضه لمقترح رفع سن الإحالة على التقاعد بأية صيغة أخرى غير الصيغة الاختيارية المتفق عليها .إلا أن الوزير الجديد  للشؤون الاجتماعية محمود بن رمصان والذي وصل إلى الحكومة عقب تحوير06 – 01- 2015 الحكومي  نفى وجود محضر بين الطرفين النقابي والحكومي مؤكدا في تصريح إعلامي يوم  04 - 04 2015 أن الاتجاه سيكون نحو إقرار إجبارية الترفيع الى سن 62 سنة واختياريته إلى سن 65 سنة، لأن الوضع المالي للصندوق كارثي حسب قوله.
 
في آخر تفاصيل المواجهة 
اجتمع أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل  يومي 4 و5  من الشهر الخامس 2016. وارتأت الهيئة أن تصدر مع لائحتها العامة بيانا خاصا وهو أمر قليل الحصول  في عرف المنظمة. وتعلق البيان بواقع الصناديق الاجتماعية وما تمرّ به من اختلال في توازناتها المالية. وقد اعتبرت الهيئة الإدارية أنّ الترفيع  ليس الحلّ الجذري والوحيد لتجاوز العجز المالي لأنظمة التقاعد وليس إلاّ تأجيلا للإشكالات القائمة في توازناتها الماليّة.كما استنكرت الهيئة تراجع الحكومة على الاتفاق الممضى مع الاتحاد العام التونسي للشغل، و اعتبرت وفق نص البيان ان في ذلك ضربا لمصداقية الحوار الاجتماعي وتنكّرا لمبدأ استمرارية الدولة وتنصّلا من محتوى العقد الاجتماعي الممضى. وطالبت الحكومة بتفعيل ما اتُّفق في شأنه دون المساس بمضمونه. وتمسّكت الهيئة باللجنة الفرعية للحماية الاجتماعية المنبثقة عن العقد الاجتماعي باعتبارها الإطار الوحيد المؤهّل والموكول له البتّ في كلّ مراجعة لأنظمة الضمان الاجتماعي وذلك تجسيما لمقتضيات العقد وتفعيلا لما ورد في أوّل محضر جلسة لهذه اللجنة واعتبرت أيضا أنّ الترفيع في سنّ الإحالة على التقاعد لن يكون مجديا إلاّ إذا رافقته إجراءات مصاحبة كاستخلاص الديون والحوكمة في التسيير والتصرّف في الصناديق الاجتماعية وتنويع مصادر التمويل إضافة إلى الترفيع في مساهمة المؤجّر في القطاع العمومي.
ويستعيد هذا البيان بشكل حرفي المفردات الواردة في بيان قسم التغطية الاجتماعية والصحة والسلامة  التابع للمنظمة  في 21 – 04- 2016 والذي لوح فيه الاتحاد لأول مرة بتقديم شكاية رسمية ضد الدولة التونسية الى المكتب الدولي للشغل.
ويبدو بحسب الأخبار الملحة في الوسط النقابي والنيابي أن شبه اتفاق  حصل بين الكتل النيابية التي كانت مختلفة في ما بينها حول جدوى مشروع القانون منذ وصوله الى المجلس. فهي تميل الآن الى تبني المقترحات التي يصرّ عليها الوزير بن رمضان والتي ترى أن أي تعديل لن يكون مجديا وذا مفعول ملموس على الصناديق الا اذا كان تدريجيا، ويبدأ اجباريا بسنتين على الأقل مع الإبقاء على اختياريتة بين 62 و65  سنة بالنظر إلى أن أي صيغة  اختيارية لن يقبل عليها الا عدد قليل من كبار الموظفين من أصحاب الامتيازات.
 
