تقدم كبير الأحبار التونسيين بوصفه ممثلا للجالية اليهودية لهيئة الحقيقة والكرامة يوم 14-06-2016 بملفي طلب تعهد تعلقاً بما يدعي أن اليهود التونسييون تعرضوا له من انتهاكات تمثلت في معاملات عنصرية وسلب للمتلكات دون تعويض علاوة على الحرمان من الحق في الجنسية. في اليوم الموالي، تقدمت  "جمعية منامتي ضد الميز العنصري على أساس اللون" بملفها لذات الهيئة والذي تدعي صلبه تعرض تونسيين من ذوي البشرة السوداء لتمييز. كما تقدمت بذات التاريخ جمعية تويزة للتراث والتضامن والتنمية بملف تظلم ومطالبة برد الإعتبار للثقافة الأمازيغية وللأمازيغ. وذكر القائمون عليها أن الهدف من تقديم الملف لهيئة الحقيقة والكرامة هو تسليط الضوء على التهميش الممنهج الذي عانى منه المواطنون التونسيون ذوو الأصول الأمازيغية والراغبون في المحافظة على مقومات ثقافتهم الأصلية من لغة ونظام عيش وتقاليد.
تشترك هذه الملفات في تعلقها بأقليات عرقية تونسية تدعي جميعها أنها ضحية لانتهاكات متواصلة لحقوقها من 01-07-1955 إلى 23-12-2013، دون أن يعني ذلك أنها انتهت بعد هذه الفترة المحددة قانونا لنظر هيئة الحقيقة والكرامة.

و تحمّل الشكايات الثلاث في بعد أول الدولة بما هي سلطة سياسية مسؤولية التجاوزات خصوصا فيما تعلق بادّعاء التجريد من الممتلكات وسحب الجنسية بالنسبة للمواطنين اليهود وعدم الحفاظ على التراث الأمازيغي بالنسبة للأقلية الأمازيغية. وتماثل هذه الشكايات في هذا البعد كماً كبيراً من الشكايات التي تقدمت بها الجمعيات والجهات والناشطون الحقوقيون والسياسيون على خلفية تعرضهم لانتهاكات عدة من استبداد الدولة. بالمقابل، تحمّل هذه الشكايات في بعدها الثاني المجتمع التونسي بما هو انعكاس لثقافة الأغلبية مسؤولية ما تعرضت له "الأقليات الشاكية"من ميز اجتماعي. ومن شأن هذا البعد الثاني أن يحمّل هيئة الحقيقة في بحثها مسؤولية هامّة تتجاوز مسؤولياتها في غيرها من الملفات.
وإذ بلغ عدد ملفات ضحايا انتهاكات حقوق الانسان التي تعهدت بها هيئة الحقيقة والكرامة، الستين ألف ملف، فإنه يكشف عن تمسك المجتمع التونسي بمسارات العدالة الانتقالية كسبيل لفهم انتهاكات المنظومة الإستبدادية للحقوق الفردية والعامة. كما يكشف في الوقت نفسه رفضاً للدعوات السياسية التي تنطلق من طلب طيّ صفحة الماضي لتصل إلى تمجيده. وتحوّل الشكايات التي صدرت عن الأقليات جانبا من حفر العدالة الانتقالية في جراحات الماضي إلى بحث في ثقافة المجتمع وتاريخه وممارسته عنوانها أين ظلمت الأغلبية الأقلية، وكيف يمكن جبر الضرر الذي تولد عن هذا الظلموهل يقبل المجتمع تاليا باستمرار الوضع على حاله.

وقد يكون هذا البحث من أصعب مهام الهيئة بالنظر لحساسيته. فهو لا يتصل بمظالم نزعت الثورة سلطة من اقترفها، بل بمظالم لازال المجتمع بوعي أو من دون وعي يصر على ممارستها بسلطته على الفرد والجماعات. وتظهر في هذا الإطار شكاية الجالية اليهودية في جانبها الذي يتعلق بسحب الجنسية و التجريد من الأملاك من الشكايات التي تتعارض مع قناعات عامة شأنها شأن الشكاية التي تتعلق بالحقوق الثقافية الأمازيغية.
تتحمل هيئة الحقيقة والكرامة في بحثها عن حقوق الأقليات العرقية والدينية في تونس مسؤولية هامة. ويُنتظر منها في مباشرتها لهذه المسؤولية أن تبتعد عن التوظيف السياسي للملف لتتوصل لبيان ما يجب اتخاذه من إجراءات لوضع حدّ لاعتداء الأغلبية على حقوق الأقلية على فرض ثبوتها وتحديد كيفية جبر الضرر الحاصل لاحقاً. وهي مسألة يشترط للتوصل لها أن تكون للهيئة المصداقية الكاملة التي تقنع بما تتوصل له من نتائج. ولن تتحقق هذه  المصداقية ما لم تنجح الهيئة في تطوير أداء شفاف يحترم بداية حقوق الأقلية صلبها بما يعطي للمجتمع المثال في سلوك من يحاكمه. وفي الوقت نفسه، يقتضي أن تلتزم ذات الهيئة باحترام القرارات القضائية الصادرة بحقها بما يضمن احترام المجتمع لقراراتها التي قد لا تكون لها قوة الإلزام.

نشر هذا المقال في العدد 5 من مجلة المفكرة القانونية في تونس.