مأزق الخطاب النقابي
ويبدو الاتحاد في مأزق صعب. فهو من جهة يخوض تحركات في جميع الجهات من أاجل دعم المعتصمين والمطالبين بالتشغيل في بلد تتجاوز فيه نسبة البطالة بحسب الأرقام الرسمية 17 في المائة وهي تصل إلى خمسين في المائة في بعض الجهات بالنسبة الى أصحاب الشهائد الجامعية. وهذا الأمر يجعله قريبا من الحراك الاجتماعي سواء في الوسط العمالي المندمج نقابيا أو في وسط الفئات الفقيرة المهمشة التي تعيش على هامش سوق العمل. لكنه من جهة اخرى متهم على الدوام بالوقوف مع حالات التسيب التي تعيشها البلاد كما هو الأمر في حراك الوسط المنجمي في الجنوب والذي يكبد الدولة خسائر فادحة نتيجة تعطيل عجلة الإنتاج والتصدير في مادة الفسفاط وهو يمثل إحدى الثروات المنجمية الأساسية. كما أنه متهم بالوقوف ضد أي سياسة إصلاح تنتهجها الحكومة في ظرف تحتاج فيه البلاد  الى إصلاحات جريئة في كثير من القطاعات. غير أن مسأالة  التقاعد في صلتها بواقع الصناديق تبدو في غاية الحساسية هذه المرة. فقد قال وزيرالشؤون الاجتماعية  صراحة في اجتماع اللجنة المختصة في 20- 04- 2016 أن الصناديق لم تعد تملك السيولة الكافية لسداد جرايات المتقاعدين وأنها ستعجز تماما عن خلاصهم في بضعة أشهر. ويبدو الاتحاد شبه سجين لهذا التناقض بين التزامه بحاجات العاطلين عن العمل وصورته في الأوساط العمالية المفقرة التي ترفض أن يقع انهاكها بسنوات عمل إضافية بعد الستين وبين الخطر الذي يهدد مئات الآلاف من المتقاعدين في وصول جراياتهم اليهم. ومن غير المستبعد أن تكون موافقة الاتحاد على مشروع الحكومة الأصلي مع فرض تحويرات عليه حصلت على مضض وتمثل نوعا من القرارات الموجعة،وذلك في نطاق حزمة من التفاهمات تتعلق بالزيادة في الأجور في القطاعين العام والخاص. وكانت هذه المفاوضات عرفت مخاضا عسيرا في القطاع الخاص واحتاجت مرات كثيرة إلى تدخل رئيس الحكومة لتجسير الهوة بين مقترحات نقابة الأعراف وما يطالب به الاتحاد.
 وربما هدفت التحويرات التي اقترحها الى:
- إعطاء الانطباع لدى الرأي النقابي بأن الاتحاد ولئن قبل بمشروع القانون على مضض الا أنه فعل كل ما  بوسعه لتحسينه،
- غلق الباب من خلال موافقته  على المشروع كتنازل موجع  أمام أي تمديد إجباري وذلك بالتضييق قدر الإمكان من مدة التمديد بجعلها عامين وخمس سنوات عوض خمس دفعة واحدة ثم تقديم الطلب قبل سنتين عوض خمس سنوات وهي اقتراحات لا تكاد تغير شيئا جوهريا في نص المشروع،
-قد تكون هذه المناورة تستهدف أيضا تعطيل صدور القانون وذلك لعلم الاتحاد بالخلاف القائم بين الحكومة ونوابها في المجلس وأحيانا ضمن الكتل النيابية نفسها وذلك منذ البداية.
 
أخيرا إلى أين تسير المواجهة؟
من الصعب جدا أإن نتنبأ في هذا الطور من الصراع بما قد تؤول إليه الأمور.غير أنه ليس أمام اللجنة البرلمانية ثم الجلسة العامة إذا وصل إليها المشروع غير بعضة خيارات قليلة:
 فإما أن ترفض المشروع جملة لعدم اقتناع أكثر النواب بجدواه بحسب ما ورد في جلسة 20 – 04 - 2016 المشار إليها و نظرا لنتائجه المحتملة والتي قد تكون وخيمة على السلم الاجتماعي، أو على الأقل مزيد تأجيل للحسم فيه إلى الدورة النيابية القادمة، وإما أن تمرر المشروع الأصلي دون إدخال أي تحوير جوهري عليه وإما ثالثا أن تقبل بالاتفاق الحاصل بين وزارة الشؤون الاجتماعية والاتحاد وإما رابعا أن تقبل باقتراح حل وسط قد يكون  التمديد الاجباري بعام واحد مع الإبقاء على الصيغة الاختيارية بخمس سنوات وإما أن تقبل بمقترح الوزير القاضي باجبارية التمديد سنتين على الأقل.
وهذه الفرضية الأخيرة هي التي يخشاها الاتحاد أكثر والتي ستضعه في مأزق حقيقي. فإما الرضى بمزيدمن إثقال كاهل العمال المرهقين بطبعهم بسنوات عمل إضافية مضنية وبأجور متدنية في كثير من الأحيان أو الدخول في مواجهة قانونية دولية وتحريك الشارع من أجل فرض وجهة نظره.
خيارات لا أحد يدري  أيها سوف يتبنى المجلس النيابي. الأكيد أإن المجتمع التونسي بأسره ينتظر ما سيؤول إليه مشروع القانون. فالعاطلون عن العمل ينظرون إليه بعين الخشية   سواء بصيغته  الاختيارية أو الإجبارية لأنه سيقلص لديهم بشكل محسوس وعلى مدى سنوات فرص التشغيل في الوظيفة العمومية. والمتقاعدون يأخذون وضع الصناديق على محمل الجد. والحكومة مصرة على إخراج هذه الصناديق من الوضع الصعب الذي آلت اليه وتريد تمديدا إجباريا. والاتحاد يصر على الالتزام بالاتفاق الحاصل ويعد قواعده للمواجهة إذا لم يأخذ الاتفاق بعين الاعتبار. وهذا الخيار الأخير ليس سهلا في ظل صعوبة الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية. وهو خيار قديحمله مسؤولية كبرى في ما ستؤول إليه الأمور ويضاعف من دعوات الشيطنة والإدانة المنتشرة هذه الأيام سواء  ضد المنظمة أو ضد العمل النقابي بأسره.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.